اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
الأوّل: لا تجوز الطّهارة به مُطلقاً، وهو مذهب أبي حنيفة، والشّافعيّ، وظاهر مذهب أحمد، ورواية عن مالك، قال المَرغِينانيّ :" والماء المُستعمل لا يجوز استعماله في طهارة الأحداث خِلافاً لمالك والشّافعيّ ". (الهداية ج1/20) وقال النوويّ :" قد ذكرنا أنّ المُستعمَل طاهر عندنا بلا خلاف، وليس بمُطهِّر على المذهب ". (المجموع ج1/203) وقال ابن قدامة :" وظاهر المذهب أنّ المُستعمَل فيرفع الحدث طاهرٌ غيرُ مطهِّر، لا يرفع حَدثاً، ولا يُزيل نجساً، وبه قال اللَّيث، والأوزاعيّ، وهو المشهور عن أبي حنيفة، وإحدى الرِّواتين عن مالك، وظاهر مذهب الشّافعيّ ". (المغني ج1/31) وقال أصحاب الفقه الميسّر ج1/28:"وعند الحنابلة روايتان: الأولى أنّه طاهر غير مُطهِّر لا يرفع حدثاً، ولا يُزيل خَبثاً وهو ظاهر المذهب ".
الثّاني: يُكره استعماله مع وجود غيره. قال خليل في المختصر :" وكُره ماء مُستعمل في حدث ". قال الطّاهر عامر:" يكره استعماله مع وجود غيره مُراعاةً للخلاف ". (التّسهيل لمعاني مختصر خليل ج1/45) وقال ابنُ رشد :" وقوم كرهوه ولم يجيزوا التّيمّم مع وجوده، وهو مذهب مالك وأصحابه ". (بداية المجتهد ج1/55) وقال ابن القاسم :" إن لم يجد غيره توضّأ ". (الذّخيرة ج1/167). وقال ابنُ بَشير :" المشهور أنّه مُطهِّر مكروه للخلاف فيه. وقيل: طاهر غير مُطهِّر ". (الذّخيرة ج1/167)
الثّالث: أنّه طاهر ومُطهِّر. وبه قال أبو ثور، وداود، وأصحابه، وهو رواية عن مالك، والشّافعيّ، وأحمد في رواية، اختارها ابنُ تيمية، وابنُ باز، والعُثيمين. قال ابنُ باز :" والأرجح أنّه طهور لعموم قول النّبيّ إنّ الماء طهور لا يُنجّسه شيئ ". ولا يُستثنى من ذلك إلّا ما تغيّر لونُه أو طَعمُه أو ريحُه بالنّجاسة، فإذا تغيّر بذلك صار نجساً بالإجماع ". (مجموع فتاوى ورسائل ج10/18). قال ابن قدامة :" وبه قال الحسن، وعطاء، والنّخعيّ والزُّهريّ، ومَكحول، وأهل الظّاهر، والرِّواية الثّانية لمالك، والقول الثّاني للشّافعيّ ". (المغني ج1/31) وقال ابنُ رشد :" وشذّ أبو يوسف فقال: إنّه نجس ". (بداية المجتهد ج1/55)
وأرجح الأقوال أنّه طَهور يَرفع الحَدث ويُزيل الخبث ما دام أنّه لم يتغيّر أحدُ أوصافه الثّلاثة.
ودليل طهارته، حديث المِسور بن مَخرمة :" أنّ النّبيّ " كان إذا توضّأ كادوا يَقْتَتِلون على وَضوئه ". رواه البخاريّ برقم 2731، والوَضوء هو الماء الذي يتوضّأ به، ولأنّ "النّبيّ ونساءَه كانوا يَغتَسِلون في الجِفان "- أي: جمع جَفْنة وهي القَصْعة -. رواه أبو داود برقم 68، والتِّرمِذيّ برقم 65، والنّسائيّ برقم 325، ولحديث الرُبيّع بنت مُعوّذ أنّ النّبيّ :" مسح رأسه بما بقي من وَضوئه في يديه ". رواه أحمد برقم 27016، وأبوداود برقم 130، وحسّنه ابنُ حجر في الدِراية ج1/55، ولحديث ابن عباس :" أن النّبيّ كان يغتسل بفضل مَيمونة ". رواه مسلم برقم 323. قال أصحاب الفقه الميسّر ج1/28:" وهذا هو الرّاجح، لأنّ الأصل بقاء الطّهارة ولا يُعدل عنها إلاّ بدليل شرعيّ، ولأنّه ماء طاهر غُسِل به عضو طاهر، ولقوله :" الماء لا يَجنُب ". رواه أحمد برقم 3120، وأبو داود برقم 68، والتّرمذيّ برقم 65، وابن ماجه برقم 370، وصحّحه ابنُ خزيمة برقم 109، وسئل ابنُ تيمية عن الماء إذا غمس الرّجلُ يده فيه، هل يجوز استعماله أم لا؟ فأجاب:" لاينجس بذلك، بل يجوز استعماله عند جمهور العلماء، كمالك، وأبي حنيفة، والشّافعيّ، وأحمد عنه رواية أخرى أنّه يصير مُستعمَلاً..». (الفتاوى ج26/46). وقال ابنُ حزم :"والوضوء بالماء المستعمل جائز، كذلك الغُسل به للجنابة، وسواء وُجد ماء آخر غيره أم لم يوجد، وهو الماء الذي توضّأ به بعينه لفريضة أو نافلة، أو اغتسل به بعينه لجنابة أو غيرها، وسواء كان المتوضّىءُ رجلاً أو امرأة ". (المحلّى ج1/182) وقال القاضي عبد الوهاب :" الماء المستعمل في طهارة الحدث طاهر مُطهِّر، إلّا أنّه يُكره استعماله مع وجود غيره " (الإشراف ج1/175). وقال صدّيق خان :" فالحقّ أنّ المستعمل طاهر ومُطهِّر، عملاً بالأصل، وبالأدلّة الدّالّة على أنّ الماء طهور ". (التّعليقات الرّضيّة على الرّوضة النّديّةج1/102)
وقد ذهب إلى هذا جماعةٌ من السّلف والخلف، ونسبه ابنُ حزم إلى عطاء، وسُفيان الثّوريّ، وأبي ثَور، وجميع أهل الظّاهر، ونقله غيرُه عن الحسن البصريّ، والزُّهريّ، والنّخعيّ، ومالك، والشّافعيّ، وأبي حنيفة -في إحدى الرّوايات عن الثّلاثة المتأخّرين- ". (التّعليقات الرّضيّة على الرّوضة ج1/102)