fiqh.ch
Zum Inhaltsverzeichnis
Kitāb aṭ-Ṭahāra — Das Buch der Reinheit · Kapitel 1

الباب الأوّل: أحكام الطّهارة والمياه

Die Bestimmungen der Reinheit und der Wasserarten

الطّهارة هي مفتاح الصّلاة وأهم شروطها. والطّهارة على قسمين:

الأوّل: الطّهارة المعنوية وهي طهارة القلب من الشّرك، والغِلّ، والبغضاء، والذّنوب والمعاصي.

قال محمّد بن جُزَيّ : "فالمعنوية: طهارة الجوارح والقلب من دَنس الذُّنوب ". (القوانين الفقهية ص 21)

الثّاني: الطّهارة الحِسّيّة، كطهارة الثّوب والبدن ممّا يُصاب به من الأقذار والأوساخ.

قال محمّد بن جُزيّ : "والحسِّيّة هي الفقهية التي تُراد للصّلاة، وهي على نوعين: طهارة حَدث، وطهارة خَبث." (القوانين الفقهية ص 21)

تعريفها:

هي في اللّغة: النّظافة والنّزاهة من الأقذار والأدناس والأوساخ. قال ابن قُدامة:" الطّهارة في اللُّغة: النّزاهة عن الأقذار ": (المغني ج1/12) وقال محمّد عليّ الإتيوبيّ :" وهي لغةً: النّظافة، والنّزاهة عن الأقذار، حِسِّيةً كانت كالأنجاس، أو معنويةً كالعُيوب ". (البحر المحيط الثَجّاج ج6/7)

وفي الاصطلاح: رفع الحدث، وزوال الخَبث أو ما في معناهما كتجديد الوضوء والتيمّم، أو هي عبارة عن غسل لأعضاء مخصوصة بصفة مخصوصة، أو هي صفة حُكمية توجب لموصوفها جواز استباحة الصّلاة به. (الفقه الميسرج1/15، والتّسهيل لمعاني مختصر خليل ج1/30). قال ابن قُدامة :" وفي الشّرع: رفع ما يمنع الصّلاة من حدث، أو نجاسة بالماء، أو رفع حكمه بالتُّراب ". (المغني ج1/12) وقال النوويُّ في تهذيب الأسماء واللُّغات:" وفي الشّرع: رفع الحدث، وإزالة النّجاسة، أو ما في معناهما، كالتّيمُّم، وتجديد الوضوء، والغَسلة الثّانية، والثّالثة في الوُضوء، إزالةِ النّجاسة، والأغسالِ المسنونة، وطهارةِ المُستحاضة، وسلسِ البَول، وما في معناهما من حَدثٍ دائم، فكلُّ هذه طهارات، ولا يَرفع، ولا يُزيل نجساً، ومن اقتصر على أنّ الطّهارة رفع الحدث، وإزالة النّجس، فليس بمُصِيب، فإنّه حدٌّ ناقص، لأنّه يَخرُج منه ما ذكرناه ". (البحر المحيط الثَّجّاج ج6/9)

المراد بارتفاع الحدث: إزالة الوصف المانع من الصّلاة وهو نوعان:

حدث أصغر وهو الذي يقوم بأعضاء الوضوء كالبّول والغائط.

حدث أكبر وهو الذي يقوم بالبدن كالجنابة وهذا يرتفع بالغُسل.

وعلى هذا فطهارة الحدث: صُغرى وهي الوضوء، وكُبرى وهي الغُسل. وبَدلٌ منهما عند تعذُّرهما وهو التّيمُّم. قال ابن رُشد :" اتّفقوا على أن الطّهارة من الحدث ثلاثة أصناف: وُضوء وغُسل وبدل منهما، وهو التيمّم. وذلك لتَضمُّن ذلك آية الوضوء الواردة في ذلك ". (بداية المجتهد ج1/19)

المراد بزوال الخَبث: إزالة النّجاسة من البدن والثّوب والمكان.

3- حكمها:

وهي واجبة بالكتاب والسُّنّة والإجماع.

أمّا الكتاب: فقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ المائدة:7

وأمّا السُّنّة: فقوله :" لا تُقبل صلاةٌ بغير طُهور ". رواه مسلم برقم 224، وقوله:" لا يقبل اللّهُ صلاة أحدِكم إذا أحدث حتّى يتوضّأ ". رواه البخاريّ برقم 135، ومسلم برقم 225

وأمّا الإجماع: فقال ابن رُشد :" فإنّه لم يُنقل عن أحدٍ من المسلمين في ذلك خلاف. ولو كان هناك خلاف لنُقِل. إذ العادات تقتضي ذلك ". (بداية المجتهد ج1/21) وقال النوويّ :" وقد أجمعت الأُمّةُ على أنّ الطّهارة شرطٌ في صحّة الصّلاة ". (شرح مسلم ج3/102)

الماء الذي تَحصُلُ به الطّهارة هو الماء الطَّهور وهو الطّاهر في ذاته المطهِّر لغيره، وهو الباقي على أصل خِلقته، سواء كان نازِلاً من السّماء كالمطر وذَوْب الثّلوج والبَرَد، أو جارياً في الأرض كماء الأنهار والعُيون والبِحار، لقوله : ﴿ويُنزل عليكم من السّماء ماءً ليطّهّركم به﴾ الأنفال 11، ولقوله: ﴿وأنزلنا من السّماء ماءً طهوراً﴾ الفرقان 48، وقوله :" الّلهمّ اغسلني من خطاياي بالماء والثّلج والبَرَد ". رواه البخاريّ برقم 744، ومسلم برقم 598، ولقوله عن ماء البحر:" هو الطّهور ماؤه، الحلُّ ميتته ". رواه أبو داود برقم 83، والتّرمذيّ برقم 69، والنّسائيّ برقم 59، وابن ماجه برقم 386، وصحّحه البخاريّ، والتّرمذيّ، وابن خُزيمة، وابن حِبّان، والحاكم، وابن الجارود. (الإرواء ج1/42) وهو ما صحّ إطلاق الماء عليه من غير ذكر قَيد، بأن يُقال فيه: هذا ماء. قاله أحمد الدَّردير في الشّرح الصّغير ج1/79

ولا تحصل الطّهارة بمائع غير الماء كالخلّ والبنزين والعصير واللَّيمون ونحو ذلك، لقوله : ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمّمواصعيداً طيّباً﴾ المائدة 6. قال أحمد الدّردير :" فخرج ما لم يَصدق عليه اسم الماء أصلاً من الما ئعات، كالخلّ والسَّمن، وما لايصدق عليه اسمه إلّا بالقَيد، كماء الوَرد وماء الزَّهر وماء البَطيخ ونحوها. فهذه الأشياء ليست من الماء المُطلق، فلا يصحّ التّطهير بها، بخلاف ماء البحر والمطر والآبار، فإنّه يصحّ إطلاق الماء عليها من غير قَيد، فيصحّ التَّطهيرُ بها ". (الشّرح الصّغير ج1/79)

وأجمع العلماء على أن جميع أنواع المياه طاهرة في نفسها مُطهِّرة لغيرها إلاّ ماء البحر، فإنّ فيه خلافاً شاذّاً في الصّدر الأوّل

قال ابن قُدامة:" وهذا قولُ عامّة أهل العلم، إلّا أنّه حُكِي عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، أنّهما قالا في البحر: التيمُّم أعجب إلينا منه. وقال عبد الله بن عمرو:" هو نار". وحكاه المَاوَرديُّ عن سعيد بن المُسيِّب ". (المغني ج1/16)

الماء إذا خالطته نجاسة فغيّرت أحدَ أوصافه الثّلاثة ريحه، أو طَعمه، أو لَونه، فهو نجس بالإجماع، لا يجوز استعماله، فلا يَرفع الحَدَث ولا يُزيل الخَبث سواء كان قليلاً أو كثيراً. قال ابن رُشد :" واتّفقوا على أن الماء الذي غيّرت النّجاسةُ إمّا طعمَه، أو لونَه، أو ريحَه، أو أكثرَ من واحدة من هذه الأوصاف، أنّه لا يجوز به الوضوء، ولا الطّهور ". (بداية المجتهد ج1/ 50). وقال ابن المُنذر :" أجمع أهلُ العلم على أنّ الماء القليل أو الكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيّرت النّجاسةُ الماء، طَعماً، أو لَوناً، أو رِيحاً، إنّه نجس ما دام كذلك، ولا يجزي الوضوء، والاغتسال به ". (الأوسط ج1/260).

وأمّا إذا خالطته نجاسة ولم تغيِّر أحدَ أوصافه، فإن كان قليلاً، قيل لم ينجس، وبه قال مالك في رواية أبي مُصعب عنه، وأهلُ الظّاهر، وبعضُ الشّافعية، وهو رِواية عن أحمد، اختارها ابنُ تيمية والعُثيمين، لحديث أبي سعيد الخُدْريّ قال: قال رسول الله :" إنّ الماء طَهورٌ لا يُنَجِّسه شيء " رواه أحمد برقم 11257، وأبو داود برقم 66، والتّرمذيّ برقم 66، والنّسائيّ برقم 326، وصحّحه الإمامُ أحمد. (شرح العُمدة ج1/9-10)، وابنُ مَعين، والتّرمذيّ، وابنُ حزم، وابنُ باز، والألبانيّ. (الإرواء ج1/45). وقال ابن القيّم :" الذي تقتضيه الأُصول أنّ الماء إذا لم تُغيّره النّجاسة فإنّه لا ينجس، ذلك أنّه باق على أصل خِلقته وهو طيّب داخل تحت قوله ﴿ويحلّ لهم الطيّبات﴾ الأعراف: 157، وهذا هو القياس في المائعات جميعها إذا وقع فيها نجاسة فلم يظهر لها لَون ولا طعم ولا ريح". (توضيح الأحكام ج1/97) وقال ابن عبد البَرّ :" فإن سقطت في الماء نجاسة، أو مات فيه حيوان، فلم يُغيِّر لونَه، ولا طَعمَه، ولا ريحَه، فهو طاهر مُطهِّر. وسواء كان قليلاً، أو كثيراً عند المدنيين-أي من أصحاب مالك- ". (الكافي ج1/47)

وقال ابن رُشد :" فقال قوم: هو طاهر سواء كان كثيراً أو قليلاً، وهي إحدى الرِّوايات عن مالك، وبه قال أهل الظّاهر". (بداية المجتهد ج1/50) وقال النوويّ:" واختاره الغزاليّ في الإحياء، واختاره الرُّوياني في كتابيه البحر والحلية، قال في البحر: هو اختياري، واختيار جماعة رأيتهم بخُراسان والعراق". (المجموع ج1/163)

وحُكي هذا القول عن ابن عبّاس، وابن المسيّب، والحسن البصريّ، وعِكرمة، وسعيد بن جُبير، وعطاء، وعبد الرّحمن بن أبي ليلى، وجابر بن زيد، ويحي بن سعيد القطّان، وعبد الرّحمن بن مهدي، وهو مذهب مالك، وسفيان الثّوريّ، وداود، ونُقل عن أبي هريرة، والنّخعيّ، وهو قول للشّافعيّ، وقال ابنُ المنذر: وبهذا أقول. (المجموع ج1/163، والمغني ج1/39، وذخيرة العُقبى ج2/11) وقال ابن قدامة:" ورُوِي عن أحمد روايةٌ أخرى، أنّ الماء لا يَنجس إلّا بالتغيُّر قليلَه وكثيرَه ". (المغني ج1/39) وقال الغزاليّ:"وددت لو أنّ مذهب الشّافعيّ في المياه كان كمذهب مالك ". (التّسهيل ج1/35)

وقيل: ينجُس وبه قال الحنفية، والمالكية في قول، والشّافعية، والحنابلة في المشهور، لحديث ابن عمر أنّ رسول الله قال:" إذا بلغ الماء قُلَّتَين لم يحمِلِ الخَبَث "، وفي لفظ:" لم يَنجُس ". رواه أبو داود برقم 63، والتّرمذيّ برقم 67، والنّسائيّ برقم 52، وابن ماجه برقم 517، وصحّحه الشّافعيّ، وأبو عُبيد، وأحمد، وإسحاق، ويحي بن مَعين، ابن خُزيمة، والطّحاويّ، وابن حِبّان، والدّراقطنيّ، وابن مَنده، والحاكم، والخطَّابيّ، والبيهقيّ، وابن حزم، والنوويّ، والذّهبيّ، وابن حجر، والألبانيّ، ومحمّد عليّ الإتيوبيّ، وآخرون. (ذخيرة العقبى ج2/9، وهامش بداية المجتهد ج1/52)

قال حسن الشُّرُنبُلاليّ :" والرّابع: ماءٌ نجِس. وهو: الَّذي حلّت فيه نَجاسة، وكان راكِداً قليلاً، والقليلُ: ما دون عشرٍ في عشرٍ، فيَنجُس وإن لم يظهر أثرُها فيه ". (مراقي الفلاح ص 16) وقال ابن عبد البَرّ:" وذهب المصريون من أصحاب مالك إلى أنّ الماءَ القليل يفسد بقليل النّجاسة، والماءُ الكثير لا يفسده إلّا ما غيَّر لونه، أو طَعمه، أو ريحه، ولم يَحدُّوا في ذلك حَدّاً يجعلونه فَرقاً بين القليل والكثير، ولم يوجبوا الإعادةَ على من توضّأ بما حَلّت فيه نجاسةٌ ولم تُغيِّره إن كان يسيراً، إلّا في الوقت خاصّة.

فدلّ أيضاً على أنّ ذلك منهم استحباب ". (الكافي ج1/47) وقال ابن رُشد:" ومنهم من لم يَحدّ في ذلك حَدّاً، لكن قال: إنّ النّجاسة تفسد قليل الماء وإن لم يتغيّر أحدُ أوصافه، وهذا أيضاً مرويٌّ عن مالك ". (بداية المجتهد ج1/50)

وقال النوويُّ في المِنهاج:" ودونهما -أي القُلّتان- يَنجُس بالمُلاقاة ". (مُغني المُحتاج ج1/87) قال الخطيب الشّربيني:" بالمُلاقاة للنّجاسة المُؤثِّرة وإن لم يتغيَّر، وإن كانت مُجاورة ". (مغني المحتاج ج1/87)

وقال ابن قدامة :" وأمّا ما دون القُّلّتين إذا لاقته النّجاسة فلم يتغيَّر بها، فالمشهور في المذهب أنّه ينجس، ورُوي عن ابن عمر، وسعيد بن جُبير، ومُجاهد، وبه قال الشّافعيّ، وإسحاق، وأبو عُبَيد ". (المغني ج1/39)

والقُلّة: هي الجَرّة الكبيرة، وسُمّيت بذلك لأنّها تقلّ باليد، قاله ابنُ قدامة في المُغني ج1/36، والخطيب الشّربيني في مُغني المُحتاج ج1/93، وقيل لعُلوّها وارتفاعها. ومِقدارالقُلَّتين خمسُمائة رِطل عِراقيّ تقريباً. (الرّوض المُربِع ج1/65، ومُغني المُحتاج ج1/93) أي: نحو 191، أو 204 كيلو غراماً، أو 160 لِترا تقريباً، أو ستّة وسبعين صاعاً، واحتجُّوا بمفهوم الحديث إذا كان الماء دون القُلّتين ووقعت فيه نجاسةٌ غيّرته ونجّسَته. قال أصحاب الفقه الميسّر ج1/25:" ومن هُنا يُمكن الجمع بين الحديثين بأن يُقال: ينجُس إذا تغيّر ولا ينجُس إذا لم يتغيّر، لأنّ منطوق حديث:" الماء طهور لاينجّسه شيء " مُقدّم على مَفهوم حديث القُلّتين ". وقد يُقال إنّ مفهوم حديث القُلّتين يكفي في العمل به صورة واحدة، وهي إذا تغيّرالماءُ وتبقى الصّورة الثّانية، وهي إذا لم يتغيّر يشملها عُمومُ حديث أبي سعيد، وإلى هذا ذهب ابنُ دقيق العيد، وابنُ تيمية، وابنُ القيّم، والصّنعانيّ، والشّوكانيّ، وابنُ باز، والعُثيمين، والألبانيّ. قال الشّوكانيّ :" و أمّا ما كان دون القُلّتين فلم يقل الشّارع إنّه يحمل الخَبث قطعاً وبتّاً، بل مفهوم حديث القُلّتين يدلّ على أنّ ما دونهما قد يحمل الخَبث وقد لايحمله، فإذا حمله فلا يكون ذلك إلّا بتغيّر بعض أوصافه، فيُقيّد مفهوم حديث القُلّتين بحديث التّغيُّر المُجمع على قبوله والعمل به كما قُيِّد مَنطوقُه بذلك. وبهذا تعرف أنّه لا مُخالفة بين الأحاديث الواردة في هذه المسألة وأنّ الجمع بينها بما ذكرناه مُتحتّم ". (السّيل الجرّار ج1/55-56) وقال ابنُ باز :" الماء الذي دون القُلّتين لا ينجس إلّا بالتّغيّر، كالذي بلغ القُلّتين ". (مجموع الفتاوى والرّسائل ج10/16) وقال العُثيمين :" والعلماء يقولون إذا تعارضت الدّلا لتان المنطوقية والمفهومية، فإنّه يُقدّم المنطوقُ، على أنّ المفهوم يكفي في العمل به صورة واحدة، إذا صدق المفهوم بصورة واحدة كفى، فمثلاً نقول: مفهومه إذا لم يبلغ قُلّتين صار نجِساً، فنقول: هذا يعمّ ما تغيّر وما لم يتغيّر، ويكفي أن نقول: إنّه محمول على المتغيِّر، وحينئذ نكون قد عملنا بالمفهوم، والمفهوم كما قال أهل الأصول يكفي في العمل به صورة واحدة ". (فتح ذي الجلال ج1/66-67).

وإذا كان كثيراً مُستبحراً، لم ينجُس قولاً واحداً. (مراتب الإجماع ص17)

إن يتغيّر بشىءٍ لا ينفكّ عنه غالباً: كالطُحلب وسائر ما ينبت فيه، فهذا لا يضرّه اتّفاقاً. قال النوويّ :" إذا تغيّر بما لا يمكن حفظه منه جاز الوضوء به، فمُجمَع عليه، ووجهه ما ذكره من تعذُّر الاحتِراز ". (المجموع ج1/150) وقال ابن رُشد :" وكذلك أجمعوا على أنّ كلّ ما يُغيّر الماء ممّا لا ينفكّ عنه غالباً أنّه لا يسلبه صفة الطّهارة والتّطهير ". (بداية المجتهد ج1/49-50

أن يكون التّغيّر كثيراً، حتّى إنّه يسلب الماءَ اسمه: فهذا طاهر غير مُطهِّر بالإجماع، كالمتغيّر باللّبن والقهوة ونحو ذلك.

أن يكون التّغيّر كثيراً، لكنّه لا يسلب الماء اسمه: كالمُتغيِّر بغير مُمازج، بل بالمُجاورة، فهذا طاهر عند جميع العلماء غير مُطهِّر عند مالك، والشّافعيّ في وجه، وأحمد في وجه.، ومُطهِّر عند أبي حنيفة مالم يكن التّغيّرُ عن طبخ. (بداية المجتهد ج1/54)

وهي الرّواية الثّانية عن أحمد، اختارها ابنُ قدامة، وابنُ تيمية الجدّ، والحفيد، وابنُ باز، والعُثيمين، كالماء الذي خالطته أوراق الشّجر، أو خالطه الصّابون، أو الكافور، أو العود، أو الدُّهن، أو غير ذلك من المواد الطّاهرة، ولم يغلِب ذلك المُخالط عليه، فالصّحيح أنّه طَهور يجوز التطهّرُ به من الحدَث والنّجاسة، لقول النّبيّ للنِّسْوة اللّاتي غسَلْنَ ابنته:" اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو أكثر من ذلك، إن رَأَيْتُنّ بماءٍ وسِدْر واجعلن في الآخرة كافوراً...". رواه البخاريّ برقم 1253، ومسلم برقم 939. قال حسن الشُّرُنبلالي :" ولا يضرّ تغيُّرُ أوصافه كلّها بجامد: كزَعفَران، وفاكهة، وورقِ شجر". (مراقي الفلاح ص 15) وقال النوويّ :" وإن وقع فيه ما لا يختلط به فغيَّر رائحته كالدُّهن، الطِّيب، والعود، ففيه قولان، قال في البُوَيطي: لا يجوز الوضوءُ به كالمُتغيِّر بزَعفران، وروى المُزَني أنّه يجوز الوضوءُ به، لأنّ تغيُّره عن مُجاورة، فهو كما لو تغيَّر بجِيفة بِقُربه، وإن وقع فيه قليلُ كافور فتغيّرت به رائحته ففيه وجهان، أحدهما: لا يجوز الوضوءُ به كما لو تغيّر بالزّعفران. والثّاني: يجوز، لأنّه لا يختلط به، وإنّما يتغيّر من جهة المُجاورة.

هذان القولان مشهوران، الصّحيح منهما باتِّفاق الأصحاب رواية المُزنيّ أنّه يجوز الطّهارة به...". (المجموع ج1/154)

وقال ابنُ تيمية :" وإن تغيّر بطاهرٍ لا يخالطه كالخَشب والأدهان وقِطع الكافور، فهو باق على طَهوريته في أشهر الوجهين. ولا أثر لما غيّرالماء في محلّ التّطهير ". (شرح العمدة ج1/21) وقال المرداويّ :" صرّح المُصنِّف: أنّ العُود والكافور والدُّهن إذا غيّر الماء غير مكروه الاستعمال. وهو أحد الوجهين. جزم به ابنُ مَنجا في شرحه، وهو ظاهر ما جزم به الشّارح، وابن عبيدان، ومجمع البحرين. وقيل: مكروه، جزم به في الرِّعاية الكُبرى. قلت: وهو الصّواب، للخلاف في طهوريته ". (الإنصا ف ج1/32) قال العثيمين :" والصّواب: أنّ التّعليل بالخلاف لا يصحّ، لأنّا لو قُلنا به لكرهنا مسائل كثيرة في أبواب العلم، لكثرة الخلاف في المسائل العلمية، وهذا لا يستقيم ". (الشّرح المُمتع ج1/25)

وعلى هذا فيكون الماء قسمين: نجس وطهور، وهو قول الحنفية، ورواية عن أحمد، اختارها ابنُ تيمية، والعُثيمين، وأصحاب الفقه الميسّرج1/22. قال علاء الدّين المرداويّ :" الطّريق الثّالث: أنّه ينقسم إلى قسمين: طاهر طهور، ونجس. وهي طريقة الشّيخ تقيّ الدّين ". (الإنصاف ج1/31)

وقسّم الجمهورُ الماء إلى ثلاثة أقسام: نجس، وطاهر يصلح للعادة، كالطّبخ ونحوه، وطَهور يَرفع الحدَث ويُزيل النّجاسة، وبه قال المالكية، والشّافعية، والحنابلة في المشهور. (بداية المجتهد ج1/ 54)

اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

الأوّل: لا تجوز الطّهارة به مُطلقاً، وهو مذهب أبي حنيفة، والشّافعيّ، وظاهر مذهب أحمد، ورواية عن مالك، قال المَرغِينانيّ :" والماء المُستعمل لا يجوز استعماله في طهارة الأحداث خِلافاً لمالك والشّافعيّ ". (الهداية ج1/20) وقال النوويّ :" قد ذكرنا أنّ المُستعمَل طاهر عندنا بلا خلاف، وليس بمُطهِّر على المذهب ". (المجموع ج1/203) وقال ابن قدامة :" وظاهر المذهب أنّ المُستعمَل فيرفع الحدث طاهرٌ غيرُ مطهِّر، لا يرفع حَدثاً، ولا يُزيل نجساً، وبه قال اللَّيث، والأوزاعيّ، وهو المشهور عن أبي حنيفة، وإحدى الرِّواتين عن مالك، وظاهر مذهب الشّافعيّ ". (المغني ج1/31) وقال أصحاب الفقه الميسّر ج1/28:"وعند الحنابلة روايتان: الأولى أنّه طاهر غير مُطهِّر لا يرفع حدثاً، ولا يُزيل خَبثاً وهو ظاهر المذهب ".

الثّاني: يُكره استعماله مع وجود غيره. قال خليل في المختصر :" وكُره ماء مُستعمل في حدث ". قال الطّاهر عامر:" يكره استعماله مع وجود غيره مُراعاةً للخلاف ". (التّسهيل لمعاني مختصر خليل ج1/45) وقال ابنُ رشد :" وقوم كرهوه ولم يجيزوا التّيمّم مع وجوده، وهو مذهب مالك وأصحابه ". (بداية المجتهد ج1/55) وقال ابن القاسم :" إن لم يجد غيره توضّأ ". (الذّخيرة ج1/167). وقال ابنُ بَشير :" المشهور أنّه مُطهِّر مكروه للخلاف فيه. وقيل: طاهر غير مُطهِّر ". (الذّخيرة ج1/167)

الثّالث: أنّه طاهر ومُطهِّر. وبه قال أبو ثور، وداود، وأصحابه، وهو رواية عن مالك، والشّافعيّ، وأحمد في رواية، اختارها ابنُ تيمية، وابنُ باز، والعُثيمين. قال ابنُ باز :" والأرجح أنّه طهور لعموم قول النّبيّ إنّ الماء طهور لا يُنجّسه شيئ ". ولا يُستثنى من ذلك إلّا ما تغيّر لونُه أو طَعمُه أو ريحُه بالنّجاسة، فإذا تغيّر بذلك صار نجساً بالإجماع ". (مجموع فتاوى ورسائل ج10/18). قال ابن قدامة :" وبه قال الحسن، وعطاء، والنّخعيّ والزُّهريّ، ومَكحول، وأهل الظّاهر، والرِّواية الثّانية لمالك، والقول الثّاني للشّافعيّ ". (المغني ج1/31) وقال ابنُ رشد :" وشذّ أبو يوسف فقال: إنّه نجس ". (بداية المجتهد ج1/55)

وأرجح الأقوال أنّه طَهور يَرفع الحَدث ويُزيل الخبث ما دام أنّه لم يتغيّر أحدُ أوصافه الثّلاثة.

ودليل طهارته، حديث المِسور بن مَخرمة :" أنّ النّبيّ " كان إذا توضّأ كادوا يَقْتَتِلون على وَضوئه ". رواه البخاريّ برقم 2731، والوَضوء هو الماء الذي يتوضّأ به، ولأنّ "النّبيّ ونساءَه كانوا يَغتَسِلون في الجِفان "- أي: جمع جَفْنة وهي القَصْعة -. رواه أبو داود برقم 68، والتِّرمِذيّ برقم 65، والنّسائيّ برقم 325، ولحديث الرُبيّع بنت مُعوّذ أنّ النّبيّ :" مسح رأسه بما بقي من وَضوئه في يديه ". رواه أحمد برقم 27016، وأبوداود برقم 130، وحسّنه ابنُ حجر في الدِراية ج1/55، ولحديث ابن عباس :" أن النّبيّ كان يغتسل بفضل مَيمونة ". رواه مسلم برقم 323. قال أصحاب الفقه الميسّر ج1/28:" وهذا هو الرّاجح، لأنّ الأصل بقاء الطّهارة ولا يُعدل عنها إلاّ بدليل شرعيّ، ولأنّه ماء طاهر غُسِل به عضو طاهر، ولقوله :" الماء لا يَجنُب ". رواه أحمد برقم 3120، وأبو داود برقم 68، والتّرمذيّ برقم 65، وابن ماجه برقم 370، وصحّحه ابنُ خزيمة برقم 109، وسئل ابنُ تيمية عن الماء إذا غمس الرّجلُ يده فيه، هل يجوز استعماله أم لا؟ فأجاب:" لاينجس بذلك، بل يجوز استعماله عند جمهور العلماء، كمالك، وأبي حنيفة، والشّافعيّ، وأحمد عنه رواية أخرى أنّه يصير مُستعمَلاً..». (الفتاوى ج26/46). وقال ابنُ حزم :"والوضوء بالماء المستعمل جائز، كذلك الغُسل به للجنابة، وسواء وُجد ماء آخر غيره أم لم يوجد، وهو الماء الذي توضّأ به بعينه لفريضة أو نافلة، أو اغتسل به بعينه لجنابة أو غيرها، وسواء كان المتوضّىءُ رجلاً أو امرأة ". (المحلّى ج1/182) وقال القاضي عبد الوهاب :" الماء المستعمل في طهارة الحدث طاهر مُطهِّر، إلّا أنّه يُكره استعماله مع وجود غيره " (الإشراف ج1/175). وقال صدّيق خان :" فالحقّ أنّ المستعمل طاهر ومُطهِّر، عملاً بالأصل، وبالأدلّة الدّالّة على أنّ الماء طهور ". (التّعليقات الرّضيّة على الرّوضة النّديّةج1/102)

وقد ذهب إلى هذا جماعةٌ من السّلف والخلف، ونسبه ابنُ حزم إلى عطاء، وسُفيان الثّوريّ، وأبي ثَور، وجميع أهل الظّاهر، ونقله غيرُه عن الحسن البصريّ، والزُّهريّ، والنّخعيّ، ومالك، والشّافعيّ، وأبي حنيفة -في إحدى الرّوايات عن الثّلاثة المتأخّرين- ". (التّعليقات الرّضيّة على الرّوضة ج1/102)

اختلف العلماء في حكم استعمال ماء زمزم في الطّهارة وإزالة النّجاسة على ثلاثة أقوال:

الأوّل: ذهب الحنفية، والشّافعية، وأحمد في رواية، وابنُ شعبان من المالكية إلى جواز استعمال ماء زمزم في إزالة الأحداث، وكراهة استعماله في إزالة النّجاسات تشريفاً وتكريماً له. قال النوويّ :" وأمّا زمزم، فمذهب الجمهور كمذهبنا أنه لا يكره الوضوء والغسل به، وعن أحمد رواية بكراهته، لأنّه جاء عن العبّاس أنّه قال وهو عند زمزم:" لا أُحلّه لمُغتسل، وهو لشارب حِلٌّ وبِلٌّ-أي: مُباح- ". ودليلنا النّصوص الصّحيحة الصّريحة المُطلقة في المياه بلا فرق، ولم يَزل المسلمون على الوُضوء منه، بلا إنكار، ولم يصحّ ما ذكروه عن العبّاس ". (المجموع ج1/137) وقال ابنُ قدامة :" ولا يُكره الوضوء والغُسل بماء زمزم، لأنّه ماء طهور، فأشبه سائر المياه ". (المغني ج1/29). وقال مَرعيّ الحنبليّ :" ولا يُكره ماء زمزم إلّا في إزالة الخَبث ". (منار السّبيل ج1/9). وقال حطّاب :" قال في كتاب الجنائز من النّوادر عن ابن شعبان: لايُغسلُ بماء زمزم ميّت ونجاسة ". (مواهب الجليل ج1/64)

الثّاني: يُكره استعماله مُطلقاً في إزالة الحدث والنّجاسة. وهو رواية عن أحمد، لأنّه يُزيل به مانعاً من الصّلاة، أشبه إزالة النّجاسة به. (المغني ج1/30) قال مَرعيّ الحنبليّ:" وخصّ الشّيخ تقيّ الدّين الكراهة بغُسل الجنابة ". (منار السّبيل ج1/9-10)

الثّالث: يجوز استعمال ماء زمزم من غير كراهة للطّهارة من الأحداث وإزالة النّجاسات. وبه قال المالكية. قال الجُزوليّ من المالكية:" هذا عامٌّ يدخل فيه بئر زمزم، وهو المشهور أنّ ماء زمزم يُتوضّأ به وتُزال به النّجاسة، ولا خلاف فيه إلّا ما رُوي عن ابن شعبان قال: لا تُزال به النّجاسة تشريفاً له «. (مواهب الجليل ج1/64). واختاره ابن باز، فقال :" ماء زمزم يجوز الوضوء منه والاستنجاء، وكذلك الغُسل من الجنابة إذا دعت الحاجة إلى ذلك ". (مجموع الفتاوى ج10/27) وقال:" من قال من الفقهاء بكراهة الوضوء من زمزم والاغتسال منه وإزالة النّجاسة به، فقوله ضعيف مرجوح ". (الاختيارات ص18). ورجّحه أصحاب الفقه الميسّر ج1/34

السٌّؤر: هو ما بَقِيَ في الإناء بعد شُرْب الشّارب منه أو أكله، ومراد الفُقهاء بقولهم سُؤر الحيوان طاهر أونجس: لُعابه ورُطوبة فمه. (المجموع ج1/225) فالآدميّ طاهر وسُؤره طاهر. وكذلك سؤر الجُنب والحائض، لقول الرّسول :" المؤمِن لا يَنجُس ". رواه مسلم برقم 371. وكانت عائشة تشرب من الإناء وهي حائض فيأخذه رسول الله فيضَع فَاه على موضع فِيها ". رواه مسلم برقم 300. قال في بداية المبتدئ:" وسُؤر الآدميّ وما يؤكل لحمه طاهر ". (الهداية ج1/24) وقال مُصطفى ديب البُغا:" كل ذي روح حيّاً فإنّه طاهر، آدميّ كان أم غيره، مُسلماً كان أم غير مسلم ". (التُّحفة الرّضيّة في فقه السّادة المالكية ص15). وقال ابن قُدامة :" الآدميّ، الصّحيح في المذهب أنّه طاهر حيّاً وميّتاً، لقول النّبيّ :" المؤمن لا ينجس ". متّفق عليه ". (المغني ج1/63) وقال:" الآدميّ، فهو طاهر في نفسه، وسؤره وعَرقه ". (المغني ج1/69).

وقد أجمع العُلماءُ على طَهارة سُؤر ما يُؤكَلُ لَحمُه من الأنعام وغيرها. قال ابن المنذر :" أجمع أهل العلم على أنّ سؤر ما أُكِل لحمه يجوز شُربه، والوضوء به ". (المغني ج1/70). وقال الصّنعانيّ :" وقيل هوإجماع، وهو أيضاً الأصل ". (سُبل السّلام ج1/63).

وأمّا سؤر الهِرّة فطاهر لِمَشقّة التَحرُّزِ منها لأنّها تخالط النّاس كثيراً، كما قال النّبيّ :" إنّها ليست بنَجِس إنّما هي من الطَّوَّافين عليكم والطَّوّافات ". رواه أبو داود برقم 75، والتِّرمذيّ برقم 92، والنّسائيّ برقم 68، وابن ماجه برقم 367 ومعنى الطّوّافين: أي تُكثِر الدُّخول على النّاس ولو بغير إذنهم وتَستعمل الأواني، فلهذا خُفِّفَ في سُؤرها. وبه قال مالك وأصحابُه، والشّافعيّ، وأحمد، والأوزاعيّ، وأبو يوسف، والحسن بن صالح بن حيّ. قال ابن عبد البرّ :" وهذا قول مالك وأصحابه، والشّافعيّ والأوزاعيّ، وأبي يوسف القاضي، والحسن بن صالح بن حيّ ". (ذخيرة العقبى ج2/112) وقال محمّد بن نصر المروزيّ :" الذي صار إليه جُلّ أهل الفتوى من عُلماء الأمصار من أهل الأثر والرّأي جميعاً أنّه لا بأس بسؤر السِّنّور اتّباعاً للحديث الذي رُوّيناه -يعني حديث أبي قتادة - عن النّبيّ ". (ذخيرة العقبى ج2/132) ويلحق بها ما دونها في الخِلقة مثل الحيّة والفأرة والعقرب ونحو ذلك. قال ابن شاس المالكيّ في الجواهر:" الحيوان الذي شأنه أكل النّجاسة الملازم لنا -الهرّ والفأرة- يقضى بطهارته حتّى تتعيّن نجاسته ". (الذّخيرة ج1/180) وقال ابن قُدامة :" السِّنّور وما دونها في الخِلقة، وابن عِرس-يشبه الفأر-، فهذا ونحوه من حشرات الأرض سؤره طاهر، ويجوز شُربه والوضوء به ". (المغني ج1/70).

وقال أبو حنيفة : يُكره سُؤرها. قال المَرغيناني :" وسُؤر الهِرّة طاهر مكروه، وعن أبي يوسف أنّه غير مكروه، لأنّ النّبيّ : كان يُصغي لها الإناء فتشرب منه ثمّ يتوضّأ به. ولهما-أي أبو حنيفة ومحمّد- قوله :" الهرّة سَبُع، والمراد بيان الحكم دون الخِلقة والصّورة، إلّا أنّه سقطت النّجاسة لِعلّة الطّواف، فبقيت الكراهة. وما رواه محمول على ما قبل التّحريم ". (الهداية ج1/25) وقال النوويّ :" وكَره أبوحنيفة، وابن أبي ليلى سؤر الهرّة، وكذا كَرهه ابن عمر، وقال ابن المُسيِّب، وابن سِيرين: يُغسل الإناءُ من وُلوغه مرّةً، وعن طاوس قال: يُغسل سبعاً. وقال جمهور العلماء لا يُكره، كقولنا ". (المجموع ج1/225) وقال أيضاً:" وأمّا الهرّة، فاستدلّ أصحابُ أبي حنيفة لكراهة سُؤرها بحديث أبي هريرة عن النّبيّ قال:" يغسل الإناء من وُلوغ الكلب سبعاً ومن وُلوغ الهرّة مرّة "، ولأنّها لا تجتنب النّجاسة فكُرِه سؤرها ". (المجموع ج1/175)

وأمّا سُؤر الكلب فنجس، لحديث أبي هريرة أنّ رسول الله قال:" طَهور إِناء أحدكم إذا وَلَغَ فيه الكلب أن يغسِله سبعَ مرّات أُولاهن بالتُّراب ". رواه ومسلم برقم 279. ومعنى وَلغ: شرب منه بلسانه. وبه قال سفيان الثّوريّ، وأبو حنيفة، وأصحابه، واللّيث بن سعد، والشّافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبوعُبيد، وأبو ثور، ومحمّد بن جرير الطّبريّ، وأكثر أهل الظّاهر، ومالك في رواية ابن وهب عنه.

وذهب عِكرمة، ومالك في المشهور عنه، وداود إلى طهارته. قال مالك:" يُؤكل صيده، فكيف يكره لُعابه ". (التّسهيل لمعاني مختصر خليل ج1/133) وقال ابن عبد البرّ :" جملة ما ذهب إليه مالك، واستقرّعليه مذهبه عند أصحابه أنّ سؤرَ الكلب طاهر، ويغسل الإناء من وُلوغه سبعاً تعبّداً، واستحباباً أيضاً لا ايجاباً ". (ذخيرة العُقبى ج2/83). وقال ابن رُشد :" فذهب مالك في الأمر بإراقة سؤر الكلب، وغسل الإناء منه إلى أنّ ذلك عبادة غير مُعلّلة، وأنّ الماء الذي يلغ فيه ليس بنجس ولم ير إراقة ما عدا الماء من الأشياء التي يلغ فيها الكلب في المشهور عنه...». (بداية المجتهد ج1/59)

وأمّا أسآر السِّباع والحُمر ونحوهم: فهي طاهرة عند الجمهور.

قال خليل في مختصره:" والحيُّ ودَمعه وعَرقه ولُعابه ومُخاطه وبَيضه، ولو أكل نجساً ". (التّسهيل ج1/63-64) وقال مُصطفى ديب:" وسواء كان غير الآدميّ مأكول اللّحم أم ليس مأكولاً، ولو كان كلباً أو خنزيراً ". (التُّحفة الرّضيّة ص15). قال القرافيّ :"وفي الجواهر:" الحيُّ كلّه طاهر عملاً بالأصل ". (الذّخيرة ج1/172).

وقال النوويّ :" ومذهبنا أنّ سؤر الهرّة طاهر غير مكروه، وكذا سؤر جميع الحيوانات من الخيل والبِغال والحَمير والسِّباع والفأرة والحيّات وسامّ أبرص-من كبار الوزغ-، وسائر الحيوان المأكول وغير المأكول، فسؤرُ الجميع وعَرقه طاهر غير مكروه إلاّ الكلب والخنزير وفرع أحدهما، وحكى صاحبُ الحاوِي مثلَ مذهبنا عن عمر بن الخطاب، وعليّ، وأبي هريرة، والحسن البصريّ، وعطاء، والقاسم بن محمّد ". (المجموع ج1/225). واختاره محمّد عليّ الإتيوبيّ في ذخيرة العقبى ج2/120.

وقالت الحنفية والحنابلة: هي نجسة. قال بُرهان الدّين المَرغينانيّ :" وسُؤر الخنزير نجس، وسُؤر سِباع البهائم نجس، وسُؤر الهرّة طاهر مكروه، والدّجاجة المخلاة-أي المرسلة-، وسِباع الطّير، وما يسكن البيوت كالحيّة والفأرة مكروه، وسؤر الحمار والبغل مشكوك فيه، فإن لم يجد غيرهما يتوضّأ بهما ويتيمّم ويجوز أيّهما قدّم، وسُؤر الفرس طاهر عندهما، وكذا عنده في الصّحيح ". (الهداية ج1/24-25) وقال ابن قدامة :" النّوع الثّاني: ما اختُلف فيه، وهو سائر سِباع البهائم إلاّ السِّنّور وما دونها في الخِلقة، وكذلك جوارح الطّير، والحمار الأهليّ والبغل، فعن أحمد: أنّ سؤرها نجس، إذا لم يجد غيره تيمّم، وتركه ". (المغني ج1/66). وقال شرفُ الدّين الحجّاوي :" وسِباع البهائم والطّير والحمار الأهليّ والبغل منه نجِسة ". (الرَّوض المُربِع ج1/142)

واحتجّ من منع طهارتها:

بحديث ابن عمر قال:" سُئل النّبيّ عن الماء وما ينوبه من الدّوابّ والسّباع، فقال رسول اللّه :" إذا كان الماء قُلّتين لم يحمل الخبث ". رواه أبوداود برقم 63، والتّرمذيّ برقم 67، والنّسائيّ برقم 52، وابن ماجه برقم 517، وصحّحه الشّافعيّ، وأحمد، وأبوعُبيد القاسم بن سلاّم، والطّحاويّ، والدّارقطنيّ، وابن دقيق العيد، وعبد الحقّ، وابن خُزيمة، وابن حِبّان، والحاكم. قالوا: هذا يدلّ على أنّ لِورود السّباع تأثيراً في تنجيس الماء. قال ابن التُّركمانيّ في الجوهر النَّقيّ:" وظاهره يدلّ على نجاسة سؤر السّباع، إذ لولا ذلك لم يكن لهذا الشّرط فائدة، ولكان التّقييدبه ضائعاً ". (تمام المنّة ص48). وحديث أنس أنّ النّبيّ قال في الحُمُر يوم خيبر:" إنّها رجسٌ ". رواه البخاريّ برقم 4198، ومسلم برقم 1940. والرِّجسُ: النّجس ". (الرَّوض المربع ج1/143)

ولأنّه حيوان لَبنه نجس فكذا سؤره كالكلب. (المجموع ج1/225).

واحتجّ من قال بطهارتها:

بحديث جابر:" سُئل النّبيّ :" أنتوضّأ بما أفضلت الحُمُر؟ قال: نعم وبما أفضلت السِّباع كلّها ". رواه الشّافعيّ في الأمّ ج2/19، والدّارقطنيّ ج1/62، والبيهقيّ في الكبرى برقم 1179. (المغني ج1/67، وتمام المنّة ص 47). وضعّفه النوويّ في المجموع ج1/226، وقال الألبانيّ:" ثمّ إنّ متن الحديث مُنكر لمخالفته لحديث القُلّتين ". (تمام المنّة ص 47)

وبحديث أبي قتادة في الهرّة، رواه أبو داود برقم 75، والتّرمذيّ برقم 92، والنّسائيّ برقم 68، وابن ماجه برقم 367، وصحّحه البخاريّ، والتّرمذيّ، وابن خُزيمة، والعُقيليّ، والدّارقطنيّ، والحاكم. (مِنحة العلاّم ج1/60).

وبحديث يحي بن عبد الرّحمن بن حاطب، أنّ عمر بن الخطّاب خرج في رَكب، فيهم عَمرو بن العاص، حتّى وردوا حَوضاً، فقال عَمرو بن العاص لصاحب الحَوض: يا صاحب الحوض، هل ترِد حوضك السِّباع؟ فقال عمر بن الخطّاب:" يا صاحب الحوض لا تخبرنا، فإنّا نَرِد على السِّباع، وترِد علينا ". رواه مالك برقم 41، وعبد الرّزّاق برقم 250. قال النوويّ :" وهذا الأثر إسناده صحيح إلى يحي بن عبد الرّحمن، لكنّه مُرسل منقطع ". (المجموع ج1/226). قال الألبانيّ:" لأنّ حاطب هذا لم يُدرك عمر، فإنّه وُلد في خلافة عُثمان ". (تمام المنّة ص49). قال النوويّ :" وموضع الدّلالة أنّ عمر قال نرِد على السّباع وترِد علينا، ولم يخالفه عمرو ولا غيره من الصّحابة ". (المجموع ج1/226). وقال القاضي أبو الوليد الباجيّ :" ويَحتمل قوله فإنّا نرد على السّباع وترد علينا، مَعنيين: أحدهما: قصد تَبيين عِلّة منع الاعتبار بِوُرودها، لأنّ ما لا يُمكن الاحتراز منه فمعفوٌّ عنه. والمعنى الثّاني: أنّ وُرودَ السِّباع علينا وورودنا عليها مُباحٌ لنا ". (المُنتقى ج1/146).

وبالقياس على أنّه حيوان يجوز بيعه، فكان سُؤره طاهراً كالشّاة. (المجموع ج1/226).

والقول بنجاسة سُؤرها أقوى إلاّ أنّه يُستثى من ذلك ما لا يُمكن التّحرُّز منه، كالبَغل، والحمار، واختاره ابن قُدامة، حيث قال :" والصّحيح عندي: طهارة البغل والحمار، لأنّ النّبيّ كان يركبها، وتُركب في زمنه، وفي عصر الصّحابة، فلو كان نجِساً لبيّن النّبيّ ذلك، ولأنّهما مِمّا لا يُمكن التّحرُّز منهما لِمُقتنيهما، فأشبه السِّنّور، وقول النّبيّ في الحُمُر:" إنّها رِجس ". أراد أنّها مُحرّمة، كقوله تعالى في الخَمر والميسر والأنصاب والأزلام إنّها ﴿رِجس﴾، ويحتمِل أنّه أراد لحمها الذي كان في قُدورهم، فإنّه نجس، لأنّ ذبح ما لا يحلّ أكله لا يُطهِّره ". (المغني ج1/68-69) والعُثيمين، حيث فقال :" ومعلوم أنّ تطواف الحمير على النّاس أكثر من تطواف الهِرّة، والعلّة ثابتة في الهرّة ومُوجبة للتّطهير، فكذلك العِلّةُ في الحُمُر، وهذا القول هو الصّحيح. ويدلّ لهذا أنّ النّبيّ وأصحابه كانوا يركبون الحمير، وراكبُ الحمار لا يخلو من بَلل، إمّا عَرق منه أو من الحمار أو إصابة ماء السّماء أوغير ذلك، ثمّ الحُمر تشرب وتنفض رأسها بعد الشُّرب ويتطاير الماء على من حولها، وهذا لا شكّ أنّ فيه مشّقة، لا سيِّما على من يُمارسها كثيراً، والدّين لا يأتي بالمشقّة، إنّما هو رفعٌ للحرج والمشقّة. وهذا القول، هو القول الرّاجح: أنّ رِيقها وما يخرج من أنفها، وما يخرج من عينها من دَمع، وعرقها، كلّه طاهر، لأنّ هذه الحُمر من الطّوّافين علينا، وقد قال النّبيّ في الهرّة:" إنّها من الطّوّافين عليكم ". (فتح ذي الجلال ج1/196-197).

وقال محمّد عليّ الإتيوبيّ :" عندي أنّ الذي صحّحه العلّامتان ابنُ قدامة، والنوويُّ من طهارة البَغل والحمار هو الصّحيح، لأنّهما كانا يُركبان في عهده ، وبعده، فلو كانا نجسين لبيّن ذلك، لِشدّة الحاجة إليه،..." (ذخيرة العُقبى ج2/119-120)

بسم الله الرّحمٰن الرّحيم