fiqh.ch
Zum Inhaltsverzeichnis
Kitāb aṭ-Ṭahāra — Das Buch der Reinheit · Lektion 8

الدّرس الثّامن

1- تعريف النّجاسة

لغة: هي ضدّ الطّهارة، وهي القَذارة. يقال:" تنجس الشّيء "، أي: تلطّخ بالقذر، وصار نجِسا. (الفقه الميسّر ج1/35). وقال القرافيّ :" والنّجاسة في اللّغة: ملابسة الأدناس ". (الذّخيرة ج1/156)

اصطلاحاً: هي كلّ عين مُستقذرة أمر الشّارع باجتنابها. وقال الفيوميّ :" النّجاسة في عرف الشّرع قذرٌ مخصوص. وهو ما يَمنع جِنسُه الصّلاة، كالبول والدّم والخمر ". (المِصباح المُنير ص 312)

وقال النوويّ :" وأمّا حدّ النّجاسة في اصطلاح الفقهاء، فقال المُتولي: حدّها كلّ عين حَرُم تناولها على الاطلاق مع امكان التّناول لا لحُرمتها ", (المجموع ج2/565)

وقيل:" مسقذر يمنع صحّة الصّلاة حيث لا مُرّخص ". (الفقه الميسّر ج1/35)

2- أنواعها: هيّ نوعان:

الأوّل: نجاسة عينيّة أو حقيقيّة -أي نجاستها في نفسها-: وهي التي لا تطهر بحال، لأنّ عَينها نجسة، كرٓوْث الحمار، والدّم، والبول.

الثّاني: نجاسة حُكميّة: وهي أمرٌ اعتباريّ-أي وصف حُكمي- يقوم بالأعضاء ويمنع مِنْ صحّة الصّلاة، ونحوها، ويشمل الحدث الأصغر الذي يزول بالوضوء، كالغائط، والحدث الأكبر الَّذِي يزول بالغُسل كالجنابة. (التّعليق على بداية المجتهد ص 455).

وتنقسم من حيث غلظها وخفّتها إلى:

1- نجاسة مُغلّظة: وهي نجاسة الكلب و ما تولّد منه.

2- نجاسة مُخفّفة: و هي نجاسة بول الصّبي الذي لم يأكل الطّعام.

3- نجاسة مُتوسّطة: وهي بقيّة النّجاسات، كالبّول، والغائط، والدّم.

3- حكم إزالة النّجاسة: قال ابن عبد البرّ :" وأجمع العلماءُ على غَسل النّجاسات كلّها من الثّياب و البدن، وأن لا يصلّي بشيءٍ منها في الأرض و لا في الثّياب ". (الاستذكار ج3/205)

واختلفوا هل ذلك على الوجوب أو على السُّنّية؟

فقال الجمهور: إنّ إزالة النّجاسات واجبة، وبه قال الشّافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وداود والطّبريّ، وهو قول أبي حنيفة إذا زادت على قَدر الدِّرهم، وهي رواية ابن وهْب عن مالك، ومال إليها أبو الفٓرْج، وابن العربي، والقرطبيّ من الـمالكيّة. قال ابنُ رُشد:" فقال قوم: إنّ أزالة النّجاسات واجبة، وبه قال أبو حنيفة، والشّافعيّ ". (بداية المُجتهد مع تعليق عبد الله الزّاحم ص458)

واستدلّوا بما يلي:

1- حديث أسماء بنت أبي بكر و فيه: أنّ النّبيّ قال:" إذا أصاب ثوْب إحداكن الدّم من الحيضة فلْتقرصهُ - أي تحثُّهُ و تزيله بظفرها- ثمّ لتنضٓحه بماءٍ- أي تغسله-، ثمّ لتصلّي فيه ". رواه البخاريّ برقم 307، ومسلم برقم 294. وفيه الأمر بالغّسل.

2- حديث ابن عبّاس في صاحبيْ القبر، حيث قال :" إنّهما ليُعذّبان و ما يعذّبان في كبير، أمّا أحدهما فكان لا يسْتنزِه من البول...". رواه البخاريّ برقم 216، ومسلم برقم 292. قال العلماء: ولا يعذّب إلاّ على ترك واجب.

3- حديث أنس أنّ أعرابيّاً قام إلى ناحية الـمسجد فبال فيها، فصاح به النَّاس، فقال رسول الله دعوه فلمّا فرغ أمر رسول الله بذنوب ماء- أيْ دلوٍ- فصبّ على بوْله ". رواه البخاريّ برقم 221، ومسلم برقم 284.

وللـمالكية في حُكم إزالة النّجاسة أقوال: قال خليل في مختصره:" هل إزالة النّجاسة عن ثوب مُصلّ، ولو طَرفَ عِمامته، وبدنه، ومكانه، لا طرف حَصيره، سُنّة، أو واجبة، إن ذكر وقدر ". (مُيسّر الجليل ج1/48) وقال ابنُ جُزيّ:" إزالة النّجاسة واجبة مع الذّكر والقُدرة على المشهور، فمن صلّى بها أعاد إن كان ذاكِراً قادراً، ولم يُعِد إن كان ناسياً أو عاجزاً، وقيل واجبة مطلقاً، وفاقاً لهما-أي أبوحنيفة، والشّافعيّ-، فمن صلّى بها أعاد مُطلقاً، وقيل سُنّة، فيُعيد في الوقت استحباباً ". (القوانين الفقهية ص34)

والقول بالسُّنّية شَهره ابن رُشد في البَيان، وعبد الحقّ في نُكَته، وابن يونس في جامعه، وحَكى بعضُهم الاتّفاق عليه، أو واجبة وجوب الشُّروط، وشَهره اللَّخميُّ، وصرّح به غيرُ واحد، وجعله مذهب المُدوّنة، قاله عُليش في مِنح الجليل ج1/49.

الأوّل: أنّها واجبة مُطاقاً، كقول الجمهور، والثّاني: أنّها سُنّة مُؤكدة، لكن ابن عبد البرّ وصف هذه الرّواية الثّانية بالشُّذوذ. (التّعليق على بداية المجتهد ص460) والثّالثة: أنّها فرض مع الذّكر ساقطة مع النّسيان. قال حطّاب:" والظّاهر من الخلاف الوجوب ". (مواهب الجليل ج1/37) وقال د. عبد الله الزّاحم:"والذي يظهر لي ترجيح القول بالوجوب مع الذِّكر والقدرة على إزالتها ". (التّعليق على بداية المجتهد ص460)

ومذهب الجمهور أقوى وأصحّ.

4- الأشياء التي قام الدّليل على نجاستها:

أوّلاً: غائط الآدمي وبوْله: لحديث ابن عباس في عذاب صاحب القبر الـمُتقدّم، وفي حديث أنس في بول الأعرابيّ في الـمسجد، وقد تقدّم، ولقوله :" إذا وطِئٓ أحدُكم بنعليْه الأذى فإنّ التّراب لها طهور ". أبو داود برقم 385،386

ولأمره بالاستنجاء منها، كما في حديث عائشة عند أبي داود برقم 40، والنّسائيّ برقم 44، وأحمد برقم 25056، وحسّنه ابن حجر، والألبانيّ في صحيح أبي داود برقم 31، وصحّحه في النّسائيّ:" إذا ذهب أحدكم الغائط فليذهب بثلاثة أحجار يستطيب بهنّ ".

قال ابن المنذر :" دلّت الأخبار الثّابتة عن النّبيّ على نجاسة البول، وبه قال عوام أهل العلم، منهم مالك وأهل المدينة، وسفيان، وأهل العراق من أصحاب الرّأي وغيرهم، والشّافعيّ، وأصحابه، وبه قال كلُّ من حفظنا عنه من أهل العلم ". (الأوسط ج2/138)

ويكتفي برشّ ونضح بول الصّبي الذي لم يأكل الطّعام من باب التّخفيف، لحديث أُمّ قيس بنت مِحصن :" أنّها أتتْ بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله فأجلسه في حجره، فبال على ثوْبه فدعا بماءٍ فنضحه ولم يغسله ". رواه البخاريّ برقم 223. ومعنى" نضحه": رشّه بالـماء وصبّه عليه. ومعنى"لم يأكل الطّعام": لم يحصل له الإغتداء بغير اللّبن على الإستقلال. ولحديث عائشة ، أنّ رسول الله كان يُؤتى بالصِّبيان، فيُبَرِّكُ عليهم، ويُحنِّكُهم، فأُتيَ بِصبيٍّ، فبال عليه، فدعا بماءٍ، فأتبعه بَولَه، ولم يَغسِله ". رواه البخاريّ برقم 222، ومسلم برقم 286 معنى يبرّك عليهم: يدعو لهم بالبركة. ومعنى يُحنّكهم: من التّحنيك: وهو أن يَمضَغ التّمر، أو نحوه، ثمّ يدلُك به حَنَك الصّغير.

قال ابن المنذر:" وقد اختلف أهلُ العلم في هذا الباب، فقالت طائفة يُنضح بولُ الغُلام ما لم يأكل الطّعام، ويُغسل بولُ الجارية، ورُوي هذا القول عن عليّ، وأُمّ سلمة، وعطاء، والحسن، وبه قال أحمد، وإسحاق ". (الأوسط ج2/142-143)

وقال النوويّ :" أمّا بول الآدمي الكبير، فنجس بإجماع المسلمين. نقل الإجماع فيه ابن المنذر، وأصحابُنا وغيرُهم. ودليله الأحاديث السّابقة مع الإجماع، وأمّا بول الصّبي الذي لم يطعم، فنجس عندنا، وعند العلماء كافّة، وحكى العبدَريّ، وصاحب البيان عن داود أنّه قال: هو طاهر ". (المجموع ج2/567) وقال ابن رُشد:" اتّفق العلماءُ على نجاسة بول ابن آدم، ورجيعه، إلاّ بول الصّبي الرّضيع ". (بداية المجتهد ص 493)

وقال قوم ينضح بول الغُلام الذي لم يأكل الطّعام مُطلقاً من غير تفريق. وهو قول ابن وهب من المالكية، وحُكي عن الحسن، والنّخعيّ، والأوزاعيّ. (الأوسط ج2/144)

وقال أبوحنيفة، ومالك يُغسل من بول الأطفال مُطلقاً، سواء أكانوا ذُكوراً، أم إناثاً، أكلوا الطّعام، أم لم يأكلوه. وبه قال النّخعيّ والثّوريّ. (الاستذكار ج3/254، وبداية المجتهد ص 255).

وقال النوويّ:" ولا فرق بين غائط الصّغير، والكبير بالإجماع ". (المجموع ج2/569)

ثانيّاً: الدّم المسفوح من الحيوان الـمأكول الّلحم: أمّا الدّم الذي يبقى في اللّحم، والعروق فإنّه طاهر، لقوله- تعالى - ﴿أو دماً مسفوحاً﴾ الأنعام: 145 وهو الذي يهراق وينصبّ من الحيوان. قال النوويّ:" والدّلائل على نجاسة الدّم مُتظاهرة، ولا أعلم فيه خلافاً عن أحد من المسلمين، إلاّ ما حكاه صاحب الحاوي عن بعض المتكلمين، أنّه قال: هو طاهر. ولكن المتكلِّمين لا يُعتدّ بهم في الإجماع والخلاف، على المذهب الصّحيح الذي عليه جمهور أهل الأصول من أصحابنا وغيرهم، لا سيّما في المسائل الفقهيات ". (المجموع ج2/576، وانظر التّعليق عل بداية المجتهد ص 468)

ثالثاً: بولُ ورَوثُ غير مأكول اللّحم: قال الإمام النّوويّ:" وأمّا بولُ باقي الحيوانات الّتي لا يُؤكل لحمُها فنجسٌ عندنا، وعند مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، والعلماء كافّة...". (المجموع ج2/567)

وأمّا بول وروْث الحيوان المأكول اللّحم فهي طاهرة في أصّح أقوال العلماء، وبه قال عطاء، والنّخعيّ، والزّهريّ، ومالك، وسفيان الثوْريّ، وزُفٓر، ومحمّد، وأحمد، واختاره ابن خُزيمة، وابن المنذر، والإصطخريّ، والرُّوياني، ورجّحه الشّوكانيّ في نيل الأوطار ج1/50، وابن باز في مجموع الفتاوى ج29/105، والعثيمين في فتح ذي الجلال والإكرام ج1/204-205.

وقال الشّافعيّ، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، إنّها نجسة.

وذهب قوم إلى طهارة فضلتي سائر الحيوان البول والرّجيع. وحُكي عن النّخعيّ، وبه قال داود، كما حكاه عنه ابن حزم في المُحلّى. (المجموع ج2/567، وبداية المجتهد ج1/154) قال النوويّ:" وحَكى الشّاشيُّ، وغيرُه عن النّخعيّ طهارته، وما أظنّه يصحّ عنه، وإن صحّ فمردودٌ بما ذكرناه ". (المجموع ج2/567)

ودليله: حديث أنس بن مالك قال:" قدِم أناسٌ من عُكَل -أو عُريْنة- فاجتووا الـمدينة فأمرهم النّبيّ بِلِقاح، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها...". أخرجه البخاريّ برقم 233

ولو كان نجِساً ما أمرهم بذلك. ومعنى اجتووا: كرهوا الـمُقام فيها، ومعنى لِقاح: هي النُّوق ذوات الألبان.

وحديث جابر بن سمرة في جواز الصّلاة في مرابض الغنم، الذي أخرجه مسلم برقم 360. ومعنى الـمرابض: مراقدها ومأواها، وكذلك حديث البراء بن عازب عند أبي داود برقم 184، وفيه: "... وسئل عن الصّلاة في مرابض الغنم؟ فقال صلّوا فيها فإنها بركة ". وقد صحّحه الألبانيّ في صحيح أبي داود برقم 169.

وحديث ابن عباس في طواف النّبيّ على بعيره. أخرجه البخاريّ برقم 1607، ومسلم برقم 1272

ولإذنه لأمّ سلمة أن تطوف على البعير. أخرجه البخاريّ برقم 464، ومسلم برقم 1276.

وكان الأعرابيّ يُدخل بعيرَه في المسجد، ويُنيخه فيه. رواه البخاريّ برقم 63. قال ابن تيمية:" ولو كانت أرواثها نجسة، مع أنّ عادة البهائم ألّا تمتنع من البول في بُقعة دون بُقعة، لوجب صِيانة المسجد عن ذلك ". (شرح العمدةج1/71)

رابعاً: الـميْتة: وهي كلّ ما مات حتْف أنفه من غيرِ ذكاة شرعيّة، لقوله - تعالى-: ﴿إلّا أن يكون ميْتة﴾ الأنعام: 145. ويُستثنى من ذلك ميْتة البحر فإنّها طاهرة حلال، لحديث:" هو الطّهور ماؤه، الحلُّ ميتته ". رواه أبوداود برقم 8، والتّرمذيّ برقم 69، وغيرهما.

وكذلك الجراد، وما لا نفس له سائلة -أي لا دم له- فإنّها طاهرة، لحديث ابن عمر :" أُحلّت لنا ميتتان ودمان، فأمّا الـميتتان فالجراد والحوت، وأمّا الدّمان فالكبد والطّحال ". رواه أحمد برقم 5723، وابن ماجة برقم 3314. والحديث صحّ عن ابن عمر موْقوفاً، ولكن له حُكم الرّفع كما ذكر ذلك النّوويُّ، وابن القيّم، وغيرهما. وقد مال إلى تصحيحه ابن دقيق العيد في الإمام، وصحّحه ابن التُركمانيّ، والألبانيّ مرفوعاً. قال ابن القيّم:" لا يعرف في السّلف مخالف في ذلك -يعني في طهارة ما لا نفس له سائلة- إذا مات، وأنّه لا ينجس بالـموت ". (زاد المعاد ج4/101) وقال ابن المنذر:" لا أعلم في ذلك خلافاً، إلّا ما كان من أحد قولي الشّافعيّ...". (التّعليق على بداية المجتهد ص 470). وقال ابن رشد:"فإنّ العلماءَ اتّفقوا من أعيانها على أربعة، وذكر منها ميتة الحيوان ذي الدّم الذي ليس بمائي ". (بداية المجتهد ج1/148)

خامساً: ما فُصِل من حيوان حيّ: كأن يُقطع ذراع الشّاة مثلاً وهي حيّة، لحديث أبي واقد اللَّيثيّ قال: قال رسول الله :" ما قُطع من بهيمة وهي حيّة فهو ميْتة ". رواه أبو داود برقم 2858، والتّرمذيّ برقم 1480، وصحّحه الألبانيّ فيه، وروى ابن ماجه عن ابن عمر بسند حسن نحوه برقم 3216. قال ابن تيمية :"وهذا مُتّفق عليه بين العلماء ". (مجموع الفتاوى ج21/98).

سادساً: الـمَذي والوَدي: والـمذيُ: هو ماءٌ أبيض لزج يخرج بلا دفق عند المُلاعبة واللّمس ونحوه. والودْي: هو البلل الذي يخرج بعد البول مُباشرة. فهما نجسان لحديث عليّ قال:" كنت رجُلاً مَذّاءً فأمرت رجُلاً أن يسأل النّبيّ لمكان ابنته، فسأل"، فقال:" توضّأ واغسل ذكرك ". رواه البخاريّ 269، ومسلم 306. وفي رواية:" ليغسل ذكره وأُنثَيَيْه ". رواه أبو داود برقم 208 ومعنى أُنثَيَيْه: خصيتيه.

والوديُ يخرج بعد البول فيخلط أثر البَول فيتنجّس. وهما نجسان باتّفاق الأئمّة الأربعة، وقد حُكي الإجماع على ذلك. قال خليل في المختصر:" ومَنيٌّ ومَذيٌ ووَديٌ ". (التّسهيل لمعاني شرح خليل ج1/80) قال النوويّ :" أجمعت الأمّة على نجاسة المذي، ولا يكفي نَضحه بغير غسل. وقال أحمد بن حنبل: أرجو أن يجزيه النّضح، واحتجّ له برواية في صحيح مسلم في حديث عليّ:" توضّأ وانضح فرجك "، ودليلنا رواية:" واغسل "، وهي أكثر، والقياس على سائر النّجاسات. وأمّا رواية النّضح فمحمولة على الغسل ". (المجموع ج2/571-572) وقال البَعليّ في التّسهيل:" والخارج من سبيل سوى ريح ومنيّ طاهر ". (فقه الدّليل ج1/68-69).

وأمّا المنيّ فهو طاهر في أصحّ قوليّ العُلماء، وأنّ هدْي النّبيّ فيه غسل رَطبه وفَرك - أي حك - يابسه، وهذا دليل على طهارته، لأنّ فرك الثّوب منه يابساً، وصلاته فيه من غير غسل دليل على طهارته، وهذا هو المشهور عند الحنابلة، والمذهب عند الشّافعية، وداود، وابن حزم، لحديث عائشة أنها قالت:" كان رسول الله يغسل المني ثمّ يخرج إلى الصّلاة في ذلك الثّوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه ". رواه البخاريّ برقم 229، ومسلم برقم 289. وفي رواية لـمسلم برقم 288:" لقد كُنت أفرِكه من ثوب رسول الله فركاً فيصلّي فيه ". وفي رواية أخرى برقم 290:" لقد كنت أحكّه يابساً بظفْري من ثوبه ".

ولأنّ الأصل في النّجاسة وجوب الغسل.

ولأنّ ابن عبّاس سئل عن المنيّ يُصيب الثّوب فقال:" أمِطه عنك ولو بإذخرة، أو خِرقة، فإنّما هو بمنزلة المخاط والبزاق ". رواه الشّافعيّ في الأُمّ ج2/121، وعبد الرّزّاق برقم 1437، 1438، وابن أبي شيبة برقم 929، وصحّحه البيهقيّ في السُّنن الكبرى ج2/418.

وقالت الحنفيّة، والـمالكيّة، والأوزاعيّ، والثّوريّ: إنّ منيّ الآدميّ نجس، ولابدّ فيه من الـماء يابساً أم رَطباً، غير أنّ الحنفيّة قالت: ويكفي في يابسه الفرْك. قال النوويّ :" قد ذكرنا أنّ المنيّ طاهرٌ عندنا، وبه قال سعيد بن المُسيّب، وعطاء، وإسحاق بن راهويه، وأبوثور، وداود، وابن المنذر، وهو أصحّ الرّوايتين عن أحمد، وحكاه العَبدريّ، وغيره عن سعد بن أبي وقّاص، وابن عمر، وعائشة،.

وقال الثّوريّ، والأوزاعيّ، ومالك، أبو حنيفة، وأصحابه: نجسٌ، لكن عند أبي حنيفة يجزي فَركه يابساً، وأوجب الأوزاعيّ، ومالك غَسله يابساً ورَطباً ". (المجموع ج2/572)

ورجّح القول بطهارته ابنُ حزم في المحلّى ج1/ 134، وابن المنذر في الأوسط ج2/160، وابن تيمية في مجموع الفتاوى ج21/588، وابن باز في مجموع الفتاوى والرّسائل ج29/104، والعثيمين في الشّرح الممتع ج1/ 388، وقال عبد اللّه البسّام:" والرّاجحُ ما ذهب إليه الشّافعيّ، وأحمد ". (توضيح الأحكام ج1/147)

وأمّا رُطوبة فَرج المرأة: فهي طاهرة عند الجمهور، وهو قول الحنفيةكما في حاشية ابن عابدين ج1/349، والشّافعية كما في المجموع ج2/570، والحنابلة في أقوى الرّوايتين، كما قال ابن تيمية في شرح العمدة ج1/69:" وأمّا الرُطوبة التي في فرج المرأة، فطاهرة في أقوى الروايتين ".

واستدلّوا بحديث علقمة الأسود :" أنّ رجلاً نزل بعائشة فأصبح يغسل ثوبه فقالت عائشة: إنّما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تر نضحت حوله، ولقد رأيتُني أفركه من ثوب رسول الله فركاً فيصلّي فيه ". رواه مسلم برقم 288. فكانت عائشة تكتفي بفرك المنيّ من ثوب الرّسول وهو من جِماع، ويختلط برُطوبة فرج المرأة، فلو حكمنا بنجاسة رُطوبتها لحَكمنا بنجاسة مَنيّها، لأنّه يخرج من فرجها فيتنجّس برُطوبته.

والأصل في الأعيان الطّهارة.

أنّ القول بنجاسة الرُطوبة فيه حرج شديد، يشّق التّحرّز منه، وما كان كذلك، فهو مَعفوّ عنه.

وقال المالكية بنجاسة رُطوبة فرج المرأة. قال حطّاب في مواهب الجليل ج1/150:" قال ابنُ عَرفة: قال عِياض: ماءُ الفرج ورُطوبته عندنا نجس ". وقال أحمد أحمد الشّنقيطيّ:" لِحديث أُبيّ بن كعب أنّه قال: يا رسول الله إذا جامع الرّجُلُ المرأة فلم ينزل؟ قال: يغسل ما مسّ المرأة منه، ثمّ يتوضّأ ويصلّي ". قال في المُنتقى للمجد: أخرجاه. ومحلُّ الشّاهد منه قوله :" يغسل ما مسّ المرأة منه "، فقد أمره بغسل رُطوبة الفرج، وإن كان عدم الغُسل لعدم الإنزال منسوخاً بقوله :" إذا جلس بين شُعبها الأربع ثمّ جهدها فقد وجب عليه الغُسل ". متّفق عليه من حديث أبي هريرة ". (مواهب الجليل من أدلّة خليل ج1/33).

ورجّح القول بطهارتها ابن عُثيمين كما في فتاويه ورسائله ج11/284.

سابعاً: دمّ الحيض، دمّ النّفاس، ودم الاستحاضة:

لحديث أسماء بنت أبي بكر الصّديق ، قالت: جاءت امرأة إلى النّبيّ فقالت:" إحدانا يُصيب ثوبَها من دم الحيض كيف تصنع "؟ فقال: " تحتُّهُ، ثمّ تَقرُصُه، بالـماء ثمّ تَنضِحه، ثمّ تصلّي فيه ". رواه البخاريّ برقم 227، ومسلم برقم 291. معنى تحُتُّه: أي تحُكُّه بطرف حَجر، أو عود، وتقرُصه: أي تقطعه بأطراف الأصابع والأظافر، وتصبّ عليها الماء حتىّ يزول عينه وأثره. ونقل النّوويُّ الإجماع على نجاسته. (شرح مسلم ج3/200)

ولحديث فاطمة بنت أبي حُبَيْش قالت: يا رسول الله إني إمرأة أُستحاض فلا أطهر- أي يستمرّ بها الدّم بعد أيامها الـمُعتادة -أفأدع الصّلاة؟ قال: لا إنّما ذلك عِرقٌ- أي دم عِرق-، وليس بحيض فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصّلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنكِ الدّم ثم صَلّي ". البخاريّ برقم 306، ومسلم برقم 333.

قال ابنُ المُلقّن على هذا الحديث:" الفائدة السّادسة: نجاسة الدّم، وهوإجماع إلّا من شذّ ". (الإعلام ج2/183)

وقال محمّد عليّ الإتيوبيّ على هذا الحديث:" من الفوائد: نجاسة دم الحيض، والاستحاضة، ووُجوب غسله قبل الدُّخول في الصّلاة من بدن المرأة وثوبها ". (البحر المحيط ج8/124)

وهل يُعفى عن قليله ويسيره؟ ذهب الشّافعية إلى الإطلاق وعدم استثناء يسير الدّم، لقوله :" فاغسلي عنك الدّم "، ويؤيّده أيضاً قوله تعالى: ﴿وثيابك فطهِّر﴾ المدّثر: 4، ولم يُرخّصوا إلّا في دم البراغيث، لعدم الاحتراز عنه.

وحمل الحنفيةُ، والمالكيةُ، الحديث على الدّم الكثير، ورجّح ابنُ المُنذر قول الشّافعية، حيث قال:" غَسلُ دم الحيضة يجب لأمر النّبيّ بغسله، وحُكمُ سائر الدّماء كحُكم دم الحيض، لا فرق بين قليل ذلك وكثيره، وليس لقول من قال:" إذا كان ما أدركه الطَّرفُ منه لا تكون لُمعة لا يُفسد الصّلاة معنًى، لأنّ الأخبار على العُموم، ويدخُل فيها قليلُ الدّم وكثيرُه فيما أمر به النّبيّ من غَسل دم الحيضة، وليس لأحدٍ أن يستثني من ذلك شيئاً بغير حُجّة ". (الأوسط ج2/147)

ثامناً: الخنزير: لقوله تعالى: ﴿... إلاّ أن يكون ميْتة أو دماً مسفوحاً أو لحمَ خنزير فإنّه رجس...﴾ الأنعام 145، ولحديث النّبيّ :" مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ ". رواه مسلم برقم 2260، وأبو داود برقم 4939، ومعنى النّردُ: اسم أعجميّ مُعرّب، وشِير: بمعنى حُلوٌ، قاله ابنُ الأثير، وتعقبّه مُرتضى الزَّبيديّ، حيث قال: بمعنى حُلو وَهم، بل شِير هو الأسد ". (البحر المحيط ج36/648-649) وتُعرف في بلاد الشّام بلُعبة الطاولة، وهي قِطعٌ مُلوّنة من خّشب البَقش-أي نوع من الأشجار-، وعَظم الفِيل، وغير ذلك ". (البحر المحيط ج36/648)

قال النوويّ :" نقل ابن المنذر إجماع العلماء على نجاسة الخنزير، وهو أولى ما يحتجّ به لو ثبت الإجماع، ولكن مذهب مالك طهارة الخنزير ما دام حيّاً ". (المجموع ج2/586)

وقال ابن عبد البرّ :" وقد قيل: إنّ الخنزير ليس بنجس حيّاً. والأوّل: أصحّ-أي القول بنجاسته- ". (الكافي ج1/53-54)

وقال ابن حزم :" واتّفقوا أنّ لحم الخنزير، وشحمه، وودَكه، وغضروفه، ومُخّه، وعصبه: حرامٌ كلّه، وكلّ ذلك نجس ". (مراتب الإجاع ص 44)

تاسعاً: الكلب: لقوله :" إذا ولغ الكلبُ في إناء أحدكم فليغسله سبعاً أوّلهنّ بالتّراب ". رواه مسلم برقم 279. وبه قالت الشّافعية، والحنابلة، واحتجّوا بالحديث. قال الشّوكانيّ :" واستُدِلّ بهذا الحديث أيضاً على نجاسة الكلب، لأنّه إذا كان لُعابه نجِساً وهو عَرق فمه، ففَمُه نجس، ويستلزم نجاسة سائر بدنه، وذلك لأنّ لُعابَه جُزء من فمه أشرف مافيه، فبقية بدنه أولى...". (نيل الأوطار ج1/52) وقال ابن المُلقِّن :" إذا ظهر أنّ الأمر بالغَسل للنّجاسة: فقد استُدلّ بذلك على نجاسة عين الكلب، وهو مذهب الشّافعيّ، والجمهور، ولهم في ذلك طريقان: الأوّل: أنّه إذا ثبت نجاسةُ فمه من نجاسة لُعابه فإنّه جُزءٌ من فمه، وفمُه أشرفُ ما فيه، فبقيّةُ بدنه أولى. الثّاني: أنّ لُعابه نجِسٌ، واللُّعاب عَرقُ الفم، فعرقُ فمه نجس، فعرق كلّه نجس، فتبيّن بهذا الحديث إنّما دلّ على النّجاسة فيما يتعلّق بالفم، وأنّ نجاسة بقيّة البدن بطريق الاستنباط ". (الإعلام ج1/296-297)

و قالت الحنفية: إنّ الكلب ليس بنجس العين، وإنّما سؤره ورُطوبته نجسة، لأنّ الحديث إنّما ورد في وُلوغ الكلب لا في عَينه، فتُحمل النّجاسةُ على سُؤره ولُعابه. قال الشّوكانيّ :" استدلّوا على ذلك بحديث: إذا ولغ الكلبُ في إناء أحدكم، الحديث، وهذا حُكمٌ مختصٌّ بوُلوغه فقط، وليس فيه ما يدلّ على نجاسة ذاته كلّها لحماً، وعظماً، ودماً، وشعراً، وَعرقاً، وإلحاق هذه بالقياس على الوُلوغ بعيدٌ جدّا، ولاسيّما مع حديث ابن عمر عند أبي داود، والإسماعيليّ، وأبي نُعيم، والبيهقيّ بلفظ:" كانت الكلابُ تبول في المسجد و تُقبِل و تُدبِر زمان رسول الله فلم يكونوا يرشّون شيئاً ". وأخرجه البخاريُّ بدون لفظ تبول ولكن ذكره الأَصيليّ في رواية إبراهيم بن مَعقل عن البخاريّ بزيادة لفظ " تبول" وهذا ممّا يُقوّي الاقتصار على إفادة حديث الوُلوغ، وذلك لحكمة للشّارع لا نعقلها، والواجب علينا العملُ بما دلّت عليه النّصوص وإن لم نعقل الحكمة التي وردت لها ". (السّيل الجرّار ج1/37) ورُدّ: بأنّ البّول مُجمع على نجاسته، فلا يصلُح حديث بول الكلاب في المسجد حُجّة يُعارَض بها الإجماع. وأمّا مُجرّد الإقبال والإدبار فلا يَدُلاّن على الطّهارة، وأيضاً يحتمل أن يكون تركُ الغَسل لعدم تعيين موضع النّجاسة، أو لطهارة الأرض بالجّفاف. وقال الحافظ :" والأقربُ أن يقال: إنّ ذلك كان في ابتداء الحال على أصل الإباحة، ثمّ ورد الأمرُ بتكريم المساجد وتطهيرها وجعل الأبواب عليها ". (نيل الأوطار ج1/52). واختار قول الحنفية ابنُ تيمية في الفتاوى ج21/530.

وذهب عِكرمة، والمالكية في المشهور عندهم إلى أنّ الكلب طاهر العين، وكذا عرقه ومُخاطه ولُعابه، لأنّ الأصل في الأشياء الطّهارة، ولقوله - تعالى-: ﴿فكلوا ممّا أمسكن عليكم﴾ المائدة: 5. وأُجيب عن ذلك بأنّ إباحة الأكل ممّا أمسكن لا تُنافي وجوب تطهير ما تنجّس من الصّيد، وعدم الأمر للاكتفاء بما في أدلّة تطهير النّجس من العُموم، ولو سلم فغايته التّرخيص في الصّيد بخُصوصه. واستدلّوا على الطّهارة أيضاً بالتّرخيص في اتّخاذ كلب الصّيد، والماشية، والزّرع. وأّجيب بأنّه لا مُنافاة بين التّرخيص وبين الحُكم بالنّجاسة، غاية الأمر أنّه تكليفٌ شاقٌّ ولا يُنافي التّعبّد به. (نيل الأوطار ج1/52).

قال ابن حجر في الفتح:" والتّعليلُ بالتّنجيس أقوى، لأنّه في معنى النّص، وقد ثبت عن ابن عبّاس التّصريح بأنّ الغَسل من وُلوغ الكلب بأنّه رِجس. رواه محمّد بن نصر المَروَزي بإسناد صحيح، ولم يصحّ عن أحد من الصّحابة خلافُه ". (فتح المُلهم ج1/32) وقال العثيمين :" إنّ الكلب نجس، ووجه ذلك: أنّ الرّسول أخبر بأنّه لابُدّ من تطهير ما أصابه، فقال: طهوره أن يغسله. وهذا القول يكاد يكون كالإجماع...». (فتح ذي الجلال والإكرام ج1/98)

وقال ابن عبد البرّ :" ومن أهل المدينة جماعة تذهب إلى أنّ الكلب نجس كلّه: في سؤره، وعينه، كالخنزير.

ومذهب مالك في الكلب: أنّه طاهرٌ على ما قدّمتُ لك في باب الماء ". (الكافي ج1/54)

وقال النوويّ :" مذهبُنا أنّ الكلاب كلّها نجسة المعلّم وغيره، الصّغير والكبير، وبه قال الأوزاعيّ، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عُبيد، وقال الزُّهريّ، ومالك، وداود: هو طاهر، وإنّما يجب غَسلُ الإناء من وُلوغه تعبُّداً، وحُكي هذا عن الحسن البصريّ، وعُروة بن الزُّبير ". (المجموع ج2/585)

عاشراً: الجلاّلة: قال ابنُ الأثير:" الجلاّلة من الحيوان التي تأكل العذِرة. والجَلّة: البَعر فوضع موضع العذِرة...". (كتاب النّهاية ج1/288) لحديث ابن عمر :" أنّ رسول الله نهى عن أكل الجلاّلة وألبانها ". رواه أبوداود برقم 3785، والتّرمذيّ برقم 1824، وابن ماجه برقم 3189، وصحّحه الألبانيّ في الإرواء برقم 2505.

وثبت عن ابن عمر أنّه إذا أراد أكل الجلاّلة حبسها ثلاثاً. رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح عنه. قال ابنُ حزم :" وألبان الجلاّلة حرام، وهي الإبل التي تأكل الجَلّة -وهي العذرة -، والبقر، والغنم كذلك، فإن مُنعت من أكلها حتّى سقط عنها اسم الجلاّلة فألبانها حلال طاهرة ". (المحلّى ج1/181) وتعقّبه محمّد المُباركفوريّ ، فقال:" وادّعى ابنُ حزم أنّها لا تقع إلّا على ذات الأربع خاصّة، والمعروف التّعميم ". (تحفة الأحوذيّ ج5/463)

قال الخطّابيّ :" اختلف النّاسُ في أكل لُحوم الجلّالة وألبانها، فكرِه ذلك أصحابُ الرّأي، والشّافعيّ، وأحمدبن حنبل، وقالوا: لا يؤكل حتّى تُحبس أيّاماً، وتعلف عَلفاً غيرها، فإذا طاب لحمُها فلا بأس بأكله، وقد رُوي في حديث: أنّ البقرَ تُعلف أربعين يوماً، ثمّ يؤكل لحمها. وكان ابن عمر يحبس الدّجاجة ثلاثة أيّام ثمّ يُذبح. وقال إسحاق بن راهويه: لا بأس أن يؤكل لحمها بعد أن يُغسل غَسلاً جيّداً. وكان الحسن البصريّ لا يرى بأساً بأكل لحوم الجلّالة، وكذا قال مالك بن أنس ". (تحفة الأحوذيّ ج5/464)

وقال ابنُ رَسلان :" وليس للحبس مُدّة مُقدّرة، وعن بعضهم في الإبل، والبقر، أربعين يوماً، وفي الغنم سبعة أيّام، وفي الدّجاجة ثلاثة، واختاره في المُهذّب، والتّحرير ". (تحفة الأحوذيّ ج5/464)

قال ابن قُدامة :" والحيوانُ قسمان: نَجِس، وطاهر. فالنّجِس نوعان:

أحدهما: ما هو نجِسٌ، رواية واحدة، وهو الكلب، والخنزير، وما تولّد منهما، أو من أحدهما، فهذا نجِسٌ، عَينه، وسُؤره، وجميع ما خرج منه، رُوي ذلك عن عُروة، وهو مذهب الشّافعيّ، وأبي عُبيد، وهو قولُ أبي حنيفة في السُّؤر خاصّة.

وقال مالك، والأوزاعيّ، وداود: سؤرهُما طاهر، يُتوضّأُ به ويُشربُ، وإن ولَغا في طعام لم يَحرُم أكلُه.

وقال الزُّهريّ: يَتوضّأُ به إذا لم يجد غيره.

وقال عَبدة بن أبي لُبابة، والثّوريّ، وابن الماجِشون، وابن مَسلَمة: يَتوضّأُ ويَتيمّم.

قال مالك" ويُغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلبُ تعبُّداً...

ثمّ قال: النّوع الثّاني: ما اختُلف فيه، وهو سائر سِباع البهائم، إلّا السِنَّور وما دونها في الخِلقة، وكذلك جوارح الطّير، والحمار الأهليّ والبغل، فعن أحمد: أنّ سؤرها نجِسٌ، إذا لم يجد غيره تيمّم، وتركه.

ورُوي عن ابن عمر: أنّه كرِه سؤر الحمار. وهو قول الحسن، وابن سيرين، والشّعبيّ، والأوزاعيّ، وحمّاد، وإسحاق.

وعن أحمد: أنّه قال في البَغل والحمار: إذا لم يجد غير سؤرهما تيمّم معه، وهو قول أبي حنيفة، والثّوريّ.

وهذه الرّواية تدلّ على القول بطهارة سؤرهما، لأنّه لو كان نجِساً لم تجُزِ الطّهارةُ به. ورُوي عن إسماعيل بن سعيد: لا بأس بسؤر السّباع، لأنّ عُمر قال: السِّباع تَرِدُ علينا، ونَرِد عيها.

ورخّص في سؤر جميع ذلك الحسنُ، وعطاءٌ، والزّهريّ، ويحي الأنصاريّ، وبُكَيرُ بن الأشجّ، وربيعة، وأبو الزِّناد، ومالكٌ، والشّافعيّ، وابن المنذر، لحديث أبي سعيد في الحِياض، وقد رُوي عن جابر أيضاً، وفي حديث آخرَ عن جابر، أنّ النّبيّ سُئل: أنتوضّأُ بما أفضلت الحُمُر؟ قال: نعم، وبما أفضلت السّباعُ كلُّها. رواه الشّافعيّ، في مُسنده، وهذا نصٌّ، ولأنّه حيوانٌ يجوز الانتفاع به من غير ضرورة، فكان طاهراً كالشّاة.

ووجه الرِّواية الأولى، أنّ النّبيّ سُئل عن الماء، وما ينوبه من السّباع؟ فقال:" إذا بلع الماءُ قُلَّتين لم ينجُس ". ولو كانت طاهرة لم يحُدَّه بالقُلّتين، وقال النّبيّ في الحُمر يوم خيبرَ:" إنّها رِجسٌ ". ولأنّه حيوان حُرِّم أكله، لا لحُرمته، يُمكن التّحرُّزُ منه غالباً، أشبه الكلب، ولأنّ السّباعَ والجوارحَ الغالبُ عليها أَكل الميتات والنّجاسات، فتنجُسُ أفواهُها، ولا يتحقّق وجود مُطهِّر لها، فينبغي أن يُقضى بنجاستها، كالكِلاب، وحديث أبي سعيد قد أجبنا عنه، ويتعيّن حملُه على الماء الكثير، عند من يرى نجاسةَ سؤر الكلب، والحديث الآخَر يرويه ابن أبي حبيبة، وهو مُنكر الحديث. قاله البخاريُّ. وإبراهيم بن يحي، وهو كذّاب

والصّحيح عندي: طهارةُ البغل والحمار، لأنّ النّبيّ كان يركبها، وتُركب في زمنه، وفي عصر الصّحابة، فلو كان نجِساً لبيّن النّبيّ ذلك، ولأنّهما ممّا لا يُمكن التَّحرّثز منهما لِمُقتَنيهما. فأشبها السِّنّور، وقول النّبيّ في الحمر:" إنّها رِجسٌ " أرادة أنّها محلرّمة، كقوله تعالى في الخمر والميسر والأنصاب والأزلام: ﴿إنّها رِجسٌ﴾ المائدة: 90، ويحتمِل أنّه أراد لحمها الذي كان في قُدُورهم، فإنّه نجس، لأنّ ذبح ما لا يحلُّ أكله لا يطهِّره....إلى أن قال:

الضّرب الثّالث: السِنَّور وما دونها في الخِلقة، كالفأرة، وابن عِرس، فهذا ونحوه من حَشرات الأرض سؤره طاهر، يجوز شُربه والوضوء به، ولا يُكره، وهذا قول أكثر أهل العلم، من الصّحابة، والتّابعين، من أهل المدينة، والشّام، وأهل الكوفة، وأصحاب الرّأي، إلّا أبا حنيفة، فإنّه كرِه الوضوء بسُؤر الهِرّ، فإن فعل أجزأه. رُوي عن ابن عمر أنّه كرِهه، وكذلك يحي الأنصاريّ، وابن أبي ليلى.

وقال أبو هريرة : يُغسلُ مرّةً أو مرّتين. وبه قال ابنُ المّسيّب.

وقال الحسنُ، وابنُ سيرين: يُغسل مرّةً.

وقال طاوس: يُغسلُ سبعاً، كالكلب ". (المغني ج1/64-71 بتصرّف)

حاصل أقوال الأئمّة الأربعة:

مذهب مالك: فالحيوان الحيّ كلّه في عينه طاهر مُطلقاً، وقيل إلّا الخنزير، وقيل إلّا الكلب والخنزير. (الكافي ج1/53، والقوانين الفقهية ص33)

ومذهب أبي حنيفة: فالحيوان الحيّ كلّه طاهر إلّا الخنزير.

ومذهب الشّافعية: الحيوان الحيّ كلّه طاهر إلّا الخنزير، والكلب.

ومذهب الحنابلة: الحيوان الحيّ كلّه طاهر إلّا الخنزير، والكلب، وسباع البهائم، والطّير.

واختار علماءُ اللّجنة الدّائمة طهارة سِباع البهائم، وجوارح الطّير. (فتاوى اللّجنة الدّائمةج5/380)

كيفية تطهير النّجاسات:

أوّلاً: تطهير الثّوب النّجس: إن كانت النّجاسة ذات جرْم فبِحكّها، وحٓثّها، ثمّ غسلها، وإن كانت رطبة فبالغسل. لحديث أسماء بنت أبي بكر الـمُتقدّم.

ثانياً: تطهير بول الصّبيّ الذي لم يأكل الطّعام بالنّضح، لحديث أُمّ قيس الـمُتقدّم، وبه قال عليّ، وأمّ سلمة، والثّوريّ والأوزاعيّ، والنّخعيّ، وداود، وابن وهب، وعطاء، والحسن، والزّهريّ، وأحمد، وإسحاق، ومالك في رواية.

وذهب بعض العلماء إلى أنّه يكفي النّضح في بوْل الصّبي والجارية، وقد حُكِي عن مالك، والشّافعيّ. (بداية المجتهد ج1/163)

وذهب الحنفيّة، وسائر علماء الكوفة إلى أنّهما سواء في وجوب الغَسل.

ثالثاً: تطهر النّجاسة على الأرض بإزالة جُرمها ويُصبّ الـماء على النّجاسة الـمائعة، لحديث بوْل الأعرابيّ في الـمسجد، وقد تقدّم. وأفْتٓت اللُّجنة الدّائمة بأنّ فُرش الأرض، كالـمُوكيت ونحوه، يكفي فيها صبّ الـماء على موضع النّجاسة ولا يجب نزع الفرشة ولاعصرها، كالنّجاسة على الأرض. (فتاوى الّلجنة الدائمة ج5/364)

رابعاً: ويطهّر النّعل بدلكه، أو بالـمشْي على الطّاهر: لـما روى أبو هريرة ، عن النّبيّ ، قال:" إذا وطئَ أحدُكم بنَعله الأذى فإنّ التّراب له طهور ". رواه أبو داود برقم 385، وغيره.

خامساً: وتطهر الأشياء الثّقيلة وما كان صقيلاً من حديد، أو نُحاس، أو رصاص، أو زُجاج، أوسيف، أو سكاكين، أومُدية، ونحوها، بالـمسح. والأصل في ذلك العمل، فقد كان أصحاب رسول الله يُصّلون بأسيافهم، وفيها الدّم، ولا يُبالون بذلك، ولو كانوا يغسلون أسيافهم في غزواتهم للصّلاة في عهد رسول الله وبعده لنُقل إلينا وعُرف ذلك. (مدوّنة الفقه المالكي ج1/116-117). ولأنّها لا تشرب النّجاسة. وبه قال الحنفية، والمالكية. وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية، قال حطّاب :" يعني أنّه يُعفى عمّا أصاب السّيف الصّقيل وشبهه، ودخل تحت الكاف في قوله "كسيف" ما كان صَقيلاً وفيه صلابة كالمُدية، والمرآة، والزُّجاج، وخرج مالم يكن كذلك، ولو كان صقيلاً، كالثّوب الصّقيل، والبدن، والظّفر...". (مواهب الجليل ج1/225) وقال أحمد المختار:" قال الباجيّ في المُنتقى ما نصّه: وأمّا الدّم على السّيف ففي العُتبِية من رواية ابن القاسم عن مالك يُمسح ويُصلّى به. وقد علّل القاضي أبو محمّد ذلك بصقالته، وأنّ النّجاسة تزول عَينُها وأثرُها بمسحه، لأنّها لا تبقى فيه، ويحتمل أن يقال في ذلك أنّ الذي يبقى فيه يسيرٌ مَعفوٌّ عنه كأثر المحاجم، وهذا آكد لأنّ السّيف يفسد بالغَسل، والحاجة إلى مُباشرة الدّماء مُتكرّرة ". (مواهب الجليل من أدلّة خليل ج1/39) قال ابن عابدين :"ويطهر صَقيلُ لا مَسامّ له كمرآة، وظُفر، وعَظم، وزُجاج، وصفائح فِضّة غير منقوشة، بمسحٍ يزول به أثرُها مُطلقاً، به يُفتى". (ردّ المُحتار ج1/511) وقال القاضي عبد الوهاب :" السّيفُ إذا أصابه دمٌ أجزأ مسحه عن غَسله، خلافاً للشّافعيّ، لأنّه صقيل لا يتخلّله النّجاسة، ولأنّ الضّرورة تدعو إلى ذلك لئلّا يفسد متى تكرّر غسله ". (الإشراف ص110). وقيل لا يطهر بالمسح. وبه قال الشّافعية، والحنابلة. قال النوويّ :" إذا أصابت النّجاسة شيئاً صقيلاً، كالسّيف، والسِّكين، والمرآة، ونحوها لم تطهر بالمسح، ولا تطهر إلّا بالغسل كغيرها، وبه قال أحمد، وداود، وقال مالك، وأبو حنيفة: تطهر بالمسح ". (المجموع ج 2/621) وقال ابن مُفلح :"ولا يطهر جسم صقيل بمسحه، وعند الشّافعية، وعن أحمد رواية بلى، اختارها في الانتصار، وهو مذهب المالكية، والحنفية ". (الفروع ج1/146) وقال القرافيّ :" لِما في الغَسل من إفسادهما. وقيل: لأنّه لم يبق من النّجاسة شيء ". (الذّخيرة ج1/186).

سادساً: وإذا ولغ الكلب في إناء يُغسل سبعاً إحداهنّ بالتّراب.

وهل تقوم الأُشنان-معنى الأُ شنان نوع من الشّجر يُستعمل في التّنظيف-، والصّابون والشَّمبو... مقام التّراب؟

للعلماء قولان: الأوّل تقوم مقامه، لأنّ كلاً من الصّابون، والأُشنان أبلغ من التّراب في الإزالة، فنصُّه على التّراب تنبيهٌ عليها، ولأنّ التّراب لقبٌ ولم يسبقه لفظٌ عامٌّ، فلا يُعتبر مفهومه.

ولأنّ القصد النّظافة. وهو مذهب أحمد، وقولٌ للشّافعيّ.

الثّاني: لا تقوم مقامه، بل يتعيّن استعمال التّراب، لأنّنا لا نعرف العِلّة التي من أجلها قيل بالتّراب، وحينئذٍ نقتصر على التّراب، وهو مشهور مذهب الشّافعيّ الذي صحّحه النّوويّ، حيث قال في شرح مسلم ج3/185:" ولايقوم الأُشنان، والصّابون مقام التّراب على الأصّح ". وقال ابن دقيق العيد :" وقوله "بالتّراب" يقتضي تعيينه". (الإحكام مع العُدّة ج1/161-162) وقال ابن تيمية في شرح العُمدة ج1/37:" ويجزىء موضع التّراب الأُشنان، والصّابون، ونحوهما في أقوى الوجوه. وقيل: لا يُجزىء مطلقاً، وقيل: لا يجزىء إلاّ عند عدم التُّراب ". ولكلّ من الرّأيين وِجهته.

وهل يلحق الثّيابُ والبدنُ بالأواني؟ الظّاهر أنّه لا فرق بينهما وبين الأواني، كما قال العثيمين في فتح ذي الجلال والإكرام ج1/102.

بسم الله الرّحمن الرّحيم