fiqh.ch
Zum Inhaltsverzeichnis
Kitāb aṭ-Ṭahāra — Das Buch der Reinheit · Lektion 9

الدّرس التّاسع

الحيضُ لغة: السّيلان والإنفجار. قال النوويّ :" وأمّا الحيضُ فأصلُه في اللُّغة السّيلان، وحاض الوادي: إذا سال ". (شرح مسلم ج3/204) وقال :" قال أهل اللُّغة حاضت المرأة تحيض حَيضاً، ومَحيضاً ومَحاضاً، فهي حائض بلا هاء، هذه اللُّغة الفصيحة المشهورة، وحكى الجَوهريُّ عن الفَرّاء حائضة بالهاء ". (شرح مسلم ج3/204)

وشرعاً: دم طبيعة يخرج من قَعر الرّحم، يَعتاد المرأة إذا بلغت في أوقات معلومة. قال النوويّ :" قال الأزهريّ، والهرويّ، وغيرُهما من الأئمّة: الحيضُ: جَرَيان دم المرأة في أوقات معلومة، يُرخيه رَحِمُ المرأة بعد بلوغها، والاستحاضة: جريان الدّم في غير أوانه، قالوا: ودم الحيض يَخرج من قعر الرّحم، ودم الاستحاضة يسيل من العاذل-بالعين المُهملة، وكسر الذّال المُعجمة- وهو عِرقٌ فَمُه الذي يسيل منه في أدنى الرّحم دون قَعره ". (شرح مسلم ج3/204)

وقال ابن قُدامة :" الحيضُ: دمٌ يُرخيه الرّحم إذا بلغت المرأة، ثمّ يعتادها في أوقات معلومة ". (المغني ج1/386)

2- أقلّ مُدة الحيض وأكثرها: اختلف العلماء في أقلّه وأكثره. قال الميمونيّ لأحمد:" أفيصحّ عن أحد، عن رسول الله شيءٌ في أقلّ الحيض وأكثره؟ قال: لا. قُلت: أفيصحّ عن أحد من أصحاب رسول الله ؟ قال: لا ". (التّعليق على بداية المجتهد ص 321).

أمّا أقلّه: فعند أبي حنيفة، وأصحابه ثلاثة أيّام، وبه قال الثّوريّ.

وعند الشّافعيّ، وأحمد، يوم وليلة، وبه قال عطاء، وأبو ثور.

وعند مالك لا حدّ لأقلّه، وقد تكون الدَّفعة الواحدة عنده حَيضاً. واختاره ابن حزم.

وحكى الشّافعية عن أبي يوسف أنّ أقلّ الحيض يومان.

وأمّا أكثره، فعند مالك، والشّافعيّ، وأحمد خمسة عشر يوماً. وقال أبوحنيفة: أكثره عشرة أيّام. (بداية المجتهد ج1/101)

وقال مكحول: أكثره سبعة أيّام. وقال سعيد بن جبير: أكثره ثلاثة عشر يوماً. وقالت الظّاهرية: سبعة عشر يوماً. (الأوسط ج2/227-229، والمجموع ج2/408-409، والمغني ج1/388-389)

قال ابن المنذر :" اختلف أهل العلم في أقلّ الحيض وأكثره، فقالت طائفة: أقلّ الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر، هذا قول عطاء بن أبي رباح، والشّافعيّ، وأحمد، وأبي ثور.

وقالت طائفة: أقلّ الحيض ثلاثة أيّام، وأكثره عشرة أيّام، كذلك قال سُفيان الثّوريّ، والنُّعمان، ويعقوب، ومحمّد.

ورَوَينا عن سعيد بن جُبير قولاً ثالثاً، أنُه قال: الحيض إلى ثلاثة عشر يوماً، فما سوى ذلك فهي مُستحاضة.

وقد بلغني من نساء آل الماجشون أنهنّ كُنّ يحضن سبعة عشر. قيل لأحمد: الحيض عشرين يوماً؟ قال: لا، فإنّ أكثر ما سمعناه سبعة عشر يوماً

وحكى عبد الرّحمن بن مهديّ عن رجُل يَثِق به، ويُثني عيه خيراً أنّه يعرِف أنّ امرأة تحيض سبعة عشر، قال الأوزاعيّ: عندنا امرأة تحيض وتطهر عشيّة، قال الأوزاعيّ: يرون أنّه حيضٌ تدع له الصّلاة.

وحكى محمّد بن كثير، عن الأوزاعيّ أنّه قال: كانت امرأة تحيض يوماً، وتنفس ثلاثاً، وحكى الحسن الحلوانيّ، عن يزيد بن هارون أنّه قال: كانت عندي امرأة تحيض يومين يومين.

وقالت فرقة: ليس لأقلّ الحيض بالأيّام حدّ، ولا لأكثره وقت، والحيضُ إقبال الدّم المنفصل من دم الاستحاضة، والطُّهر إدبارُه ". (الأوسط ج2/227-229)

والحقّ أنّه لم يأت في تحديد مُدّة الحيض ما يصلح للإحتجاج به، لعدم وُرود نصّ قاطع، ولا إجماع على ذلك، وإنّما يُرجع فيه إلى العادة والعُرف. وأقلُّ ما نُقل عن أهل العلم في أقلّه الدَّفعة الواحدة، وأقصى ما نُقل عنهم في أكثره سبعة عشر يوماً، فلا يتجاوزها.

قال ابن قُدامة :" ولنا أنّه ورد في الشّرع مُطلقاً من غير تحديد، ولا حدَّ له في اللّغة ولا في الشّريعة، فيجب الرّجوع فيه إلى العُرفِ والعادة...". (المغني ج1/389)

وقال ابن تيمية :" لا يتقدّر أقلّ الحيض، ولا أكثره، بل كلّ ما استقرّ عادة للمرأة، فهو حيض، وإن نقص عن يوم، أو زاد على الخمسة، أوالسّبعة عشر ". (الاختيارات ج1/185، والفتاوى ج19/237). وقال:" لم يثبت عن النّبيّ ، ولا عن أصحابه في هذا شيء، والمرجع في ذلك إلى العادة كما قُلنا ". (الفتاوى الكبرى ج1/67)

3- غالب الحيض: وغالبه سِتّة أو سبعة أيّاماً، لقوله لحَمنة بنت جَحش :" تحيَّضي ستّة أيّامٍ أو سبعةٍ في علم الله، ثمّ اغتسلي، فإذا رأيت أنّك قد طهُرت واستنقأت فصلّي أربعةً و عشرين يوماً، أو ثلاثةً وعشرين يوماً، وصُومي وصلّي، فإنّ ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي، كما تحيض النّساءُ و يطهُرنَ لـميقات حيضهنَّ وطُهرهنَّ... ". رواه أبوداود 287، والتّرمذيّ 128، وابن ماجه برقم 627، وحسّنه الألبانيّ في صحيح أبي داود برقم 267.

4- ما يوجبه الحيض:

أوّلاً: يوجب الغُسل، لقوله :" دعي الصّلاة قدْر الأيّام التي كنت تحيضين فيها، ثمّ اغتسلي وصلّي ". رواه البخاريّ برقم 331، ومسلم برقم 334

ثانياً: البلوغ: لقوله : لا يقبل الله صلاة حائض إلاّ بخمار ". رواه أبوداود 641، والتّرمذيّ 377، وحسّنه، وابن ماجة برقم 655 وصحّحه الألباني في الإرواء ج1/215. فقد أوجب عليها السّترة بحُصول الحيض، فدلّ على أنّ التكليف حصل به، وإنّما يحصل ذلك بالبلوغ.

ثالثاً: الإعتداد به: فتنقضي العدّة في حقّ الـمطلّقة ونحوها بالحيض لمن كانت تحيض، لقوله - تعالى-: ﴿والـمطلّقات يتربّصن بأنفسهنّ ثلاثة قُروء﴾ البقرة: 228. يعني: ثلاثة حيض. وقيل: ثلاثة أطهار.

5- النّفاس:

لغة: النِّفاس ولادة المرأة، وسمّيت الولادة نِفاساً: من التّنفّس، وهو التّشقُق والإنصداع، والنّفس هو الدّم، سمّي نفساً: لأنّ النّفس هي اسم لجُملة الحيوان قوامها بالدّم. ويُقال في فعله: نفست المرأة بضمّ النّون وفتحها، والفاء مكسورة فيهما، وهاتان اللُّغتان مشهورتان، حكاهما ابن الأنباريّ، والجوهريّ، والهرويّ في الغَريبين، وآخرون، أفصحهما: الضمّ. (المجموع ج2/535)

والنّفاس عند الفقهاء: دم تُرخيه الرّحم بسبب الوِلادة، إمّا معها أو بعدها أو قبلها بمدّةٍ يسيرة، كيوم أو يومين مع الطّلق.

قال النوويّ :" وهو عند الفقهاء الدّم الخارج مع الولد أو بعده ". (المجموع ج2/535)

وعند الأطباء: هو الدّم النّازل بعد فراغ الرّحِم من الولد نتيجة تمزّق جدار الرّحِم الوظيفيّ.

6- أقلُّ النّفاس وأكثره: لا حدّ لأقلّه عند الأئِمّة الأربعة، أبو حنيفة، ومالك، والشّافعيّ، وأحمد في الـمشهور عنهم، والأوزاعيّن وإسحاق، و به قال جمهور العلماء، و هو الصّحيح. (المجموع ج2/542، وبداية المجتهد ج1/104، ومراقي الفلاح ص87).

وقال النوويّ:" وعن أبي حنيفة ثلاث روايات، أصحّها مجّة كمذهبنا، والثّانية أحد عشر، والثّالثة خمسة وعشرون ". (المجموع ج2/542)

وقال أحمد في رواية: أقلّه يوم.

وقال محمّد بن الحسن، وأبو ثَور: أقلّه ساعة.

وقال الـمُزَنيّ: أقلّه أربعة أيّام. (المجموع ج2/542)

ولَمْ يرِد في الشّرع تحديده، فيُرجع فيه إلى الوجود وقد وُجد قليلاً وكثيراً. (المغني ج1/428)

وأمّا أكثره: أربعون يوماً، لحديث أمّ سلمَة قالت:" كانت الـمرأة من نساء النّبيّ تقعد في النّفاس أربعين ليلة، لا يأمرها النّبيّ بقضاء صلاة النّفاس ". رواه أبوداود برقم 311، والتّرمذيّ برقم 139، وابن ماجه برقم 948، وصحّحه الحاكم في المُستدرك، وحسّنه النّوويّ في المجموع ج2/541، وحسّنه الألبانيُّ في الإرواء برقم 201.

قال أبو عيسى التّرمذيّ:" وقد أجمع أهل العلم من أصحاب النّبيّ ، ومن بعدهم على أن النّفساء تدع الصّلاة أربعين يوماً، إلّا أن ترى الطّهر قبل ذلك فإنّها تغتسل وتصلّي، فإذا رأت الدّم بعد الأربعين، فإنّ أكثر أهل العلم قالوا: لا تدع الصّلاة بعد الأربعين، وهو قول أكثر الفقهاء، وبه قال سفيان الثّوريّ، وابن الـمبارك، والشّافعيّ، وأحمد، وإسحاق". (جامع التّرمذيّ مع تحفة الأحوذيّ ج1/380). وهو مذهب الحنفيّة، والـمشهور من مذهب الحنابلة، وداود، واللّيث، واختاره النّوويّ.

وقال الشّوكانيّ:" والأدلّة على أكثر النّفاس أربعون يوماً مُتعاضدة، بالِغةٌ إلى حدّ الصّلاحيّة والإعتبار ". (نيل الأوطار ج1/332).

وقال مالك : مرّة هو سِتون يوماً، ثمّ رجع عن ذلك فقال يُسأل عن ذلك النّساء، وأصحابه ثابتون على القول الأوّل-أي سِتون-، وبه قال الشّافعيّ، وعطاء، والشّعبيّ، وأبو ثوْر، وداود، وأحمد في رواية. قال ابن رشد:" وأكثر أهل العلم من الصّحابة على أنّ أكثره أربعون يوماً ". (بداية المجتهد ج1/105، والمجموع ج2/541)

وقال ابن حزم: أكثره سبعة أيّام.

وقال الحسن خمسون يوماً. (المجموع ج2/541)

7- حكم النّفاس حكم الحيض في كلّ شيء: لقول رسول الله لعائشة :" أَنٓفِسْتِ؟ قالت نعم ". فسمّى الحيض نِفاساً. والحديث رواه البخاريّ برقم 294، ومسلم برقم 1211، وكذلك في حديث أُمّ سلمة عند البخاريّ برقم 298. قال ابن حزم في مسألة رقم 261:" ودمّ النّفاس يمنع ما يمنع دمّ الحيض، هذا لا خلاف فيه عن أحد...". وقال ابن قُدامة :" وحكمُ النُّفساء حكمُ الحائض في جميع ما يحرم عليها، ويسقط عنها، لا نعلم في هذا خِلافاً ". (المُغني ج1/432) وقال الشِّيرازيّ في المُهذّب:" دمُ النِّفاس يحرّم ما يحرّمه الحيض، ويُسقط ما يُسقطه الحيض، لأنّه حيضٌ مُجتمعٌ احتبس لأجل الحمل ". (المجموع ج2/535)

8- ما يحرم بالحيض و النّفاس: قال ابن رشد :" واتّفق المسلمون على أنّ الحيض يمنع أربعة أشياء". (بداية المجتهد ج1/11).

الصّلاة: لقوله لفاطمة بنت أبي حُبَيْش :" إذا أقبلت الحيضة فدعي الصّلاة ". رواه البخاريّ 320، ومسلم 333.

الصّوم: لقوله :" أليس إحداكن إذا حاضت لم تصم ولم تصلّ ". قلن:" بلى «. رواه البخاريّ برقم 304

لكن نقل ابن المنذر، والنّوويّ، وغيرُهما إجماع الـمسلمين على أنّه لا يجب على الحائض قضاء الصّلاة، ويجب عليها قضاء الصّيام. قاله الشُّوكاني في نيل الأوطارج1/354. وقال النوويّ:" وأجمعت الأُمّة أيضاً على وُجوب قضاء صوم رمضان عليها، نقل الإجماع فيه التّرمذيّ، وابن المنذر، وابن جرير، وأصحابنا، وغيرُهم ". (المجموع ج2/386).

الوطْء في الفرْج: لقوله- تعالى-: ﴿ويسألونك عن الـمحيض قل هو أذى فاعتزلوا النّساء في الـمحيض ولا تقربوهنّ حتّى يطهرن﴾ البقرة: 222، ولقوله حين نزلت الآية:" اصنعوا كُلّ شيء إلا النّكاح ". رواه مسلم برقم 302.

وقد أجمع الـمسلمون على تحريم وطء الحائض في فَرجها، وممّن نقل الإجماع على ذلك ابن الـمنذر، وابن حزم، وابن قدامة، والنّوويّ، حيث قال :"... فهذا حرام بإجماع المسلمين، بنصّ القرآن العزيز، والسُّنّة الصّحيحة ". (شرح مسلم ج3/195) وقال:" أجمع المسلمون على تحريم وطء الحائض للآية الكريمة، والأحاديث الصّحيحة ". (المجموع ج2/389) وقال ابن قدامة :" الاستمتاع من الحائض فيما فوق السُّرّة ودون الرُّكبة جائزٌ بالنّصّ، والوطءُ محرّمٌ بهما ". (المغني ج1/414)

ما يحلّ للرّجل من الحائض: الإستمتاع بالحائض نوعان:

الأوّل: الإستمتاع بها فيما فوق السُّرّة، ودون الرُّكبة بالقُبلة والـمعانقة، واللّمس ونحوه. وهذا جائز بالإجماع. قال النوويّ :" وهو حلال باتّفاق العُلماء ". (شرح مسلم ج3/195) وقال ابن قدامة :" الاستمتاع من الحائض فيما فوق السُّرّة ودون الرُّكبة جائزٌ بالنّصّ والوطء محرّمٌ بهما ". (المغني ج1/414)

الثّاني: الإستمتاع بها بين السُّرّة، والرُّكبة في غير القُبل والدّبر. وبه قال كثيرٌ من السّلف، عِكرمة، ومجاهد، والشّعبيّ، والنّخعيّ، وأحمد، والثّوْريّ، وإسحاق، والأوزاعيّ، وداودّ، ومحمّد بن الحسن الشّيبانيّ، ورجّحه الطّحاويّ من الحنفيّة، وأصبغ من المالكية، وابن المنذر من الشّافعية. (المجموع ج2/394، والمغني ج1/415)

ودليله: حديث أنس :" اصنعوا كلّ شيء إلّا النّكاح ". رواه مسلم 302، وحديث عن بعض أزواج النّبيّ قالت:" إنّ النّبيّ كان إذا أراد من الحائض شيئاً ألْقى على فرجها ثوباً ". رواه أبوداود برقم 272، وصحّحه ابن عبد الهادي، وقوّاه البيهقيّ، وابن حجر، وصحّحه الألبانيّ في صحيح أبي داود برقم 242

قال النّوويّ :" وقدّمنا أنّ هذا المذهب أقوى دليلاً ". (شرح مسلم ج3/196).

ومنع من ذلك الجمهور ومنهم الأئمّة الثّلاثة، مالك، وأبو حنيفة، والشّافعيّ في الأصحّ والمنصوص، وحكاه ابن المنذر عن سعيد بن المُسيّب، وطاوس، وشُريح، وعطاء، وسُليمان بن يسار، وقتادة، وحكاه البَغويُّ عن أكثر أهل العلم. (المجموع ج2/394، وبداية المجتهد ج1/111).

وقال بعض الشّافعية: إذا كان يضبط نفسه عن فرجها جاز، وإلّا فلا. وبه قال أبو العبّاس البصريّ منهم. قال النوويّ: وهو حسن. وقيل هو مكروه، وهو وجه عند الشّافعية كذلك، صرّح به المُتَوليّ وغيرُه. (المجموع ج2/393)

والرّاجح الجواز للأحاديث المتقدّمة.

ولو جامع زوجه وهي حائض ماذا عليه؟ عليه أن يتصدّق بدينار، أو نصف دينار، لحديث ابن عبّاس أنّ النّبيّ قال في الذي يأتي امرأته وهي حائض:" يتصدّق بدينار، أو نصف دينار ". رواه أبو داود برقم 264، والتّرمذيّ برقم 135، والنّسائيّ برقم 289، وابن ماجه برقم 640، وغيرهم، وصحّحه الحاكم، ووافقه الذّهبيّ، وابن القطّان الفاسيّ، وابن دقيق العيد، وابن التُّرْكُمانيّ، وابن القيّم، وابن حجر، والشّوكانيّ، وأحمد شاكر، والألبانيّ. قال الحافظ: الصّواب تصحيحُه. (البحر المحيط ج7/345)

والدّينار أربع غرامات ورُبع من الذّهب.

وبه قال الحنابلة في الـمشهور، وهو قول الشّافعيّ في القديم، والأوزاعيّ، وإسحاق، وقال به بعضُ السّلف وقوّاه الشَّوكانيّ (النّيل ج1/244). والتّمييز بين الدّينار ونصف دينار: قيل: على سبيل التّخير، وقيل: يعود إلى حال الـمتصدّق من اليسار أو الضّيق. وقيل: غير ذلك.

والقول الثّاني: أنّه لاشيء عليه في ماله، لكن عليه التّوبة والإستغفار. وبه قال أكثر العلماء، من الحنفية، والـمالكية، والشّافعية وهو رواية عن الإمام أحمد، وقول أهل الظّاهر، وسُفيان، واللّيث، وغيرهم، وضعّفوا الحديث. (شرح مسلم للنوويّ ج3/195، والمغني ج1/417، وبداية المجتهد ج1/115-116) قال النوويّ :" واتّفق المُحدِّثون على ضعف حديث ابن عبّاس هذا لاضطرابه، ورُوي مَوقوفاً، ورُوي مُرسلاً، وألواناً كثيرة ". (المجموع ج2/391) وقال ابنُ قُدامة :" وحديث الكفّارة مَداره على عبد الحميد بن عبد الرّحمن بن زيد بن الخطّاب، وقد قيل لأحمد: في نفسك منه شيءٌ؟ قال: نعم، ولأنّه من حديث فُلان، أظنُّه قال: عبد الحميد. وقال: لو صحّ ذلك الحديثُ عن النّبيّ كُنّا نرى عليه الكفّارة. وقال في موضع: ليس به بأسٌ، وقد روى النّاسُ عنه ". (المغني ج1/417)

والرّاجح الأوّل. فإن قيل: كيف يُخيّر بين شيء ونصفه؟ قال ابن قدامة :" قلنا: كما يخيّر المُسافر بين قصر الصّلاة وإتمامها، فأيُّهما فعل كان واجباً، كذا هُنا ". (المغني ج1/418)

الطّواف بالبيت: لقوله لعائشة لـمّا حاضت:" افعلي ما يفعل الحاج غير ألّا تطوفي بالبيت حتى تطهري ". رواه البخاريّ برقم 305، ومسلم برقم 119. قال النوويّ:" وقد أجمع العلماءُ على تحريم الطّواف على الحائض والنّفساء، وأجمعوا أنّه لا يصحّ منها طواف مفروض، ولا تطوّع، وأجمعوا أنّ الحائض والنُّفساء لا تُمنع من شيء من مناسك الحجّ إلّا الطّواف وركعتيه، نقل الاجماع في هذا كلّه ابنُ جَرير، وغيرُه ". (المجموع ج2/387-6-387) وقال خليل في مختصره:" فلا تطوف ولا تعتكف ". (التّسهيل لمعاني خليل ج2/244).

ويَمنع اللُّبثَ في المسجد: قال النوويّ:" يحرم على الحائض والنّفساء مسُّ المصحف، وحمله، واللُّبث في المسجد ". (المجموع ج2/388) وقال ابن قدامة :" ومنها أنّه يمنع اللُّبثَ في المسجد، والطّواف بالبيت ". (المغني ج1/387)

قراءة القرآن: جمهورُ الفقهاء على حُرمة قراءة الحائض للقرآن حال الحيض حتى تطهر، ولا يستثنى من ذلك إلّا ما كان على سبيل الذّكر، والدُّعاء، ولم يقصد به التّلاوة. قال النوويّ :" قد ذكرنا أنّ مذهبنا المشهور تحريمها، وهو مَرويٌّ عن عمر، وعليّ، وجابر ، وبه قال الحسن البصريّ، وقتادة، وعطاء، وأبو العالية، والنّخعيّ، وسعيد بن جُبير، والزُّهريّ، وإسحاق، وأبو ثور ". (المجموع ج2/388)

وذهب بعض أهل العلم إلى جواز القراءة، وهو مذهب مالك، ورواية عن أحمد، ومذهب البخاريّ، وداود، وابن حزم. قال خليل في مختصره:" ومسَّ مُصحف لا قراءة ". (التّسهيل لمعاني خليل ج2/244). وقال النوويّ :" وعن مالك، وأبي حنيفة، وأحمد روايتان، إحداهما: التّحريم، والثّانية: الجواز، وبه قال داود ". (المجموع ج2/388)

وقال ابن باز :" يجوز للحائض، والنُّفساء قراءة القرآن في أصحِّ قوْليّ العلماء، لعدم ثبوت ما يدلّ على النّهي عن ذلك، لكن بدون مسّ الـمُصحف، ولهما أن يمسكاه بحائل كثوبٍ طاهرٍ وشبهِه ". (الاختيارات الفقهية ص39).

وقال العثيمين :" يجوز للحائض أن تقرأ القرآن للحاجة مثل أن تكون معلِّمة، فتقرأ القرآن للتّعليم، أو تكون طالبة فتقرأ القرآن للتعلُّم، أو تكون تُعلِّم أولادها الصّغار أو الكبار.... الـمُهمّ إذا دعت الحاجة إلى قراءة القرآن للمرأة الحائض فإنه يجوز لها ولا حرج عليها...". (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ج11/273).

قال البسّام :"...وفي هذا القول تيسير على الـمُتعلّمات والـمعلِّمات في مدارس تحفيض القرآن، وحتّى لا ينسى القرآن الكريم ممّن حفظته منهن، وخاصّة أيّام النّفاس ومن يطول حيضها. وهذا هو مذهب البخاريّ، والطّبريّ، وابن الـمنذر، وداود، والشّعبيّ، ومذهب الشّافعي القديم، ورواية عن أحمد، وقد أخذ بهذا القول كثيرٌ من علماء العصر ". (توضيح الأحكام ج1/365).

مسّ الـمُصحف: لقوله :" ألّا يَمسَّ الـقرآنَ إلا طاهرٌ ". رواه مالك برقم 489 مُرسلاً، وعبد الرّزّاق برقم 1328، وابن حبّان برقم 6559، والبيهقيّ ج4/89، والحاكم برقم 1447 وصحّحه، وصحّحه الشّافعيّ، وأحمد، وابن حجر، وأحمد شاكر، والألبانيّ في الإرواء برقم 122، وابن باز كما في الفتاوى ج10/149. وضعّفه ابنُ حزم، والنوويّ، وابنُ كثير، وغيرُهم. (تعليقات عبد الله الزّاحم على بداية المجتهد ج1/263)

وقال ابنُ عبد البرّ :" كتاب عَمرو بن حَزم هذا تلقّاه العُلماءُ بالقبول والعمل، وهو عندهم أشهرُ وأظهرُ من الإسناد الواحد المُتّصل ". (الاستذكار ج2/471)

وقال :" وأجمع فقهاءُ الأمصار الذين تَدور عليهم الفتوى وعلى أصحابهم بأنّ المُصحفَ لا يَمَسُّه إلّا الطّاهِر ". (الاستذكار ج2/472)

وقال ابن تيمية :" مذهب الأئمّة الأربعة أنّه لا يمسّ الـمُصحف إلاّ طاهر، كما قال في الكتاب الذي كتبه رسول الله لعمر بن حزم:" ألّا يمسَّ القرآن إلّا طاهر ". قال الإمام أحمد: ولا شكّ أنّ النّبيّ كتبه له، وهو أيضاً قول سَلمان الفارسيّ، وعبد الله بن عمر، وغيرهما، ولا يُعلم لهما من الصّحابة مُخالف ". (مجوع الفتاوى ج21/266)

أنّه يحرّم الطّلاق: لقوله تعالى: ﴿إذا طلّقتم النّساء فطلّقوهنّ لعدّتهنّ﴾ الطّلاق: 1

9- مسألة دم الاستحاضة:

الاستحاضة: سيلان الدّم في غير وقته على سبيل النّزيف من عرق يُسمى " العاذل". وقد تقدّم.

ودم الاستحاضة يخالف دم الحيض في أحكامه وصفته، وهو عِرق يتفجّر في الرّحم، سواء كان في أوقات الحيض أو غيرها، وهو لا يمنع الصّلاة ولا الصّيام ولا الوطء، لأنّ الـمستحاضة في حُكم الطّاهرات، ودليله حديث فاطمة بنت أبي حُبيْش

قالت:" يا رسول الله إنيّ أُستحاض، فلا أطهُرُ أفأدع الصّلاة؟ فقال: لا إنّ ذلك عِرقٌ، وليس بالحيضة، فإذا ابلت الحيضةُ، فدَعي الصّلاة وإذا أدبرت، فاغسلي عنك الدّم وصلّي ". رواه البخاريّ برقم 228، و306، ومسلم برقم 333. فيجب عليها أن تغتسل عند نهاية حيضتها الـمُعتبرة، وعند الإستحاضة تغسل فرجها، وتجعل الحفائظ الصّحية ثمّ تتوضّأ عند دُخول وقت كلّ صلاة، للحديث الـمُتقدّم وفي بعض رواياته:" وتوضّئي لكلّ صلاة ". رواه البخاريّ برقم 228.

والـمستحاضة لها ثلاث حالات:

الحالة الأولى: أن تكون لها عادة معروفة، بأن تكون مدّة الحيض معلومة لديها قبل الإستحاضة، فهذه تجلس قدر عادتها، وتدع الصّلاة والصّيام، وتُعدُّ حائضاً فإذا انتهت عادتها، اغتسلت وصلّت وعَدّت الدّم الخارج دم استحاضة، لقوله لأمِّ حَبيبة :" امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثمّ اغتسلي، وصلّي «. رواه مسلم 65

الحالة الثّانية: إذا لم تكن لها عادة معروفة، لكن دمها مُتميّز، بعضه يحمل صفة الحيض بأن يكون أسوداً، أو ثخيناً، وله رائحة، والباقي يحمل صفة الاستحاضة، دمٌ أحمر ليس له رائحة، ففي هذه الحالة تعمل بالتّمييز، لقوله لفاطمة بنت أبي حُبيْش :" إذا كان دم الحيض فإنّه أسود يُعرِف- له عَرف أي رائحة- فأمسكي عن الصّلاة، فإذا كان الآخر فتوضّئي، صلّي، فإنّما هو عِرق ". رواه أبو داود برقم 304، والنّسائيّ برقم 216، ابن حِبّان برقم 1348، وصحّحه الألبانيّ في الإرواء برقم 204.

الحالة الثّالثة: إذا لم تكن لها عادة ولا صفة تُميِّز بها الحيض عن غيره، فهذه تجلس غالب الحيض ستًاً أو سبعاً، لأنّ هذه عادة غالب النّساء، وما بعد هذه الأيّام من الدّم يكون دم استحاضة تغسله ثمّ تُصلّي وتصوم، لقوله لحَمنة بنت جَحش :" إنّما هي ركضةٌ من الشّيطان فتحيَّضي ستّة أيّام أو سبعة، ثمّ اغتسلي، فإذا استنقأتِ فصلّي وصومي، فإنّ ذلك يجزيك ". رواه أبوداود برقم 287، والتّرمذيّ برقم 128، وحسّنه الألبانيّ في الإرواء برقم 205. ومعنى "ركضة من الشّيطان" أي: دُفْعَةٌ. يعني أنّ الشّيطان هو الذي حرّك هذا الدّم.

قال محمّد عليّ الإتيوبيّ :" والحاصلُ أنّ التي لها عادة ترجع إليها، والتي لا عادة لها، ولكنّها مُميّزة تعمل بالتّمييز، والتي لا عادة لها ولا تمييز ترجع إلى عادة نسائها، فاتّفقت الأحاديث بلا تعارُض ولا دعوى نسخ، ولا تضعيف لصحيح، ولله الحمد ". (ذخيرة العُقبى ج4/184)

فائدة: قال ابن قُدامة :" قال أحمد : الحيضُ يدور على ثلاثة أحاديث: حديث فاطمة، وأمّ حبيبة، وحَمنة. وفي رواية حديث أُمّ سلمة، مكان حديث أُم حبيبة ". (المغني ج1/388)

11- مسألة الصُّفْرَة و الكُدرَة:

معنى الصُّفرة: هي اللّون الأحمر الَّذِي يميل إلى البياض، والـمراد أن ترى الـمرأة الدّم أصفر كماءِ الجروح.

ومعنى الكُدرة: هي اللّون الأحمر الذي يَضرب إلى السّواد، والـمُراد أنّ الدّم يكون مُتكدِّراً بين الصُّفرة والسَّواد.

حكمها: فالصُّفرة والكُدرة بعد الطُّهر ليست بحيض ولا يُلتفت إليها، لحديث أُمّ عطيّة :" كُنّا لا نعُدّ الكُدرة والصُّفرة بعد الطُّهر شيئاً ". رواه البخاريّ برقم 326، وأبوداود برقم 307، واللّفظُ له، أمّا إذا كان ذلك في أثناء الحيض أَوْ مُتّصلاً به قبل الطُّهر فهو حيض، تثبت له أحكامُ الحيض. وهذا مذهب الحنفيّة، والحنابلة، وقوْل في مذهب مالك، قال به ابن الماجشون، ونسب هذا القول ابن قُدامة إلى أحمد، ويحي الأنصاريّ، والثّوريّ، ومالك، والشّافعيّ، وعبد الرّحمن بن مهديّ، والأوزاعيّ، وإسحاق. (المغني ج1/413).

وقال أبو يسف، وأبوثور: لا يكون حيضاً، إلّا أن يتقدَّمَه دمٌ أسود، لأنّ أُمَّ عطيّة قالت: كُنّا لا نعتدُّ بالصُّفرة والكُدرة بعد الغُسل شيئاً ". رواه البخاريّ برقم 326 (المغني ج1/413).

وقال بعض العلماء: الصُّفرة والكُدْرة ليْستا بشيءٍ، سواء كانتا قبل الحيض أو بعد الحيض، وأنّ الحيض هو الدّم الخالص الـمُعرِف. وبه قال ابن حزم، وهو وجه عند الحنابلة، اختاره ابنُ العُثيْمين حيث قال :" وهذا القول الذي تطمئنّ النّفس إليه، أنّ الصُّفرة والكُدرة ليستا بشيءٍ مُطلقاً، سواء قبل الحيض أو بعد الحيض، مُتّصلة بالحيض أو مُنفصلة ". (فتح ذي الجلال ج1/709-710) وهو قول عند المالكية.

قال ابنُ رُشد:" اختلف الفُقهاء في الصُّفرة والكُدرة هل هي حيضٌ أم لا؟ فرأت جماعةٌ أنّها حيضٌ في أيّام الحيض، وبه قال الشّافعيّ، وأبو حنيفة، ورُوي مثلُ ذلك عن مالك، وفي المُدوّنة عنه: أنّ الصُّفرة والكُدرة حيضٌ في أيّام الحيض، وفي غير أيّام الحيض، رأت ذلك مع الدّم أو لم تره. وقال داود، وأبو يوسف: إنّ الصُّفرة والكُدرة لا تكون حيضة إلّا بأثر الدّم.

والسّببُ في اختلافهم مُخالفة ظاهر حديث أمّ عطيّة لحديث عائشة، وذلك أنه رُوي عن أُمّ عطيّة أنّها قالت:" كُنّا لا نعُدُّ الصُّفرة والكُدرة بعد الغُسل شيئاً "، ورُوي عن عائشة: أنّ النّساء كنّ يبعثن إليها بالدِّرَجَة- كالسَّفط الصّغير، تضع فيه المرأة خِفَّ مَتاعها وطِيبها- فيها الكُرسُفُ فيه الصُّفرة والكُدرة من دم الحيض، يسألنها عن الصّلاة؟ فتقول:" لا تعجَلنَ حتّى تَرَينَ القِّصّةَ البيضاء "، رواه مالك برقم 97، فمن رجَّح حديث عائشة جعل الصُّفرة والكُدرة حَيضاً سواء ظهرت في أيّام الحيض أو في غير أيّامه مع الدّم أو بلا دم، فإنّ حُكمَ الشّيء الواحد في نفسه ليس يختلف، ومن رام الجمع بين الحديثين، قال: إنّ حديث أُمّ عطيّة هو بعد انقطاع الدّم، وحديث عائشة في أثر انقطاعه، أو أنّ حديث عائشة هو في أيّام الحيض، وحديث أُمّ عطيّة في غير أيّام الحيض.

وقد ذهب قومٌ إلى ظاهر حديث أُمّ عطيّة، ولم يروا الصُّفرة والكُدرة شيئاً، لا في أيّام حيض، ولا في غيرها، ولا بأثر الدّم، ولا بعد انقطاعه لقول الرّسول :" دم الحيض دمٌ أسود يُعرَف "، ولأنّهنّ الصُّفرة والكُدرة ليست بدم وإنّما هي من سائر الرُّطوبات التي تُرخيها الرّحم، وهو مذهب أبي محمّد بن حزم ". (بداية المُجتهد ج1/106-107)

انتهى الجزء الأوّل بعون اللّه - تعالى- وتوفيقه، وسيليه الجزء الثّاني إن شاء الله.