fiqh.ch
Zum Inhaltsverzeichnis
Kitāb aṭ-Ṭahāra — Das Buch der Reinheit · Lektion 7

الدّرس السّابع

تعريف التّيمُّم

لغة: قال الرَّازيّ :" يَمّم، يَمّمه: قَصده. وتيمّمه: تقصّده. وتيمّم الصّعيد للصّلاة. وأصلُه التّعمُّد والتّرخِي، من قولهم تيمّمه وتأمّمه. قال ابن السِّكِّيت : قوله تعالى ﴿فتيمّمُوا صعيداً طيِّباً﴾ أي: اقصِدوا الصّعيد الطّيّب. ثمّ كثُر استعماله لهذه الكلمة حتّى صار التّيمّم مسح الوجه واليدين بالتُّراب ". (مختار الصّحاح ص 744)

قال أبو منصور الأزهريّ :" التّيمُّم في كلام العرب القصد، يُقال تيمّمت فُلاناً، ويمّمته، وتأمّمته، وأمّمته أي قصدته ". (شرح مسلم للنوويّ ج4/56)

وقال ابن حجر :" والتّيمّم في اللُّغة القصد، قال امرؤ القيس:

بيثرِبَ أدنى دارِها نظرٌ عالي

تَيَمَّمتُها من أَذرِعاتٍ وأهلُها

أي قصدتها ". (فتح الباري ج1/574)

ومنه قول عائذ بن محصن:

وما أدري إذا يمّمتُ أرضاً أريد الخير أيُّهُما يلِيني

أ الخيرُ الذي أنا أبتغيه أم الشّرُ الذي هو يَبتغيني

شرعاً: قال الفَيُّوميّ :" عبارة عن استعمال التُّراب في الوجه واليدين، على هيئة مخصوصة ". (المصباح المُنير ص 357)

وقال ابنُ حَجر :" وفي الشّرع: القصد إلى الصّعيد لمسح الوجه واليدين بنيّة استباحة الصّلاة ونحوها ". (الفتح ج1/574)

وقال العَينيّ :" وفي الشّرع: قصدُ الصّعيد الطّاهر، واستعماله بصفة مخصوصة، وهو مسح الوجه واليدين، لاستباحة الصّلاة، وامتثال الأمر ". (عُمدة القاري ج4/2)

فهو إذن التعبُّد للّه تعالى بمسح الوجه واليدين من الصّعيد الطّيّب، على صفة مخصوصة.

2- دليل مشرو عيته: التّيمُّم جائز، بالكتاب، والسُّنّة، والإجماع. أمّا الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ المائدة:6

وأمّا السُّنّة: فحديث أبي ذرّ أنّ النّبيّ قال:" الصّعيد الطّيِّب وضوء المسلم، ولو إلى عشرَ سنين، فإذا وجدت الماء فأمِسّه جلدك، فإنّ ذلك خير ". رواه أبو داود برقم 332، والتّرمديّ برقم 124، والنّسائيّ برقم 323، وصحّحه الألبانيّ في صحيح أبي داود برقم 321، وفي صحيح التّرمذيّ برقم 107، وفي صحيح النّسائيّ برقم 311.

وحديث عِمران ، أنّ رسول اللّه ، رأى رجُلاً مُعتزلاً، لم يصلّ مع القوم. قال:" يا فُلان، ما منعك أن تُصلِّي مع القوم ". فقال يا رسول اللّه، أصابتني جنابة، ولا ماء، قال:" عليك بالصّعيد، فإنّه يكفيك ". رواه البخاريّ برقم 344، ومسلم برقم 682، والنّسائيّ برقم 322، واللّفظ له.

وحديث جابر بن عبد اللّه أنّ النّبيّ قال:" أُعطيت خمساً لم يعطهنّ أحد قبلي... وجُعلت لي الأرض مَسجداً وطَهوراً ". رواه البخاريّ برقم 335، و438، ومسلم برقم 521

وأمّا الإجماع: فقد أجمعت الأُمّة على جوازه. قال ابن قُدامة:" أمّا الإجماع، فأجمعت الأُمّة على جواز التّيمُّم في الجُملة ". (المغني ج1/ 310) قال بدر الدّين العَينيّ :" والإجماع على جوازه للمُحدث، وفي الجنابة أيضاً، وخالف فيه عُمرُ بن الخطّاب، وابنُ مسعود، والنّخعيّ، والأسود، كما نقله ابنُ حزم، وقد ذكروا رُجوعهم عن هذا ". (عمدة القاري ج4/2)

وقال محمود خطّاب :" وثابتٌ بالكتاب، والسُّنّة، والإجماع ". (المنهل العذب المورود ج3/145)

وقال النوويّ :" التّيمُّم رُخصةٌ، وفضيلةٌ اختصّت بها هذه الأُمّة، زادها الله شَرَفاً، لم يُشاركها فيها غيرُها من الأُمم، كما صرّحت به الأحاديثُ الصّحيحةُ المشهورةُ عن رسول الله .

وأجمعوا على أنّ التّيمُّم بالوجه واليدين، سواء تيمّم عن الحدث الأصغر، أو الأكبر، وسواء تيمّم عن كلّ الأعضاء، أو بعضها. (المجموع ج2/238-239)

وقال بدر الدّين العَينيّ :" إنّ التّيمّم فضيلةٌ خُصّت بها هذه الأُمّة دون غيرها من الأُمم ". (عُمدة القاري ج4/2)

وقال الشاه وليُّ الله الدَّهلَوِيّ :" إنّما خَصّ الأرضَ لأنّها لا تكاد تُفقَد، فهي أحقّ ما يُرفع به الحرج، ولأنّها طَهور في بعض الأشياء، كالخُفّ، والسَّيف بدلاً عن الغَسل بالماء، ولأنّ فيها تذلُّلاً بمنزلة تعفير الوجه في التُّراب، وهو يُناسب طلب العَفو ". (المنهل العذب المورود ج3/148-149)

وقال محمود خطّاب :" وهل هو عزيمة أو رُخصة؟ خلاف، وفصّل بعضُهم فقال: هو لعدم الماء عزيمة، وللعُذر من نحو مرض رُخصة ". (المنهل العذب المورود ج3/145)

4- شُروطه:

الشّرط الأوّل: تعذُّر استعمال الماء: إمّا لعدمِه، ويتحقّق ذلك عند بَذل الجُهد في الطّلب، وإمّا للتّضرُّر باستعماله، قال خليل في المُختصر:" أو خافوا باستعماله مرضاً أو تأخُّر بُرء ". (النّصيحة ج1/113) وقال البَعليّ الحنبليّ :" أو خوفُ ضَرَرٍ باستعماله، لمرض، أو عطشِ مُحتَرمٍ ". (فقه الدّليل ج1/231-232) وقد دلّ عليه القرآنُ في قوله تعالى: ﴿... فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا...﴾ المائدة: 6. ودلّت عليه السُّنّة كما في حديث أبي ذرّ المتقدّم، وحديث عِمران بن حُصَيْن:"عليك بالصّعيد فإنّه يكفيك ". رواه البخاريّ برقم 344، ومسلم برقم 682.

ودلّ عليه النّٓظرُ الصّحيح، وذلك أنّ التّيمّم فرْع والتّطهير بالماء أصل، ولا يجوز فعلُ الفَرع مع إمكان الأصل. وقالت الحنفية: لايجوز التّيمّم للحاضر الصّحيح إذا عدم الماء. (بداية المجتهد ج1/126).

وكذلك إذا خشِيَ الضّرر مِن استعمال الماء لمرض، أو جُرح، أو شدّة بُرودة، وكان عاجزًا عن تسخينه، لقوله تعالى: ﴿.... وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، النّساء 29، ولحديث جابر قال:"خرجنا في سفر فأصاب رجُلًا مِنّا حجر فشٓجَّه في رأسه ثُمَّ احْتلَم، فسأل أصحابَه فقال:" هل تجِدون لي رُخصة في التّيمُّم؟ فقالوا: ما نجد لك رُخصة وأنت تقْدِر على الماء، فاغتسل فمات، فلمّا قدِمْنا على النّبيّ أُخْبِرَ بذلك فقال: قَتلُوه! قتلهم الله! ألا سَأَلُوا إذا لم يَعْلَموا، فإنّما شِفاءُ العِيّ السُّؤال ". رواه أبو داود برقم 336، وابن ماجه برقم 572، والبيهقيّ برقم 1115، وصحّحه ابْنُ السّكن، وحسّنه الألبانيّ با لشّاهد من حديث ابن عبّاس كما في صحيح أبي داود برقم 336، وضعّفه البَيْهَقيُّ في السُّنن الكبرى ج1/228، وابنُ حَجَر في البلوغ. والعِيّ بكسر العين في الأصل العجز عن النُّطق، والمراد به الجهل.

ولحديث عَمْرو بن العاص قال:" احتَلَمْت في ليلة باردة في غَزوة ذات السّلال فأشْفَقْتُ إن اغتَسَلْتُ أن أَهلِك فَتَيَمَّمتُ ثُمّ صَلَّيْتُ بأصحابي الصُّبح فَذَكروا ذلك للنّبيّ فقال:" يا عَمروا صَلَّيْتَ بأصحابك وأنت جُنُب؟ فأخبَرتُه بالذي مَنعني من الاغتسال، وقُلتُ إنّي سَمِعت الله يقول: ﴿... وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، النّساء 29، فضحك رسول الله ولم يقل شيئاَ ". رواه أحمد برقم 17812، وأبو داود برقم 334، والحاكم برقم 629، وصحّحه النّوويّ، وقَوَّاه ابن حَجَر. وقال البُخاريّ على هذا الحديث:" باب إذا خاف الجُنب على نفسه المرض، أو الموت، أو خاف العطش تيمّم ". (الفتح ج1/603)

وقال محمود خطّاب :" وبهذا الحديث احتجّ من قال بجواز التّيمّم للمُسافر الذي يخاف البَرد، وإن كان واجداً للماء، وهو قول الجمهور، ويلحق به المُقيم لوجود العجز حقيقة، ولا إعادة عليه. وعند الشّافعيّ، إذا خاف على نفسه التَّلَف من شدّة البرد تيمّم وصلّى وأعاد كلّ صلاة صلّاها.

وقال عطاء، والحسن يغتسل وإن مات، وهو مُقتضى قول ابن مسعود:" لو رُخِّص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماءُ أن يتيمّموا ". ويردُّه الحديث، وقولُه تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدّين من حرج﴾ الحجّ: 78 (المنهل العذب ج3/186)

وقال عطاء :" لايتيمّم المريضُ ولاغيرُ المريض إذا وجد الماء ". (بداية المجتهد ج1/126).

وقال ابْنُ تيمية :" والذي عليه الجمهور أنه لا يُشترط فيه خوف الهلاك، بل من كان الوضوء يزيد مرضُه أو يُؤخّر بُرْأه يتيمّم، وكذلك في الصّيام والإحرام ومن يتضرّر بالماء لبَرد فهو كالمريض عند الجمهور ". (الفتاوى ج/21/319).

وقال محمود خطّاب على حديث عمرو بن العاص :" وعلى أنّ سكوت النّبيّ إقرارٌ، فيكون دليلاً على الحُكم، وعلى أنّه يُباح التّيمّمُ لعدم إمكان استعمال الماء، وهو الفَقدُ الحُكميّ، كما يُباح للفقد الحقيقيّ ". (المنهل العذب المورود ج3/186)

وقال عطاء :" لايتيمّم المريضُ ولاغيرُ المريض إذا وجد الماء ". (بداية المجتهد ج1/126).

وقالا صاحبي أبي حنيفة:" لايجوز التّيمُّم في الحضر، ولو لمريض ". (التّعليق على بداية المجتهد ج1/403)

وهل يتيمّم من خاف فَوْت رُفْقة؟ أجاز ذلك ابْنُ حزم في المُحَلّى ج2/165، وقال آخرون: يُنظر فيما يتسبّب فيه فَقْد الرُّفْقة، فإن عُرِّض للهلاك تيمّم وإن لم يُؤدّ إليه إنّما تأخّر عن الرُّفقة فحَسْب فليس له أن يتيمّم. وذُكر نحوُه عن الشّيخ الألبانيّ كما في الموسوعة الفقهية الميسّرة ج1/236.

الشّرط الثّاني: أن يجد الماء، ولكن يتعذّر الوصولُ إليه لغَلائه. قال القرافيّ :" قال فى المُختصر: ليس عليه أن يشتريه بأضعاف ثمنه، إلّابثمنه أو شبهه. وقال في المجموعة: ليس عليه شراء القِربة بعشرة دراهم ". (الذّخيرة ج1/335) وقال البَعليّ الحنبليّ في التّسهيل:" شرطُه فَقدُ ماء أو إعوازُه إلّا بثمنٍ مُجحِفٍ ". (فقه الدّليل ج1/230)

أو خَوْف سَبْع إذا طَلبه. قال القرافيّ :" في الجواهر: الخوف من فوات النّفس، أوعضو، أو منفعة، أو زيادة مرض، أو تأخُّر بُرء، أو حُدوث مرض يخاف معه ما ذكرناه ". (الذّخيرة ج1/330) وقال النوويّ :" قالوا-أي الشّافعية-: إذا كان بِقُربه ماء يَخاف لو سَعى إليه ضرراً على نفسه من سَبُع، أو عدُوّ، أو غيرهما، أو على ماله الذي معه، أو الذي في منزله من غاصب، أو سارق، أو غيرهما فله التّيمُّم، وهذا الماء كالمعدوم ". (المجموع ج2/298)

أو خَوف العَطش باستعمال ما عنده. قال القرافيّ :" خوف عطش على نفسه، قاله في الكتاب، وفي التّفريع: وإن خاف عن غيره، وكذلك قاله الشّافعيّ، وأبو حنيفه ". (الذّخيرة ج1/335) وهو مذهب أحمد. قال البَعليّ في التّسهيل:" شرطُه فَقدُ ماء أو إعوازُه إلاّ بثمن مُجحِف، فلو بُذِل هِبةً، أو بثَمنٍ غيرِ مُجحفٍ لزِمه قَبولُه، أو خوفُ ضررٍ باستعماله، لمرضٍ، أوعَطشِ مُحترَم ". (فقه الدّليل ج1/230-232) فهو كعَادِم المَاء حُكمًا.

الشّرط الثّالث: دُخولُ وقت الصّلاة على رأي جُمهور العُلماء المالكية، والشّافعية، والحنابلة، على اعتبار أنّ التّيمُّم مُبيح للصّلاة وليس رافِعًا للحدث، قال النّوويّ :" ولا يتيمّم قبل دخول وقتها ". (شرح مسلم ج4/58) وقال البَعليّ في التّسهيل:" ودخولُ الوقت ". (فقه الدّليل ج1/233) وقال ابنُ رُشد :" فمنهم من اشترطه، وهو مذهب الشّافعيّ، ومالك، وأحمد. ومنهم من لم يشترطه، وبه قال أبو حنيفة، وأهلُ الظّاهر، وابنُ شعبان من أصحاب مالك ". (بداية المجتهد ج1/412) وبه قال الثّوريّ، واللّيثُ، والحسن بن حَيّ.

وهذه المسألة مَبنيةٌ على مسألة هل التّيمُّم مُبيحٌ للصّلاة، أو رافعٌ للحدث؟ والمسألة فيها خلاف، فمن اشترط دُخول الوقت، فعلى اعتبار أنّ التّيمّم مُبيح، لا رافع. وبه قال الجمهور، قال النّووي :" وأمّا حُكم التّيمّم فمذهبنا، ومذهب الأكثرين، أنّه لا يرفع الحدث، بل يُبيح الصّلاة، فيستبيح به فريضة وما شاء من النّوافل، ولا يجمع بين فريضتين بتيمُّم واحد...". (شرح مسلم ج4/57-58)

وذهب الحنفية، والظّاهرية، وبعضُ المالكية، وهو رواية عن أحمد، واختاره ابن المنذر، وابنُ تيمية إلى أنّ التّيمّم يرفع الحدث رفعاً مُؤقّتاً إلى حين وجود الماء، وعليه فيصحّ التّيمّمُ قبل دخول الوقت. (التّعليق على بداية المُجتهد ج1/431)

قال أصحابُ الفقه المُيسّر ج1/129:" وذهب الحنفيةُ إلى جواز التّيمّم قبل الوقت لأكثر من فرض، ولغير الفرض أيضاً، لأنّ التّيمّم يُرفع به الحدث إلى وجود الماء، وليس يُبيح فقط، وقاسوا ذلك على الوضوء، وهذا هو الصّحيح، وهو اختيار الشّيخ ابن العُثيمين، لأنّه بدلٌ عن الماء فيقوم مَقامه إلى أن يوجد ".

وذَهب أبو سَلَمة، والشّعْبيّ إلى أنّه يرفع الحدَثَ رفْعًا كُلِّيّاً. قال النّوويّ :" وإذا صلّى الجُنبُ بالتّيمّم، ثُمّ وجد الماء وجب عليه الإغتسال بإجماع العّلماء، إلاّ ما حُكي عن أبي سَلمة بن عبد الرّحمن الإمام التّابعيّ أنّه قال: لا يلزمه، وهو مذهب متروك بإجماع من قبله ومن بعده، وبالأحاديث الصّحيحة المشهورة في أمره للجُنُب بغسل بدنه إذا وَجد الماء. والله أعلم ". (شرح مسلم ج4/57)

وقال محمّد عليّ الشّوكانيّ :" حُكم التّيمّم مع العُذر المُسوِّغ له حُكم الوضوء لمن لم يكن جُنُباً، وحُكم الغُسل لمن كان جُنُباً، يصلّي به ما يصلّي المُتوضّىءُ بوضوئه، ويستبيح به ما يستبيحه المُغتسِلُ بغُسله، فيُصلّي به الصّلوات المُتعدِّدة، ولا ينتقض بفراغ من صلاة، ولا بالاشتغال بغيره، ولا بخروج وقتٍ على ما هو الحقّ، والخلاف 6في ذلك معروف، والأدلّة الواردة بمشروعية التّيمّم عند عدم الماء ثابتة كتاباً وسُنّة ". (الدَّرَاري المُضيّة ص62)

وقال صدّيق خان في الرَّوضة النّديّة:" قال في الحُجّة: ولم أجد في حديث صحيح صريحاً بأنّه يجبُ أن يتيمّمَ لِكُلّ فريضة، أو لا يجوز التّيمّم للآبق ونحوه، وإنّما ذلك من التّخريجات-أي التّفريعات التي لا دليل عليها-...". (التّعليقات الرّضيّة ج1/204-205)

وقال عبد الرّحمن السّعديّ :" حيثُ جاز التّيمّمُ لعُذره الشّرعيّ، وهو عَدمُه، أو خَوفه باستعماله الضّرر، فإنّه ينوب مَناب الماء في كلّ شيء على الصّحيح، وهو ظاهر النّصوص، وهو إحدى الرِّوايتين عن الإمام أحمد، فعلى هذا: لا يُشترطُ له دُخول وقت، ولا يبطل بخُروجه، بل بِمُبطِلات الطّهارة. ولوتيمّم للنّفل استباح الفرض كما يستبيحه في طهارة الماء، وذلك أنّ البَدَل يقوم مقام المُبدَل، ويسُدُّ مَسدّه إلّا ما دلّ دليلٌ على خُروجه عن هذا الأصل، ولم يَرِد ". (إرشاد أولي الألباب ص 26)

وقال محمّد الأمين الشّنقيطيّ :" التّيمّمُ يرفع الحدث رفعاً مُؤقّتاً، لا كُليّاً، وهذا لا مانع منه عَقلاً ولا شَرعاً، وقد دلّت عليه الأدلّةُ، لأنّ صِحّة الصّلاة به المُجمع عليها يلزمها أنّ المُصلّي غير مُحدِث، ولا جُنُب لُزوماً شرعيّاً لا شكّ فيه ". (أضواء البيان ج2/43)

وقال ابن عُثيمين :" الصّواب أن التّيمّم مُطهِّرٌ ورافعٌ للحدث...". (مجموع فتاوى ورسائل العُثيمين ج11/231)

5- كيفية التّيمُّم:

1- أن ينوي استباحة الصّلاة، أو ما تُشترط له الطّهارة، أو رفع الحدث، على خلاف في الأخير بين الجمهور، وبين الحنفية، غير أنّ الحنفية يرون أنّ التّيمّم يصحّ بنيّة استباحة الصّلاة، لأنّ اِباحتها برفع الحدث فتصحّ بإطلاق النيّة، وبنيّة رفع الحدث، لأنّ التّيمُّم رافع له كالوضوء. (مراقي الفلاح ص47، والشّرح الصّغير ج1/193، والمجموع ج2/254، والمغني ج1/329)

وهل التّيمّم رافع أو مبيح؟ اختلف العلماء في هذا على ثلاثة أقوال، وقد تقدّم الكلامُ عنها:

الأوّل: أنّ التّيمُّم مُبيحٌ للعبادة، لا رافعٌ للحدث، وبه قال المالكية، والشّافعية، والحنابلة.

الثّاني: أنّ التّيمّم يرفع الحدث رفعاً مُؤقّتاً، وبه قال الحنفية، وداود، والثّوريّ، وأحمد في رواية اختارها أبو الخطّاب، وابنُ تيمية، وابنُ القيّم، وهو قول ابن المُسيِّب، والحسن البَصريّ، والزُّهريّ. قال النوويّ :" ذكرنا أنّ التّيمّم لا يرفع الحدث عندنا، وبه قال جماهير العلماء، وقال داود، والكَرخيّ الحنفيّ، وبعض المالكية: يرفعه. (المجموع ج2/255) قال حَطّاب :" وقيل يرفع الحدث. قاله في الذّخيرة ". (مواهب الجليل ج1/510) وصوّبه أحمد النّفراويُّ المالكيُّ في الفواكه ج1/156، واختاره الصّنعانيّ في سُبُل السّلام ج1/212، ومحمّد الأمين الشّنقيطيّ في أضواء البيان ج2/43، والعُثيمين في الشّرح المُمتع ج1/338، والألبانيّ كما في الموسوعة الفقهية ج1/245.

وهل الخلاف بين القولين لفظيّ أو حقيقيّ؟ قال خليل :" الأصلُ على المشهور، وإنّما يبيح العبادة، وهو مُشكل جدّاً إذ كيف تُجامع الأباحة المنع؟ ولهذا ذهب القرافيُّ وغيرُه إلى أنّ الخُلف لفظيّ، فمن قال: لا يرفعه، أي مُطلقاً، بل إلى غاية الصّلاة لئلا يجتمع النّقيضان، إذ الحدث المنع، والإباحة حاصلة إجماعاً ". (حاشية الصّاويّ مع الشّرح الصّغير ج1/194) وبه قال المازَريّ، واختاره خليل. (الدُّر الثّمين ص 158) وقال آخرون: بل هو حقيقيّ.

الثّالث: أنّ التّيمّم يرفع الحدث رفعاً كُليّاً، فلا ينقضه وجود الماء. وبه قال أبو سلمة بن عبد الرّحمن، والشّعبيّ. قال النوويّ :" وهو مذهب متروك بإجماع من قبله ومن بعده، وبالأحاديث الصّحيحة المشهورة في أمره للجُنب بغسل بدنه إذا وجد الماء ". (شرح مسلم ج4/57)

وقتها: عند الضّربة الأولى، وقيل عند مسح الوجه، قياساً على الوضوء، والأوّل أوجه إذ يبعد أن يضع الإنسانُ يده على حَجر مثلاً من غير نيّة.

حكمها: شرطٌ أو فرض، لحديث عمر بن الخطّاب ، قال: سمعت رسول اللّه يقول:" إنّما الأعمال بالنِّيّات، وإنّما لكلّ امرىء ما نوى ". رواه البخاريّ برقم 1، ومسلم برقم 1907. قال ابن رُشد :" فالجمهورُ على أنّ النّيّة فيها شرطٌ لكونها عبادة غير معقولة المعنى، وشَذّ زُفر فقال: ليست بشرط فيها، وإنّها لا تحتاج إلى نيّة، وقد رُوي ذلك أيضاً عن الأوزاعيّ، والحسن بن حيّ، وهو ضعيف ". (بداية المجتهد ج1/129) وقال ابن قُدامة :" لا نعلم خِلافاً في أنّ التّيمّم لا يصحّ إلاّ بنيّة، غيرَ ما حُكي عن الأوزاعيّ، والحسن بن صالح أنّه يصحّ بغير نيّة، وسائر أهل العلم على إيجاب النّيّة فيه. وممّن قال ذلك: ربيعة، ومالك، واللّيث، والشّافعيّ، وأبوعُبيد، وأبو ثور، وابن المُندر، وأصحاب الرّأي، وذلك لما ذكرنا في الوضوء، وينوي استباحة الصّلاة ". (المغني ج1/329) وقال محمّد الأمين الشّنقيطيّ :" وكون التّيمّم بمعنى القصد يدلّ على اشتراط النّيّة في التّيمّم، وهو الحقّ ". (أضواء البيان ج2/51)

2- أن يسمّي على سبيل الاستحباب والفضيلة، وبه قال الجمهور، الحنفية، والمالكية، والشّافعية، وهو قول عند الحنابلة. قال الشُّرُنبُلاليّ الحنفيّ :" وسُنن التيمّم سبعة: التّسمية في أوّله...". (مراقي الفلاح ص50) وقال عِياض المالكيّ :" من فضائل التّيمّم التّسمية أوّل تَيمُّمه ". (عُمدة الطّالبين ص 166) وقال الشِّيرازيّ الشّافعيّ :" وإذا أراد التّيمّم، فالمُستحبّ له أن يُسمّي اللّه ، لأنّه طهارة عن حدث فاستُحبّ اسم اللّه تعالى عليه كالوضوء ". (المجموع ج2/261) وقال البَعليّ الحنبليّ :" وسُننه: التّسمية...". (فقه الدّليل ج1/243)

وقال الحنابلة على الصّحيح: التّسميةُ فرض. قال المرداويّ :" واعلم أنّ الصّحيح من المذهب: أنّ حُكم التّسمية هُنا حُكمها على الوضوء، على ما تقدّم. وعليه جماهير الأصحاب. وعنه أنّها سُنّة ". (الإنصاف ج1/209) وقال مَرعيّ الحنبليّ في دليل الطّالب:" وواجب التّيمّم التّسمية، وتسقط سهواً ". (منار السّبيل ج1/47)

واحتجّوا بالقياس على الوضوء.

3- أن يَضرب بكفّيه الأرض ضربةً واحدة مُفرجة الأصابع، وينفخ فيهما، أو ينفضهما لتخفيف التُّراب إن وُجد، وإلاّ فلا يلزم، لحديث عمّار بن ياسر ، وفيه أنّ النّبيّ قال:" إنّما كان يكفيك أن تَقول بيديك هكذا ". ثمّ ضَرب بيديه الأرض ضَربةً واحدة ونفخ فيهما، ثمّ مسح بهما وجهه وكفّيه ". رواه البخاريّ برقم 338، ومسلم برقم 368، وفي رواية لمسلم في نفس الحديث:" فنفض يديه "، وعند أبي داود برقم 321:" فضرب بيده على الأرض فنفضها...". وصحّحه الألبانيّ برقم 312

ولحديثه أيضاً، قال:" سألت النّبيَّ عن التّيمّم، فأمرني ضربة واحدة، للوجه والكفّين ". رواه أبو داود برقم 327، والتّرمذيّ برقم 144، وصحّحه الألبانيّ في صحيح التّرمذيّ برقم 125، وفي الإرواء برقم 161. والمُرا د بالضّرب، وضع الكفّين على الصّعيد.

وإلى وجوب الضّربة الواحدة ذهب المالكية، والحنابلة، ولو أنّ الأكمل عندهم ضربتان. قال أحمد الدّردير :" أمّا الضّربة الثّانية فسُنّة كما سيأتي ". (الشّرح الصّغير ج1/194) وقال ابنُ قدامة :" المسنون عند أحمد، التّيمّم بضربة واحدة، فإن تيمّم بضربتين جاز ". وقال القاضي :" الإجزاءُ يحصل بضربة، والكمالُ ضربتان. والمنصُوص ما ذكرناه ". (المغني ج1/320) والصّحيح أنّ الأكمل ما صحّت به السُّنّة. وهو قول الأوزاعيّ، وإسحاق، وداود، والطّبريّ، وقال التّرمذيّ :" وهو قولُ غير واحد من أهل العلم من أصحاب النّبيّ وغيرهم، منهم: عليٌّ، وعمّار، وابن عبّاس، وعطاء، والشّعبيّ، ومكحول، والأوزاعيّ، ومالك، وإسحاق ". (جامع التّرمذيّ مع تحفة الأحوذيّ ج1/391) وقال الأثرم : قُلت لأبي عبد اللّه: التّيمّم ضربة واحدة؟ فقال: نعم، ضربة للوجه والكفّين، ومن قال ضربتين، فإنّما هو شيء زاده ". (المغني ج1/320-321) وقال ابن حجر :" ونقله ابن المُنذر عن جمهور العلماء، واختاره ". (الفتح ج1/606) وحكاه الخطّابيّ عن عامّة أهل الحديث. (المجموع ج2/234) وقال النوويّ :" فهو القويّ في الدّليل، وهو الأقرب إلى ظاهر السُّنّة الصّحيحة ". (المجموع ج2/243) وقال ابن عبد البرّ :" وهذا أثبت ما يُروى في حديث عمّار ". (الاستذكار ج1/311)

واختاره ابنُ القيّم في الزاد ج1/192، والصّنعانيّ في السُبل ج1/210، والشّوكانيّ حيث قال:" فالحقُّ الوقوف على ما ثبت في الصّحيحين من حديث عمّار من الاقتصار على ضربة واحدة حتّى تصحّ الزّيادة على ذلك المقدار ". (نيل الأوطار ج1/329)

وقال بعض العلماء لابدّ من ضربتين، ضربة للوجه، وضربة لليدين، وهو مذهب الحنفية، والشّافعية، وبه قال عليّ، وابن عمر، والحسن البصريّ، والشّعبيّ، وسالم بن عبد اللّه، وسُفيان الثّوريّ، ونسبه النوويّ في شرح مسلم إلى الأكثرين. (شرح مسلم ج4/56) ونسبه ابن عبد البرّ إلى محمّد بن عبد الحكم، وإسماعيل القاضي من المالكية. (الاستذكار ج1/312) وبه قال ابن نافع المالكيّ أيضَاً. (أضواء البيان ج2/53-54)

واحتجّوا: بحديث ابن عمر قال: قال رسول اللّه :" التّيمّم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين ". رواه الدّارقطنيّ ج1/180 قال ابن حجر :" وصحّح الأئمّةُ وقفه ". قال الصّنعانيّ :" أي: -على حديث ابن عمر-، قالوا: وإنّه من كلامه، وللاجتهاد مسرح في ذلك ". (سُبل السّلام ج1/210) وقال ابن حجر :" قال أبو زُرعة حديث باطل ". (التّلخيص ج1/404) وقال ابن القيّم :" لم يصحَّ عنه أنّه تيمّم بضربتين، ولا إلى المرفقين ". (زاد المعاد ج1/192) وقال ابن حجر :" فإنّ الأحاديث الواردة في صفة التّيمّم لم يصحّ منها سوى حديث أبي جُهيم وعمّار، وما عداهما فضعيف أو مُختلف في رفعه ووقفه، والرّاجح عدم رفعه ". (فتح الباري ج/590) قال ابن عبد البرّ :" أكثر الآثار المرفوعة عن عمّار في هذا الحديث إنّما فيها ضربة واحدة للوجه والكفّين، وكلّ ما يُروَى في هذا الباب عن عمّار فمُضطرب مُختلف فيه...". (التّمهيد ج2/358) وقال الألبانيّ:" واعلم أنّه قد رُوي هذا الحديث عن عمّار بلفظ ضربتين، كما وقع في بعض طُرقه، وكلّ ذلك مَعلول لا يصحّ ". (الإرواء ج1/185)

وقيل: لا يُجزئه إلاّ ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة للكفّين، وضربة للذّراعين. وبه قال ابن سِيرين. (المجموع ج2/243)

وقيل: ضربتان لكلّ واحد منهما، يعني: الوجه واليدين. وبه قال ابن أبي ليلى، والحسن بن حيّ. قال ابن عبد البرّ :" ولا أعلم أحداً قال ذلك غيرهما ". (الاستذكار ج1/312)

4- أن يمسح وجهه بباطن أصابعه، لقوله تعالى: ﴿فامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ﴾ المائدة: 6، ولحديث عمّار :" فضرب النّبيّ بكفّيه الأرض ونفخ فيهما، ثمّ مسح بهما وجهه وكفّيه ". رواه البخاريّ برقم 338، ومسلم برقم 368، وفي رواية لمسلم:" إنّما كان يكفيك أن تضربَ بيديك الأرض، ثمّ تنفُخَ، ثمّ تمسحَ بهما وجهك وكفّيك ".

5- أن يمسح ظاهر كفّيه براحتيه، لقوله : ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم مّنه﴾ المائدة: 6، ولحديث عمّار المُتقدّم.

وقد اختلف العلماءُ في القَدر الواجب من اليدين:

فذهب المالكية، والحنابلة، إلى أنّ الفرض مسح اليدين إلى الكُوعين، ومن الكُوعين إلى المِرفقين سُنّة. قال أحمد الدّردير :" الفريضة الثّالثة: تعميم الوجه واليدين إلى الكُوعين بالمسح. وأمّا من الكُوعين إلى المرفقين فسنّة كما سيأتي ". (الشّرح الصّغير ج1/279) وقال مَرعيّ المقدسيّ :" وفروضه خمسة: مسح الوجه، ومسح اليدين إلى الكُوعين ". (مَنار السّبيل ج1/47)

قال ابن حجر :" وإليه ذهب أحمد، وإسحاق، وابن جرير، وابن المُنذر، وابن خُزيمة، ونقله ابن الجهم وغيرُه عن مالك، ونقله الخطّابيّ عن أصحاب الحديث. وقال النوويّ : رواه أبو ثور وغيرُه عن الشّافعيّ في القديم، وأنكر ذلك الماورديّ وغيرُه. قال: وهو إنكار مردود، لأنّ أبا ثور إمام ثقة. قال: وهذا القول وإن كان مرجوحاً فهو القويّ في الدّليل ". (الفتح ج1/592)

واحتجّوا بحديث عمّار المُتقدّم.

وقيل: الحدّ الواجب إلى المرافق، وبه قال الحنفية، والشّافعية، ومحمّد بن عبد الحكم، وابن نافع، وإسماعيل القاضي من المالكية، وهو مَرويّ عن عبد الله بن عمر ، والشّعبيّ، والحسن، وسالم. وهو رواية عند الحنابلة.

وقيل: الحدّ الواجب إلى المناكب، وهو مرويّ عن الزُّهريّ. قال النوويّ :" وما أظنّ هذا يصحّ عنه، وقد قال الخطّابيّ: لم يختلف العلماء في أنّه لا يجب مسح ما وراء المرفقين ". (المجموع ج2/244)

واحتجّوا بأشياء كثيرة لا يظهر الاحتجاج بها. قال النوويّ :" وأقربها أنّ اللّه تعالى أمر بغسل اليد إلى المرفق في الوضوء، وقال في آخر الآية ﴿فلم تجدوا ماء فتيمّموا صعيدا طيّبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم مّنه﴾، وظاهره أنّ المراد الموصوفة أوّلاً وهي المرفق. وهذا المُطلق محمول على ذلك المقيّد، لا سيّما وهي آية واحدة ". (المجموع ج2/244)

قال ابن حجر :" وأمّا ما استدلّ به من اشترط بلوغ المسح إلى المرفقين من أنّ ذلك مُشترط في الوضوء، فجوابه أنّه قياس في مُقابلة النّصّ، فهو فاسد الاعتبار ". (الفتح ج1/592)

وقال التّرمذيّ :" قال إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحَنظَليّ:" حديث عمّار في التّيمّم للوجه والكفّين: هو حديث حسن صحيح، وحديث عمّار: تيمّمنا مع النّبيّ إلى المناكب والآباط: ليس هو بمُخالف لحديث الوجه والكفّين، لأنّ عمّاراً لم يذكر أنّ النّبيّ أمرهم بذلك، وإنّما قال: فعلنا كذا وكذا. فلمّا سأل النّبيّ أمره بالوجه والكفّين، فانتهى إلى ما علّمه رسول اللّه :" الوجه والكفّين"، والدّليل على ذلك: ما أفتى به عمّار بعد النّبيّ في التّيمّم أنّه قال:" الوجه والكفّين "، ففي هذا دلالة على أنّه انتهى إلى ما علّمه النّبيّ ، فعلّمه إلى الوجه والكفّين ". (صحيح سنن التّرمذيّ ج1/ 48، وتُحفة الأحوذيّ ج1/398-399)

وقال ابن حجر :" فأمّا حديث أبي جُهيم فورد بذكر اليدين مُجملاً، وأمّا حديث عمّار فورد بذكر الكفّين في الصّحيحين وبذكر المِرفقين في السُّنن، وفي رواية إلى نصف الذّراع، وفي رواية إلى الآباط. فأمّا رواية المِرفقين وكذا نصف الذّراع ففيهما مقال، وأمّا رواية الآباط، فقال الشّافعيّ وغيرُه: إن كان ذلك وقع بأمر النّبيّ ، فكلّ تيمّم صحّ للنّبيّ بعده فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره، فالحُجّة فيما أمر به. وممّا يُقوّي رواية الصّحيحين في الاقتصار على الوجه والكفّين كون عمّار كان يُفتي بعد النّبيّ بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمُراد به من غيره، ولاسيّما الصّحابيّ المُجتهد ". (الفتح ج1/590-591)

وقال ابن رُشد :" فأمّا أن يغلَّب القياس ها هنا على الأثر، فلا معنى له، ولا أن تُرجَّح به أيضاً أحاديث لم تثبت بعد. فالقول في هذه المسألة بيّن من الكتاب والسُّنّة، فتأمّله ". (بداية المجتهد ج1/ 135)

وقال ابن المُنذر :" الأخبار الثّلاثة التي احتجّ بها من رأى أنّ التّيمّم ضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، فمعلولة كلّها، لا يجوز أن يُحتجّ بشيء منها ". (الأوسط ج2/53)

وهذا هو الرّاجح. قال محمّد عليّ الإتيوبيّ :" خُلاصة القول في المسألة أنّ الرّاجح قول من قال: إنّ التّيمّم بضربة واحدة للوجه والكفّين فقط، ولا يُشرع المُجاوزة إلى المرفقين، لعدم صحّة الدّليل على ذلك ". (البحر المحيط ج8/470)

6- ويخلّل أصابع يديه استحباباً، وبه قال الشّافعية، والحنابلة. وقيل وُجوباً، وبه قال بعض المالكية، وهو قول عند الشّافعية. وقال أبو يوسف إذا لم يدخل الغُبار بين أصابعه، وجب، وإلاّ فلا.

قال النوويّ في سُنن التيمّم:" الخامسة: أنّ يمسح إحدى الرّاحتين بالأُخرى، ويخلّل الأصابع على الصّحيح. وقيل يجبان كما سبق ". (المجموع ج2/269) وقال:" وقال الخُراسانيون والماورديّ: في وجوب التّخليل ومسح إحدى الرّاحتين بالأخرى وجهان ". (المجموع ج2/267)

وقال ابن قُدامة :" ويستحبّ أن يمسح إحدى الرّاحتين بالأخرى، ويخلّل بين الأصابع، وليس بفرض، لأنّ الفرض الرّاحتين قد سقط بإمرار كلّ واحدة على ظهر الكفّ ". (المغني ج1/332)

وقال حَطّاب :". قال ابن الحاجب: قالوا: يخلّل أصابعه. قال في "التّوضيح": تضعيفه التّخليل بقوله "قالوا"، لأحد الوجهين: إمّا لأنّ التّخليل لا يُناسب المسح الذي هو مَبنيّ على التّخفيف، وإمّا لأنّه لمّا كان المذهب أنّه لا يُشترط النّقل-أي للتُّراب- إذ يجوز التّيمّم على الحجر، ناسب ألّا يلزمه التّخليل ". (مواهب الجليل ج1/511)

وقال أحمد الدّردير :" ويجب عليه تخليل الأصابع، ونزع الخاتَم ليمسح ما تحته، وتخليل الأصابع يكون بباطن الكفّ، أو الأصابع، لا بجَنبها إذ لم يمسّها تُراب ". (الشّرح الصّغير ج1/279)

وقال مُحنض الدّيمانيّ :" وظاهر"المص" -أي مختصر خليل- و"الكافي": أنّه لا يُخلّل أصابعه، وقال ابنُ شَاس: يُخلّلها. وقد مرّ نقله عن ابن شَعبان، واللَّخميّ، وابن بَشير ". (مُيسّر الجليل ج1/122)

وقال بدر الدّين العَينيّ :" إذا لم يدخل الغُبار بين أصابعه يجب تخليلها عند أبي يوسف ". (البِناية ج1/526)

7- ويرتّب بين الأعضاء الممسوحة، فيبدأ بمسح الوجه، ثمّ اليدين، وجوباً، لقوله : ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم مّنه﴾، المائدة: 6، ولحديث عمّار :"...ثمّ مسح بهما وجهه وكفّيه...". رواه البخاريّ برقم 338، ومسلم برقم 368 قال محمّد الأمين الشّنقيطيّ :" ودليل التّقديم للوجه على اليدين أنّه تعالى قدّمه في آية النّساء، وآية المائدة، حيث قال فيهما: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾. وقد قال :" ابدأ بما بدأ اللّه به "، يعني قوله: ﴿إنّ الصّفا والمروة﴾ البقرة: 158، وفي بعض رواياته:" ابدؤوا " بصيغة الأمر ". (أضواء البيان ج2/59) وقال العُثيمين:" فيكون البدءُ بالوجه، لأنّه أشرف ولأجل أن يُوافق ترتيبُ التيمّم ترتيبَ الوضوء، فإنّ التّرتيب في الوضوء: الوجه قبل اليدين ". (فتح ذي الجلال ج1/647)

وبه قال الشّافعية في التّيمّم من الحدثين الأصغر والأكبر، وقصره الحنابلة على الحدث الأصغر دون الأكبر. (روضة الطّالبين ص 52، والشّرح المُمتع ج1/336)

وقال الحنفية، والمالكية، هو سُنّة، غير أنّ المالكية قالوا: إن نكّس أعاد اليدين، إن قرب ولم يصلّ، فإن صلّى أجزأه. (مراقي الفلاح ص 50، والشّرح الصّغير ج1/198) وبه قال الخِرقي وغيرُه من الحنابلة. (الإنصاف ج1/208)

واحتجّوا بحديث عمّار في رواية مسلم برقم 368:" ثمّ ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثمّ مسح الشّمال على اليمين، وظاهر كفّيه ووجهه". وهي عند أبي داود برقم 321:" ثمّ ضرب بشماله على يمينه، ويمينه على شماله على الكفّين، ثمّ مسح وجهه ". قال ابن دقيق :" بلفظة "ثمّ"، وهي تقتضي التّرتيب. فاستُدلّ بذلك على أنّ ترتيب اليدين على الوجه ليس بواجب في التّيمّم". (العدّة مع إحكام الأحكام ج1/353 - 354) واختاره محمّد عليّ الإتيوبيّ في ذخيرة العُقبى ج5/267.

والقول بوجوب التّرتيب في الحدث الأصغر والأكبر أظهر لمُوافقته ترتيب القرآن، وترتيب الوضوء، وأكثر الرّوايات. ويُردّ عن احتجاجهم بهذه الرّواية بما قاله الصّنعانيّ :" نعم أخرج الإسماعيليّ الحديث بلفظ:" إنّما يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض، ثمّ تنفضهما، ثمّ تمسح بيمينك على شمالك، وشمالك على يمينك، ثمّ تمسح على وجهك ". وهذه صريحة بوجوب تأخّر الوجه، فقد عارضت رواية الصّحيحين، وطريقة التّرجيح بما اتّفقا عليه أولى ممّا انفرد به أحدُهما، فكيف ما انفرد به غيرُهما ". (العُدّة ج1/353)

8- ويُوالي بين مسح الأعضاء وُجوباً، بحيث لا يُؤخّر مسح اليدين بعد الوجه زمناً، لو كانت الطّهارة بالماء لجفّ الوجه، قبل أن يُطهّر اليدين.

والمُوالاة واجبة في الحَدثين الأصغر والأكبر، وهو قول المالكية. قال ابن القاسم في المُدوّنة فيمن فرّق تيمّمه وطال ذلك، "ابتدأ التّيمّم، وإن قرب أجزأه ". (مواهب الجليل ج1/ 502) وقال عُلَيش :" فإن فرّق بين أركانه، أو بينه وبين ما فُعِل له ولو نسياناً، أو فُعل قبل الوقت بطل اتّفاقاً، للاتّفاق على وُجوب المُوالاة هُنا وعدم تقييدها بالذّكر والقُدرة ". (منح الجليل ج1/106)

وقال الحنابلة: هي واجبة في الحدث الأصغر دون الأكبر. قال موسى الحّجّاوي :" وفروضه: مسح وجهه، ويديه إلى كُوعيه، وكذا التّرتيب والمُوالاة في حدث أصغر ". (الشّرح الممتع ج1/334 - 336)

قال العثيمين :" والأَولى أن يُقال: إنّها واجبة في الطّهارتين جميعاً ". (الشّرح الممتع ج1/336)

وقيل: سُنّة، وبه قال الحنفية والشّافعية. قال الشُّرُنبُلاليّ :" وسُنن التّيمّم سبعة: التّسمية في أوّله، والتّرتيب، والمُوالاة...". (مراقي الفلاح ص 50) وقال النوويّ :" المُوالاة، وفيها ثلاث طُرق: المذهب أنّها سُنّة ليست بواجبة، وتقدّم بيانها في صفة الوضوء ". (المجموع ج2/268)

قال ابن رُشد :" وينبغي أن تعلم أنّ الاختلاف في وجوب التّرتيب في التّيمّم، ووجوب الفور فيه، هو بعينه اختلافهم في ذلك في الوضوء. وأسباب الخلاف هنالك هي أسبابه هنا، فلا معنى لإعادته ". (بداية المجتهد ج1/136)

وهل يشترط الدّلك في التّيمّم؟

والدّلك معناه الضّغط على الشّيء عند مَسْحه أو سَلته. اختلف العُلماءُ في الدّلك عند التّيمّم، فمنهم من قال باستحبابه، ومنهم من قال بعدم استحبابه. وممّن استحبّه الشّافعية، قال الخطيب الشّربينيّ :" ويُمِرُّ التّراب على العضو كالوضوء ". (مغني المُحتاج ج1/256) وجاء في الموسوعة الفقهية ج14/263:" ويُسنُّ أيضاً-أي عند الشّافعية- إمرارُ اليد على العضو، كالدَّلك في الوضوء ".

6- بماذا يحصل التّيمّم؟

ذهب مالك، وأبو حنيفة، والثّوريّ، والأوزاعيّ، وهو وجه لبعض الشّافعية، ورواية عن الإمام أحمد رجّحها ابنُ تيمية، واستظهرها ابنُ مُفْلِح في الفُروع، وصَوَّبها المرداويُّ في الإنْصَاف، واختارها العُثيمين، وعبد الله البسّام، إلى مشروعية التّيمّم بالصّعيد، وهو كلّ ما تصاعد على وجه الأرض، قال الشّوكانيّ في نيل الأوطارج1/328:" ويُؤيّد حمل الصّعيد على العُموم تيمّمه من الحائط...". (نيل الأوطارج1/328) وقال أيضاً:" قال ابنُ دَقيق العيد: ومن خَصّص التّيمّم بالتُّراب، يحتاج إلى أن يُقيم دليلاً يُخصّ به هذا العُموم..." (نيل الأوطار ج1/329). وقال محمّد الأمين الشّنقيطيّ:" والصّعيد في اللُّغة: وجه الأرض، كان عليه تراب، أو لم يكن، قاله الخليل، وابنُ الأعرابيّ، والزَّجّاج ". (أضواء البيان ج2/31) وقال الزَّجّاج:" لا أعلم في ذلك بين أهل اللُّغة خِلافاً ". (المنهل العذب المورود ج3/148)

لكنّهم اختلفوا في الصّعيد، فقال مالك، وأصحابه: الصّعيد وجْه الأرض، ويجوز التّيمّم عندهم على الحصباء، والجبل، والرّمل، والتُّراب، والثّلج، وكُلّ ما كان على وجه الأرض، وما طُبخ كالجصّ، والآجُر فيه خلاف عن المالكية، والمنع أشهر. (أضواء البيان ج2/33)

وقال أبو حنيفة: يجوز التّيمّم بالتّراب، والرّمل، والحجر، والنُّورة، والزِّرنِّيخ، والجّصّ، والطّين، وكلّ ما كان من جنس الأرض. وقال أبو يو سف: لا يجوز إلاّ بالتّراب، والرّمل. (الهداية ج1/27).

وقال الأوزاعيّ، والثّوريّ: يجوز التّيمّم بالأرض، وكلّ ما عليها من الشّجر، والحجر، والمَدر، حتّى قالا: لو ضرَب بيده على الجمد، والثّلج أجزأه. (أضواء البيان ج2/32)

ودليلهم:

1- قوله تعالى: ﴿... صَعِيدًا زَلَقًا﴾. الكهف: 40

2- قوله تعالى: ﴿... صَعِيدًا جُرُزًا﴾. الكهف: 8 والجُرز: هي الأرض الغليظة التي لا تُنبت شيئًا. (أضواء البيان ج2/31)

3- قوله :"… وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطَهورًا…". رواه البخاريّ برقم 335، ومسلم برقم 521. قال العينيُّ:" قال النوويُّ: احتجّ به مالك، وأبو حنيفة في جواز التّيمّم بجميع أجزاء الأرض. وقال أبو عُمر: أجمع العلماءُ على أنّ التّيمّم بالتُّراب ذي الغُبار جائز، وعند مالك يجوز بالتُّراب والرّمل والحشيش والثّلج والمطبوخ كالجصّ والآجُر. وقال الثّوريّ، والأوزاعيّ يجوز بكلّ ما كان على الأرض حتّى الشّجر والثّلج والجمد، ونقل النّقاش عن ابن عُلَيّة، وابن كَيسان جوازه بالمِسك والزّعفران، وعن إسحاق منعه بالسّباخ، ويجوز عندنا بالتُّراب والرّمل والحجر الأملس المغسول والجصّ والنُّورة والزّرنيخ والكُحل والكبريت والتوتيا والطّين الأحمر والأسود والأبيض والحائط المطيّن والمُجصّص والياقوت والزّبرجد والزّ مرد والبلخش والفيروزج والمُرجان والأرض النّدية والطّين الرّطب... ". (عُمدة القاري ج4/10)

4- وأن النّبيّ لمّا سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك، وقطعوا تلك الرِّمال في طريقهم لم يرد أنّهم حملوا التُّراب معهم ولا أمرهم به، بل كانوا يتيمّمون بما تيسّر لهم من الأرض. (زاد المعاد ج1/200).

5- حديث أبي جُهيم قال:" أقبل علينا رسول الله من نحو بئر جَمَل، فلقيه رجلٌ فسلّم عليه فلم يَرُدَّ عليه رسول الله حتّى أتى على جدار فمسح بوجهه ويديه، ثمّ ردّ ". رواه البخاريّ بقرقم 337، والنّسائيّ برقم 311. وبئر جمل: هو موضع قُرب المدينة. قال محمود خطّاب:" واحتجّ بالحديث من قال بجواز التّيمّم على الحجر، وذلك لأنّ حيطان المدينة مبنية بالحِجارة ". (المنهل العذب المورود ج3/170)

وذهب الإمام الشّافعيُّ، والإمام أحمد، وداود، وابن المنذر إلى أنّه لا يَصحّ التّيمّم إلّا بتُراب لَه غُبار. وبه قال أبو يوسف في رواية. قال النّوويّ :" فذهب الشّافعيُّ، وأحمد، وابن المنذر، وداود الظّاهريّ، وأكثرُ الفقهاء إلى أنّه لا يجوز التّيمّم إلّا بتُراب طاهر له غُبار يَعلق بالعضو ". (شرح مسلم ج4/280) وقال البعليّ:" وترابٌ طاهرٌ له غُبار ". (فقه الدّليل ج1/237-238)

واحتجّوا:

1- بحديث عليّ ، أنّ النّبيّ قال:" وجُعل التّراب لي طَهورًا ". رواه أحمد 2/156-460، وصحّحه أحمد شاكر، والألبانيّ في الصّحيحة برفم 3939.

2- بحديث حُذيفة :" وجُعلت تربتُها لنا طَهورًا إذا لم نجد الماء ". رواه مسلم برقم 522.

وقال بدرُ الدّين العينيُّ:" ومذهب الشّافعيّ، وأحمد لا يجوز إلّا بالتُّراب الذي له غُبار، واحتجّا بحديث حُذيفة عند مسلم:" وجُعلت لنا الأرض كلّها مسجداً، وجُعلت تُربتها لنا طَهوراً ". وأُجيب عن هذا القول بقول الأصِيلي: تفرّد أبو مالك بهذه اللّفظة. وقال القُرطبيّ: ولا يُظنّ أنّ ذلك مُخصِّصٌ له، فإنّ ذلك ذُهول من فائله، فإنّ التّخصيص إخراجُ ما تناوله العمومُ عن الحُكم، ولم يُخرج هذا الخبرُ شيئاً، وإنّما عيّن واحداً ممّا تناوله الاسم الأوّل، مع مُوافقته في الحُكم، وصار بمثابة قوله تعالى: ﴿فيهما فاكهةٌ ونخلٌ ورُمّانٌ﴾ الرّحمن:68، وقوله تعالى: ﴿من كان عدوّا للّه وملائكته ورُسله وجبريل وميكال﴾ البقرة:98، فعيّن بعض ما تناوله اللّفظُ الأوّل مع المُوافقة في المعنى على جهة التّشريف، وكذلك ذِكر التُّراب في حديث حُذيفة، وإنّما عيّنه لكونه أمكن وأغلب. ويُقال الاستدلالُ بلفظ التُّربة على خُصوصية التّيمّم بالتُّراب ممنوع، لأنّ تُربة كلّ مكان ما فيه من تراب وغيره.

وقال بعضُهم، وأُجيب بأنّه ورد في الحديث المذكور بلفظ التُّراب، أخرجه ابنُ خُزيمة، وغيره، وفي حديث عليّ:" جُعل التُّراب لي طهوراً " أخرجه أحمد، والبيهقيُّ بإسناد حسن، والجواب عنه ما ذكرناه الآن، على أنّ تعيين لفظ التُّراب في الحديث المذكور لكونه أمكن وأغلب، لا لكونه مخصوصاً به، على أنّا نقول التّمسُّك باسم الصّعيد وهو وجه الأرض، وليس باسم التُّراب فقط بل هو وجه الأرض تُراباً كان أو صخراً لا تُراب عليه أو غيره ". (عُمدة القاري ج4/10-11)

وردّ بعضُ المُحقّقين فقال: وقد ظنّ بعضُهم أنّ هذا من باب تخصيص المُطلق والمُقيّد، وهو غلطٌ، إنّما هو من باب تخصيص بعض أفراد العُموم بالذَكر، وهو لا يقتضي التّخصيص عند الجُمهور، خلافاً لما حُكيَ عن أبي ثور، إلّا أن يكون له مفهوم، فينبني على تخصيص العُموم بالمفهوم، والتُّراب، والتُّربة لقب، واللَّقبُ مختلَف في ثبوت المفهوم له، والأكثرون يأبون ذلك ". (فتح الباري لابن رجب ج2/210)

وقال محمّد الأمين الشّنقيطيّ:" الثّاني: أنّ مفهوم التُّربة مفهوم لقب، وهو لا يُعتبر عند جماهير العلماء، وهو الحقّ كما هو معلوم في الأصول. الثّالث: أنّ التُّربة فردٌ من أفراد الصّعيد، وذِكرُ بعض أفراد العام بحُكم العام لا يكون مُخصِّصاً له عند الجمهور، سواء ذُكِرا في نصّ واحد كقوله ﴿حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى﴾ البقرة: 238، أو ذُكرا في نصّين كحديث:" أيُّما إهاب دُبغ فقد طَهُر "، عند أحمد، ومسلم، وابن ماجه، والتّرمذيّ، وغيرهم، مع حديث:" هلّا انتفعتم بجِلدها " يعني شاة ميتة، عند الشّيخين، كلاهما من حديث ابن عبّاس، فذِكرُ الصّلاة الوسطى في الأوّل، وجِلد الشّاة في الأخير لا يقتضي أنّ غيرهما من الصّلوات في الأوّل، ومن الجُلود في الثّاني ليس كذلك...". (أضواء البيان ج2/31)

والقول الأوّل، أرجح لقُوّة دليله، ولموافقته لأصل مشروعية التّيمّم وهو التّرخيص والتّوسيع فلو كُلّف النّاسُ طلب التُّراب فقط لكان فيه إحراج، وقد نفى اللّه تعالى الحرج عَنّا حيثُ قال: ﴿...وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ...﴾ الحجّ: 78. فإذا حُمِل الصّعيد على أعمّ من التّراب كان معنى التّرخيص والتّوسيع أظهر وأوضح، قاله محمّد عليّ الإتيوبيُّ في ذخيرة العفبى ج5/186. واختار هذا القول الإمام الشّوكانيّ، ومحمود خطّاب في المنهل ج3/ 148، والعُثيمين، حيث قال:" القولُ الرّاجحُ أنّه لا يُشترط للتّيمّم أن يكون بتُراب فيه غُبار، بل إذا تيمّم على الأرض أجزأه، سواء كان فيها غُبار أم لا...". (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ج11/237-238)

وأمّا التَّوْسِعَة في معنى الصّعيد ليشمل كل ما تولّد من الأرض كالزّرنيخ والنُّورة والثّلج والحشيش، فقد ضعّفه الإمامُ ابنُ رُشد، حيث قال:" وأمّا إجازة التّيمّم بما يتولّد منها فضعيف، إذ لا يتناوله اسم الصّعيد، فإنّ أعمّ دلالة اسم الصّعيد أن يدلّ على ما تدلّ عليه الأرض، لا أن يدلُّ على الزّرنيخ والنُّورة، ولا على الثّلج والحشيش…". (بداية المجتهدج1/71-72)

7- هل يجوز التّيمّم من الجنابة؟

قال ابن عبد البَّر :" وأجمع العلماءُ بالأمصار وبالمشرق وبالمغرب فيما علمت، أن التّيمّم بالصّعيد عند عدم الماء طهور كلّ مسلم مريض أو مُسافر، وسواء كان جُنباً، أو على غير وضوء، ولا يختلفون في ذلك، وكان عُمر بنُ الخطّاب، وعبد الله بن مسعود يقولان:" إنّ الجُنب لا يُطهّره إلّا الماء، وأنّه لا يستبيح بالتّيمّم للصّلاة أبدًا ". (التّعليق على بداية المجتهد ص395) وقال النّوويّ :" وبه قال العلماءُ كافّة من الصّحابة، والتّابعين، ومن بعدهم، إلّا عمر بن الخطّاب، وعبد اللّه بن مسعود، وإبراهيم النَخَعِيّ التّابعيّ فإنّهم منعوه، قال ابنُ الصَّباغ وغيره: وقيل إنّ عمر، وعبد الله رجَعا عنه ". (المجموع ج2/240)

ويشهد لقول الجمهور قولُه تعالى: ﴿ولا جُنُباً إلّا عابرى سبيل﴾ النّساء: 43، قال ابنُ المُنذر:" كان معناه لا يقرب الصّلاة جُنب إلّا أن يكون عابر سبيل مُسافراً لا يجد الماء، فيتيمّم، ويُصلِّي ". (الأوسط ج2/13)

وحديث عمّار بن ياسر حيث قال:" بعثني النّبيّ في حاجة فأجنبتُ فلم أَجِد الماء، فتمرّغت في الصّعيد، كما تَمَرّغ الدَّابّة - أي تَقلبتُ على الأرض كما تتقلّب الدّابّة ليشمل التّرابُ جميع جسده قياسًا منه للتّيمّم من الجنابة على الغُسل منها-، ثم أَتَيْتُ النّبيّ فذكرت ذلك له فقال:" إنّما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا "، ثمّ ضرب بيديه الأرض ضربةً واحدة…". الحديث رواه البخاريّ برقم 347، ومسلم برقم 368.

وحديث عِمْران بن حُصَيْن وفيه:" أنّ رسول الله رأى رجُلًا مُعْتَزِلًا لم يُصَلّ مَع القَوْم فقال:" يا فلان ما مَنعك أن تُصلِّي مَع القَوْم؟ فقال:" يا رسول الله، أصابَتْنِي جنابة ولا ماء ". فقال :" عليك بالصّعيد فإنّه يكفيك ". رواه البحاريّ برقم 348، ومسلم برقم 682.

وحديث عَمرو بن العاص حين كان جُنباً فتيمّم وصلّى بأصحابه، فبلغ ذلك النّبيّ فأقرّه ". رواه أبو داود برقم 334، وأحمد برقم 17812، وصحّحه النّوويّ، وقَوّاه ابن حجر، وقد مرّ.

وكيفية التيمّم من الجنابة هي مثل كَيْفية التّيمّم عن الحدث الأصغر.

8-هل يصلىّ بالتّيمّم أكثر من صلاة واحدة؟

اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

الأوّل: أنّه لا يجوز للمُتيمّم أن يصليّ بالتّيمّم الواحد أكثر من صلاة واحدة: وعزاه النّوويُّ لأكثر العلماء (المجموع ج2/340)، وحكاه ابن المنذر عن عليّ، وابن عبّاس، وابن عمر، والشّعبيّ، والنّخَعيّ، وقتادة، وربيعة، ويحي الأنصاريّ، ومالك، واللّيث، أحمد، وإسحاق. (الأوسط ج2/56-57، والمجموع ج2/340).

وذهب جمهور العلماء أنّه منْ تيمّم لنافلة لا يُصلّي بها الفريضة ولا نافلة أعلى منها.

وقال الشّافعيّ: يتيمّم لكلّ صلاة فرض، ويُصلّي الفرض والنّافلة وصلاة الجنائز بتيمّم واحد، ولا يجمع بين صلاتي فرض بتيمّم واحد في سفر ولاحضر.

ومذهب الحنابلة قريب من ذلك، إلّاأنّهم أجازوا صلاة أكثر من فريضة بتيمّم واحد إذا كان في وقت واحد، كقضاء الفوائت والصّلاة المجموعة. واستدلّوا ببعض الأثار عن الصّحابة وفيها نظر.

الثّاني: يجوز أن يصلّي بالتّيمّم الواحد أكثر من صلاة مالم يحدث. وبه قال أبو حنيفة، وسفيان الثّوريّ، وهو رواية عن أحمد، وبه قال سعيد بن المسيّب، والحسن، والزُّهريّ، وداود، والمُزنيّ، وابن حزْم، ورجّحه ابن المنذر، وابن تيميّة، والصّنعانيّ، والألبانيّ. قال المَرغينانيّ :" ويصلّي بتيمُّمه ما شاء من الفرئض والنّوافل". (الهداية ج1/28). وقال الصّنعانيّ:" والحقّ أن التّيمّم يقوم مقام الماء ويرفع الجنابة رفعاً مؤقّتاً إلى حال وُجدان الماء...". (سُبل السّلام ج1/212)

وسبب الخلاف في ذلك يرجع إلى المسألة المتقدّمة هل التّيمّم مُبيح أو رافع للحدث؟ فعلى الثّاني أنّ التّيمّم بدل من الماء عند عدمه فيُباح به الصّلاة وغيرها، ويصلّي بالتّيمّم الواحد ما تيسّر له من الفرائض والنّوافل، كما لا يُشترط دخول الوقت فيَتيمّم قبل دُخول الوقت ولا يبطل بخروج الوقت، وهذا أقرب وأظهر، لأنّ التّراب طهور كما أنّ الماء طهور، وقد قال :" إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ ". رواه أبوداود برقم 332، والتّرمذيّ برقم 124، والنّسائيّ برقم 323.

الثّالث: من صلّى الصّلوات في أوقاتها بتيمّم لكلّ صلاة، وإذا فاتته صلواتٌ يتيمّم ويُصلّيها بذلك التّيمّم، وبه قال أبو ثور. (الأوسط ج2/58)

قال ابنُ المُنذر :" وغير جائز أن يُقال له إذا صلّى نافلة: أنت طاهر، ويُمنع من أن يصلِّي المكتوبة لأنّه غيرُ طاهر، إلى أن قال: مع أنّ الطّهارة المُجمع عليها لا يجوز نقضها إلّا بسُنّة، أو إجماع، وقد أجمع أهلُ العلم على أنّ الأحداث التي تنقض طهارة المُتوضّئ بالماء تنقض طهارة المُتوضّئ بالصّعيد، وأجمعوا أنّ المتيمّم إذا قدر على الماء مثل دخوله في الصّلاة أنّ طهارته تنتقض، فوجب تسليم ذلك لإجماعهم، إلّا حرف شاذ حكي عن بعضهم لا معنى له ". (الأوسط ج2/59)

وقال ابن تيمية :" ولنا أنّه قد ثبت بالكتاب والسُّنّة أن التُّراب طهور، كما أنّ الماء طهور، وقد قال النّبيّ :" الصّعيد الطّيب طهور المسلم، ولو لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسّه بشرتك، فإنّ ذلك خير". فجعله مُطّهراً عند عدم الماء مُطلقاً، فدلّ على أنّه مُطهّر للمُتيمِّم، وإذا كان قد جعل المتيمّم مُطهّراً، كما أن المتوضّىء مُطهّر، ولم يقيّد ذلك بوقت، ولم يقل إنّ خروج الوقت يبطله، كما ذكر أنّه يبطله القُدرة على استعمال الماء، دلّ ذلك على أنّه بمنزلة الماء عند عدم الماء، وهو مُوجب الأصول، فإنّ التّيمّم بَدلٌ عن الماء، والبَدلُ يقوم مقام المُبدل في أحكامه، وإن لم يكن مُماثِلاً له في صفته...". (الفتاوى ج21/353،354). وقال ابن حزم :" والمتيمّمُ يصلّي بتيمُّمه ما شاء من الصّلوات: الفرض والنّوافل ما لم ينتقض تيمّمه بحدث أو بوجود الماء...". (المحلّى ج2/175). ونقل حُسين العَوايشة، عن الشّيخ الألبانيّ قوله:" وكلّ ما يُباح بالماء يُباح بالتيمّم ". (الموسوعة الفقهية الميسّرة ج1/245). وقال ابن باز :" يقوم التّيمّم مقام الماء في رفع الحدث على الصّحيح، فإذا تيمّم صلّى بهذا التّيمّم النّافلة والفريضة الحاضرة والمستقبلة، ما دام على طهارة حتى يُحدث، أو يجد الماء إن كان عادِماً له، أو يستطيع استعماله إذا كان عاجزا عن استعماله ". (الاختيارات الفقهية ص 36).

9- هل يجوز التّيمّم مُراعاة لخروج الوقت؟ صورة المسألة: إذا كان الماء موجوداً، إلّاأنّه إذا اشتغل بتحصيله واستعماله فات الوقت، كجُنب في يوم بارد يحتاج إلى تسخين الماء، أو من كان بقُرب بئر إذا استقى منه خرج الوقت، أو كان يعلم إذا وصل إلى الماء خرج الوقت ونحوه.... فهل له أن يتيمّم في مثل هذا الحال؟: فيها قولان للعلماء:

الأوّل: لا يباح له التّيمّمُ، سواء كان حاضراً أو مسافراً، وبه قال أكثر العلماء منهم: أبو حنيفة، ومالك في رواية، والشّافعيّ، وأحمد، وأبو ثور، وابن المنذر، والشُّوكانيّ، والألبانيّ. (الأوسط ج2/30)

وحجّتهم:

1- قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمّموا﴾ النّساء: 43، وهذا يعتبر واجداً للماء.

2- حديث أبي ذر المتقدّم الذي رواه التّرمذي وغيره.

3- ولأنّه قادرٌ على الماء فلم يجز له التّيمّم كما لو لم يخف فوْت الوقت.

4- ولأنّ الطهارة شرط فلم يبح تركها خيفة فوْت وقتها كسائر شرائطها.

قال الشُّوكانيّ في الدّراري المُضيئة ج1/78:" وأمّا ما قيل من أنّ فوات الصّلاة باستعمال الماء وإدراكها بالتّيمّم سبب من أسباب التيمّم، فليس على ذلك دليل، بل الواجب استعمال الماء، وهو إن كان تراخيه عن تأدية الصّلاة، إلى ذلك الوقت لعُذرٍ مُسوّغ للتّأخير، كالنّوم، والسّهو، ونحوها، فلم يوجب الله تعالى عليه إلاّ تأدية الصّلاة في ذلك الوقت بالطّهور الذّي أوجبه الله تعالى عليه، وإن كان التّراخي لا لعُذر إلى وقت لو استعمل الوضوء فيه، لخرج الوقت، فعليه الوضوء وقد باء بإثم المعصية ". (الدّراري المضيئة ج1/78)

قال الألبانيّ :" هذا هو الذي اطمأنّت إليه نفسي وانشرح له صدري وإن كان شيخ الإسلام وغيره قالوا: إنّه يتيمّم ويُصلّي ". (تمام المنّة 132-133).

الثّاني: يباح له التّيمّم، وبه قال مالك في المشهور، والشّافعيّ في الأظهر، والحسن، وعطاء، والأوزاعيّ، والثّوري وزُفـٓر وهو رواية عن أحمد. قال أحمد الشّنقيطيّ في مواهب الجليل ج1/98:" أي لما في المُدوّنة، وهو قال: وسألت مالكاً عن الرّجل تغيب الشّمس، وقد خرج من قريته يريد قرية أخرى، وهو فيما بين القريتين على غير وضوء، وهو غير مسافر، قال: إن طمع أن يُدرك الماء قبل مَغيب الشّفق مضى إلى الماء، وإن كان لا يطمع بذلك تيمّم وصلّى ".

واختار ابن تيمية: إن استيقظ آخر وقت الصّلاة وهو جُنُب، وخاف إن اغتسل خرج الوقت، اغتسل وصلّى ولو خرج الوقت وكذا من نسيّها، بخلاف من استيقظ أوّل الوقت فليس له أن يفوّت وقت الصّلاة، بل يتيمّم ويُصلّي. (التّعليق على بداية المجتهد ص454).

وحجّتهم:

1- أنّ التّيمّم إنّما ورد في المسافر، والمريض لإدراك وقت الصّلاة، فليلتحق بهما الحاضر إذا لم يقدر على الماء.

2- أنّه عاجز في الحال، والقُدرة بعد الوقت لا تؤثّر، كما لو كان مريضاً عاجزاً عن استعماله في الوقت، ويغْلبُ على ظنّه القُدرة بعده.

والقول الأوّل أحوط، وأبْرٓأ للذّمّة.

وهل لمن خاف فوات صلاة الجنازة أو العيد أن يتيمّم: ثلاثة أقوال:

الأوّل: ليس له أن يتيمّم لما يخاف فواته من هذه الصّلوات إذا كان واجدا للماء قادرا على استعماله، لأنّه مُنشغل بشرطها، وهو الوضوء. وهو مذهب مالك، والشّافعيّ، وأحمد، وبه قال أبو ثور، واختاره ابن المُنذر. (الأوسط ج2/71)

الثّاني: يجوز له التّيمّم من أجل تحصيل هذه العبادات. رُوي عن ابن عمر، وابن عبّاس، وبه قال النّخعيّ، والحسن، والزُّهريّ، واللّيث، وسعد بن إبراهيم، ويحي الأنصاريّ، وربيعة، وسُفيان، وإسحاق، وأصحاب الرّأي، كذا قالوا في الجنازة، والعيد. (الأوسط ج2/70-71) واختاره ابن تيمية، حيث قال:" أصحُّ أقوال العلماء أنّه يتيمّم لكلّ ما يُخاف فواته كالجنازة، وصلاة العيد، وغيرها، فإنّ الصّلاة بالتّيمّم خير من تفويت الصّلاة، كما أن صلاة التّطوّع بالتّيمّم خير من تفويته ". (مجموع الفتاوى ج21/437). (وانظر الفقه الميسّر ج1/137)

وقال ابنُ المُنذر :" وفي المسألة قول ثالث، قاله الشّعبيّ، قال:" يصلّي عليها على غير وُضوء ليس فيها رُكوع ولا سُجود ". (الأوسط ج2/71)

10-نواقض التّيمّم:

1- ينقض التّيمّم كلّ ما ينقض الوضوء لأنّه يقوم مقامه. قال الحسن البصريّ :" يجزِئه التّيمّم مالم يُحدث ". رواه البخاريّ مُعلّقاً، وقال ابن حَجر في الفتح ج1/593:" وصله عبد الرّزّاق، وابن أبي شيْبة، وسعيد بن منصور ". وصحّحه الألبانيّ في مختصر صحيح البخاريّ ج1/96.

وقال ابن حزم :" كلُّ حدث ينقض الوضوء فإنّه ينقض التّيمّم ". (المُحلّى ج1/351).

وقال المرغينانيّ :" وينقض التّيمّم كلّ شيء ينقض الوضوء ". (الهداية ج1/28)

2- وجود الـماء إن كان التّيمّم لعدمه: لقوله :" إنّ الصّعيد الطّيب وضوء الـمسلم وإن لم يجد الـماء عشر سنين، فإذا وجد الـماء فليمسّه بشرته فإنّ ذلك هو خير ". رواه أحمد 21568، وأبو داود برقم 332، والتّرمذيّ برقم 124، والنّسائيّ برقم 322، وصحّحه ابن حبّان، والدّارقطْنيّ، وأبو حاتم، والحاكم، والذّهبيّ، والنوويّ، والألبانيّ في الإرواء برقم 153.

ومن تيمّم لفقد الـماء ثمّ وجده فما حكم صلاته؟

هذه الـمسألة لها ثلاث حالات:

الأولى: أن يجده بعد الصّلاة وبعد خروج الوقت: فهذا لا إعادة عليه إجماعاً، حكاه ابن الـمنذِر، حيث قال:" أجمع العلماءُ على أنّ من تيمّم صعيداً طيِّباً كما أمر الله، وصلّى ثمّ وجد الماء بعد خُروج وقت الصّلاة، لا إعادة عليه ". (الأوسط ج2/63)

الثّانية: أن يجد الـماء بعد الصلاة وقبل خروج الوقت: فهذا لا إعادة عليه على القول الرّاجح، لحديث أبي سعيد الخدري قال:" خرج رجلان في سفر فحضرت الصّلاة وليس معهما ماء، فتيمّما صعيداً طيّباً فصلّياَ، ثمّ وجدا الـماء في الوقت، فأعاد أحدُهما الصّلاة والوضوء، ولم يُعِدِ الآخرُ، ثمّ أتيا رسول الله فذكرا ذلك له، فقال للّذي لم يُعِد:" أصبْتٓ السّنّة وأجزأتْك صلاتُك «، وقال للآخَر:" لك الأجر مَرّتين ". رواه أبو داود برقم338، والنَّسائيّ برقم 433، وصحّحه الألبانيّ في أبي داود برقم 327، ومحمّد عليّ الإتيوبيّ في ذخيرة العقبى ج5/397. -أي: مرّة لصلاته الأولى، ومرّة لصلاته الثّانية، فإنّ كلّاً منهما صحيحة يترتّب عليها الـمَثوبة، وإن كانت إحداهما فرضاً، والأخرى نفلاً. (ذخيرة العُقبى ج5/396)

قال ابن المنذر :" فعل ذلك ابنُ عُمر ". وبه قال: الشّعبيّ، والنّخعيّ، وأبو سلمة بن عبد الرّحمن، ومالك، وسفيان، والشّافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرّأي. قال: وبه نقول ". (الأوسط ج2/64-65). وقال الخِرَقيّ :" فإن تيمّم في أوّل الوقت وصلّى أجزأه، وإن أصاب الماء في الوقت ". (المغني ج1/319)

وقيل: تلزمه الإعادةُ إذا وجد الـماء في الوقت، وبه قال جماعة من التٌابعين، منهم طاوس، وعطاء، والقاسم بن محمّد، ومكحول، وابن سيرين، والزُّهريّ، وربيعة. (الأوسط ج2/63، والمغني ج1/320)

وقيل تستحب له الإعادة، وليس ذلك بواجب، وبه قال الأوزاعيّ. (الأوسط ج2/63)

والحديث نصٌّ في محلّ النِّزاع.

الثّالثة: أن يجد الـماء أثناء الصّلاة: ففيها خلاف:

ذهب مالك، والشّافعيّ، وداود، وأحمد في رواية، وأبو ثوْر، والطّبريّ، وابن الـمنذر، إلى أنّه يتمادى في الصّلاة وتجزيه، فإذا فرغ توضّأ للصّلاة الأخرى بذلك الـماء. (الأوسط ج2/65، والمغني ج1/347) وقالوا:

1- لأنّه لم تثبت في ذلك سُنّة توجب عليه قطْع صلاته بعد دخوله فيها، ولا إجماع يجب التّسليم له.

2- ولأنّه شرع في الـمقصود والغاية وهي الصّلاة، لأنّه تيمّم لها، وإذا كان كذلك، فقد شرع فيها على وجه مأذون فيه شرعاً، وهي فريضة من الفرائض، لا يجوز الخروج منها إلا بدليل واضح أو ضرورة، وقد قال -تعالى- ﴿لا تبطلوا أعمالكم﴾ محمد: 38.

3- ولأنّ الأحاديث الـمذكورة قد يُراد بها ما إذا وجد الـماء قبل الشّروع في الصّلاة، وإذا وُجد الإحتمال بطُل الإستدلال، أي أنّ الأحاديث تحتمل هذا وتحتمل أنّها تشمل الصّورة الثّالثة أثناء الصّلاة.

4- ولأنّ كل صلاة جاز له الـمُضِي فيها مع عدم الـماء، جاز له الـمُضِيُّ فيها مع وجوده.

وذهب أبو حنيفة، والثّوريّ، وأحمد، والـمُزَنيّ، وابن حزم إلى أنّ من طرأ عليه الـماء وهو في الصلاة أو وجده أو علمه في رحله وهو في الصّلاة قطع وخرج إلى استعماله، ثمّ استقبل صلاته ولم يَجز له أن يتمادى في صلاته مُتيمّماً وقد وجد الـماء. (المغني ج1/347).

واحتجوا بما يلي:

1- عموم قوله - تعالى-: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمّموا صعيداً طيّباً...﴾ النّساء: 43. وهذا وجد ماءً فبطل حكم التّيمّم وإذا بطل حكم التّيمّم بطلت الصّلاة.

2- حديث:" فإذا وجد الـماء فليتّق الله وليمسّه بشَرته ". وقد تقدّم. قال ابن قُدامة :" دلّ بمفهومه على أنّه لايكون طهورا عند وجود الماء، وبمنطوقه على وجوب امساسه جلده عند وجوده ". (المغني ج1/348) وقال الألبانيّ:" فإذا وجد الـماء فليُمسّه بشَرته، تشمل من كان في الصّلاة أيضاً ". (الموسوعة الفقهية الميسّرة في الهامش ج1/225)

3- بأنّ التّيمّم بَدلُ عن طهارة الـماء عند فقده، فإذا وُجد الـماء زالت البدلية، فيزول حكمها فحينئذٍ يجب عليه الخروج من الصّلاة للوضوء واستئناف الصّلاة من جديد.

4- زوال العذر الذي من أجله شرع التيمّم من مرض ونحوه.

وهذا القول أحوط، لأنّ فعل الصلاة بالوضوء صحيحة عند الفريقين، وأيّده ابن القيّم بناء على قاعدة ذكرها وهي:" أنّ ما بطل حُكمُه من الأبدال بحصول مُبدله لم يبق مُتعبّداً به بحال، فإن وجود المبدل بعد الشُّروع فيه كوجوده قبل الشّروع فيه، وما لم يبطل حكمه رأساً، بل بقي مُعتبراً في الجُملة لم يبطله وجود المُبدل بعد الشُّروع فيه...". (بدائع الفوائد ج4/28، ومِنحة العلاّم ج1/97-98). وقال ابن رشد:" وهم أحفظُ للأصل، لأنّه أمرٌ غير مُناسب للشّرع أن يوجد شيء واحد لا ينقض الطّهارة في الصّلاة، وينقضها في غير الصلاة ". (بداية المجتهد ص 448)

11- مسألة إمامة الـمُتيمّم للمُتوضّىء: فيها أقوال:

الأوّل: يجوز للمُتيمّم إمامةُ الـمُتوضّئ، وهو قول جمهور العلماء، ويؤيّده حديثُ عَمرو بن العاص :" أنّه تيمّم عن الجنابة من شِدّة البرد، فقال له رسول الله :" صَلَّيْتَ بأصحابك وأنت جُنُب فقال عَمْرو:" إنّي سمعت الله يقول: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ فضحِك النّبيّ ولم ينكر عليه ". رواه أحمد برقم 17812، وأبو داود برقم 334، والحاكم برقم 629، وصحّحه النّوويّ، وقَوَّاه ابن حَجَر. (الفتح ج1/603)

وفعلُ ابن عبّاس كما في حديث رواه ابن أبي شيْبة والبيْهقيّ: أنّه كان في سَفر معه أصحاب النّبيّ فيهم عمّار فصلّى بهم، وهو مُتيمّم ". قال العَينيّ في عُمدة القارِي ج4/24: إسناده صحيح، وصحّحه القسطلانيّ في إرشاد السّاري ج1/373

الثّاني: لا يؤُمّ الـمُتيمّم المتوضّىء، وبه قال عطاء، وربيعة، والنّخَعـِيّ، والحسن بن حيّ، ومحمّد بن الحسن. وحجّتهم: أنّ شأن الإمامة الكمال، وطهارة التّيمّم طهارة ضرورة. (الأوسط ج2/68) واحتجّوا بخبر عن عليّ ﵁، قال ابن المُنذر:" وحديث عليّ لا يثبت ". (الأوسط ج2/69)

الثّالث: لا يؤمّهم إلاّ أن يكونوا في التّيمّم مثله، إلّا أن يكون أميراً مُؤمّرا، فإن كانت إمامُته على غير تأمير أمّهم المُتوضِّئ، وبه قال الأوزاعيّ. (الأوسط ج2/69، والتّعليق عل بداية المجتهد ص 453).

والأوّل أقوى وأرجح. قال ابن المنذر :" فعل ذلك ابنُ عبّاس وهو جُنب مُتيمّم، وخَلفه عمّار بن ياسر في نَفَر من أصحاب النّبيّ ، وبه قال ابن المُسيّب، والحسن، وعطاء، والزُّهريّ، وحمّاد، ومالك، وسفيان، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والنُّعمان، ويعقوب، واحتجّ أحمد بفعل ابن عبّاس ". (الأوسط ج2/67-68) وقال العثيمين :" نعم تصحّ، لكن المتوضّىء أولى إذا تساووا في الصّفات الأخرى المعتبرة في الإمامة...". (مجموع الفتاوى والرسائل ج15/174)

12 مسألة: من فقد الطّهورين -يعني الـماء والتّيمّم - هل يصلّي؟:

فعن الـمالكيّة أقوال: الـمشهور منها أنّ الصّلاة تسقط عليه أداءً وقضاء كما في مختصر خليل:" وتسقط صلاة وقضاؤها بعدم ماء وصعيد ". (شرح خليل المسمّى النّصيحة ج1/122). ونقل ابنُ قدامة في المغني ج1/328 عن ابن عبد البرّ إنكار

هذه الرّواية عن مالك.

وقال ابن القاسم : يجب الأداء والقضاء للاحتياط. وقال أشهب: يجب أداؤها فقط. وقال أصبغ: يجب قضاؤها فقط. (التّسهيل لمعاني مختصر خليل ج2199).

وعند الشّافعية: أربعة أقوال: الأوّل: لا يصلّي ويجب القضاء. والثّاني: يصلّي كما هو، ويُعيد الصلاة وجوباً، وصحّحه النوويّ. الثّالث: لاتجب الصّلاة بل تُستحبّ ويجب القضاء. الرّابع: تجب الصّلاة في الحال على حسب حاله، ولا تجب الإعادة. (المجموع ج2/321).

وعند أبي حنيفة: قال: في الـمحبوس: إذا لم يجد ماءً ولا تراباً نظيفاً لم يصلِّ فإذا وجد ذلك صلّى.. وقالا: يتشبّه بالمصلّين وجوباً فيركع ويسجد إن وجد مكانا يابسا، وإلاّ يوميء قائما ثمّ يعيد كالصّوم. به يُفتى وإليه صحّ رجوعه أي الإمام كما في الفيض. (ردّ المُحتار ج1/423).

وعند أحمد: أنّه يصلّي ولا يعيد. (المغني ج1/327، والمجموع ج2/325)

قال ابن تيمية في:" إذا لم يقدر على استعمال الـماء ولا على التّمسُّح بالصّعيد فإنّه يصلّي بلا ماء ولا تيمّم عند الجمهور، وهذا أصح القولين. وهل عليه الإعادة؟ على قولين: أظهرهما: أنّه لا إعادة عليه فإنّ الله يقول: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم...﴾ التّغابُن 16، وقال النّبيّ :" إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم «. رواه البخاريّ، ولم يأمر العبد بصلاتين، وإذا صلّى قرأ القراءة الواجبة. والله أعلم ". (الفتاوى المصرية ج1/303) وقال:" ومن لم يجد ماء ولا تراباً، أو وجدهما وعجز عن الوضوء والتّيمّم، إمّا لقروح ببدنه، وإمّا لعجزه عن فعل الطّهارتين وعدم من يُطّهره، فإنّه يصلّي على حسب حاله، لما روت عائشة أنّها استعارت من أسماء قِلادة فهلكت، فبعث رسول الله رجالاً في ظنِّها، فوجدوها، فأدركتهم الصّلاة وليس معهم ماء، فصلّوا بغير وضوء. فلمّا أتوا رسول الله شكوا ذلك إليه، فأنزل الله تعالى آية التّيمّم ". رواه الجماعة إلاّ التّرمذيّ. فصلّوا بغير طهارة للضّرورة، فكذلك كلّ من عجز عن الطّهارة «. (شرح العُمدة ج1/518)

بسم الله الرّحمن الرّحيم