السٌّؤر: هو ما بَقِيَ في الإناء بعد شُرْب الشّارب منه أو أكله، ومراد الفُقهاء بقولهم سُؤر الحيوان طاهر أونجس: لُعابه ورُطوبة فمه. (المجموع ج1/225) فالآدميّ طاهر وسُؤره طاهر. وكذلك سؤر الجُنب والحائض، لقول الرّسول :" المؤمِن لا يَنجُس ". رواه مسلم برقم 371. وكانت عائشة تشرب من الإناء وهي حائض فيأخذه رسول الله فيضَع فَاه على موضع فِيها ". رواه مسلم برقم 300. قال في بداية المبتدئ:" وسُؤر الآدميّ وما يؤكل لحمه طاهر ". (الهداية ج1/24) وقال مُصطفى ديب البُغا:" كل ذي روح حيّاً فإنّه طاهر، آدميّ كان أم غيره، مُسلماً كان أم غير مسلم ". (التُّحفة الرّضيّة في فقه السّادة المالكية ص15). وقال ابن قُدامة :" الآدميّ، الصّحيح في المذهب أنّه طاهر حيّاً وميّتاً، لقول النّبيّ :" المؤمن لا ينجس ". متّفق عليه ". (المغني ج1/63) وقال:" الآدميّ، فهو طاهر في نفسه، وسؤره وعَرقه ". (المغني ج1/69).
وقد أجمع العُلماءُ على طَهارة سُؤر ما يُؤكَلُ لَحمُه من الأنعام وغيرها. قال ابن المنذر :" أجمع أهل العلم على أنّ سؤر ما أُكِل لحمه يجوز شُربه، والوضوء به ". (المغني ج1/70). وقال الصّنعانيّ :" وقيل هوإجماع، وهو أيضاً الأصل ". (سُبل السّلام ج1/63).
وأمّا سؤر الهِرّة فطاهر لِمَشقّة التَحرُّزِ منها لأنّها تخالط النّاس كثيراً، كما قال النّبيّ :" إنّها ليست بنَجِس إنّما هي من الطَّوَّافين عليكم والطَّوّافات ". رواه أبو داود برقم 75، والتِّرمذيّ برقم 92، والنّسائيّ برقم 68، وابن ماجه برقم 367 ومعنى الطّوّافين: أي تُكثِر الدُّخول على النّاس ولو بغير إذنهم وتَستعمل الأواني، فلهذا خُفِّفَ في سُؤرها. وبه قال مالك وأصحابُه، والشّافعيّ، وأحمد، والأوزاعيّ، وأبو يوسف، والحسن بن صالح بن حيّ. قال ابن عبد البرّ :" وهذا قول مالك وأصحابه، والشّافعيّ والأوزاعيّ، وأبي يوسف القاضي، والحسن بن صالح بن حيّ ". (ذخيرة العقبى ج2/112) وقال محمّد بن نصر المروزيّ :" الذي صار إليه جُلّ أهل الفتوى من عُلماء الأمصار من أهل الأثر والرّأي جميعاً أنّه لا بأس بسؤر السِّنّور اتّباعاً للحديث الذي رُوّيناه -يعني حديث أبي قتادة - عن النّبيّ ". (ذخيرة العقبى ج2/132) ويلحق بها ما دونها في الخِلقة مثل الحيّة والفأرة والعقرب ونحو ذلك. قال ابن شاس المالكيّ في الجواهر:" الحيوان الذي شأنه أكل النّجاسة الملازم لنا -الهرّ والفأرة- يقضى بطهارته حتّى تتعيّن نجاسته ". (الذّخيرة ج1/180) وقال ابن قُدامة :" السِّنّور وما دونها في الخِلقة، وابن عِرس-يشبه الفأر-، فهذا ونحوه من حشرات الأرض سؤره طاهر، ويجوز شُربه والوضوء به ". (المغني ج1/70).
وقال أبو حنيفة : يُكره سُؤرها. قال المَرغيناني :" وسُؤر الهِرّة طاهر مكروه، وعن أبي يوسف أنّه غير مكروه، لأنّ النّبيّ : كان يُصغي لها الإناء فتشرب منه ثمّ يتوضّأ به. ولهما-أي أبو حنيفة ومحمّد- قوله :" الهرّة سَبُع، والمراد بيان الحكم دون الخِلقة والصّورة، إلّا أنّه سقطت النّجاسة لِعلّة الطّواف، فبقيت الكراهة. وما رواه محمول على ما قبل التّحريم ". (الهداية ج1/25) وقال النوويّ :" وكَره أبوحنيفة، وابن أبي ليلى سؤر الهرّة، وكذا كَرهه ابن عمر، وقال ابن المُسيِّب، وابن سِيرين: يُغسل الإناءُ من وُلوغه مرّةً، وعن طاوس قال: يُغسل سبعاً. وقال جمهور العلماء لا يُكره، كقولنا ". (المجموع ج1/225) وقال أيضاً:" وأمّا الهرّة، فاستدلّ أصحابُ أبي حنيفة لكراهة سُؤرها بحديث أبي هريرة عن النّبيّ قال:" يغسل الإناء من وُلوغ الكلب سبعاً ومن وُلوغ الهرّة مرّة "، ولأنّها لا تجتنب النّجاسة فكُرِه سؤرها ". (المجموع ج1/175)
وأمّا سُؤر الكلب فنجس، لحديث أبي هريرة أنّ رسول الله قال:" طَهور إِناء أحدكم إذا وَلَغَ فيه الكلب أن يغسِله سبعَ مرّات أُولاهن بالتُّراب ". رواه ومسلم برقم 279. ومعنى وَلغ: شرب منه بلسانه. وبه قال سفيان الثّوريّ، وأبو حنيفة، وأصحابه، واللّيث بن سعد، والشّافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبوعُبيد، وأبو ثور، ومحمّد بن جرير الطّبريّ، وأكثر أهل الظّاهر، ومالك في رواية ابن وهب عنه.
وذهب عِكرمة، ومالك في المشهور عنه، وداود إلى طهارته. قال مالك:" يُؤكل صيده، فكيف يكره لُعابه ". (التّسهيل لمعاني مختصر خليل ج1/133) وقال ابن عبد البرّ :" جملة ما ذهب إليه مالك، واستقرّعليه مذهبه عند أصحابه أنّ سؤرَ الكلب طاهر، ويغسل الإناء من وُلوغه سبعاً تعبّداً، واستحباباً أيضاً لا ايجاباً ". (ذخيرة العُقبى ج2/83). وقال ابن رُشد :" فذهب مالك في الأمر بإراقة سؤر الكلب، وغسل الإناء منه إلى أنّ ذلك عبادة غير مُعلّلة، وأنّ الماء الذي يلغ فيه ليس بنجس ولم ير إراقة ما عدا الماء من الأشياء التي يلغ فيها الكلب في المشهور عنه...». (بداية المجتهد ج1/59)
وأمّا أسآر السِّباع والحُمر ونحوهم: فهي طاهرة عند الجمهور.
قال خليل في مختصره:" والحيُّ ودَمعه وعَرقه ولُعابه ومُخاطه وبَيضه، ولو أكل نجساً ". (التّسهيل ج1/63-64) وقال مُصطفى ديب:" وسواء كان غير الآدميّ مأكول اللّحم أم ليس مأكولاً، ولو كان كلباً أو خنزيراً ". (التُّحفة الرّضيّة ص15). قال القرافيّ :"وفي الجواهر:" الحيُّ كلّه طاهر عملاً بالأصل ". (الذّخيرة ج1/172).
وقال النوويّ :" ومذهبنا أنّ سؤر الهرّة طاهر غير مكروه، وكذا سؤر جميع الحيوانات من الخيل والبِغال والحَمير والسِّباع والفأرة والحيّات وسامّ أبرص-من كبار الوزغ-، وسائر الحيوان المأكول وغير المأكول، فسؤرُ الجميع وعَرقه طاهر غير مكروه إلاّ الكلب والخنزير وفرع أحدهما، وحكى صاحبُ الحاوِي مثلَ مذهبنا عن عمر بن الخطاب، وعليّ، وأبي هريرة، والحسن البصريّ، وعطاء، والقاسم بن محمّد ". (المجموع ج1/225). واختاره محمّد عليّ الإتيوبيّ في ذخيرة العقبى ج2/120.
وقالت الحنفية والحنابلة: هي نجسة. قال بُرهان الدّين المَرغينانيّ :" وسُؤر الخنزير نجس، وسُؤر سِباع البهائم نجس، وسُؤر الهرّة طاهر مكروه، والدّجاجة المخلاة-أي المرسلة-، وسِباع الطّير، وما يسكن البيوت كالحيّة والفأرة مكروه، وسؤر الحمار والبغل مشكوك فيه، فإن لم يجد غيرهما يتوضّأ بهما ويتيمّم ويجوز أيّهما قدّم، وسُؤر الفرس طاهر عندهما، وكذا عنده في الصّحيح ". (الهداية ج1/24-25) وقال ابن قدامة :" النّوع الثّاني: ما اختُلف فيه، وهو سائر سِباع البهائم إلاّ السِّنّور وما دونها في الخِلقة، وكذلك جوارح الطّير، والحمار الأهليّ والبغل، فعن أحمد: أنّ سؤرها نجس، إذا لم يجد غيره تيمّم، وتركه ". (المغني ج1/66). وقال شرفُ الدّين الحجّاوي :" وسِباع البهائم والطّير والحمار الأهليّ والبغل منه نجِسة ". (الرَّوض المُربِع ج1/142)
واحتجّ من منع طهارتها:
بحديث ابن عمر قال:" سُئل النّبيّ عن الماء وما ينوبه من الدّوابّ والسّباع، فقال رسول اللّه :" إذا كان الماء قُلّتين لم يحمل الخبث ". رواه أبوداود برقم 63، والتّرمذيّ برقم 67، والنّسائيّ برقم 52، وابن ماجه برقم 517، وصحّحه الشّافعيّ، وأحمد، وأبوعُبيد القاسم بن سلاّم، والطّحاويّ، والدّارقطنيّ، وابن دقيق العيد، وعبد الحقّ، وابن خُزيمة، وابن حِبّان، والحاكم. قالوا: هذا يدلّ على أنّ لِورود السّباع تأثيراً في تنجيس الماء. قال ابن التُّركمانيّ في الجوهر النَّقيّ:" وظاهره يدلّ على نجاسة سؤر السّباع، إذ لولا ذلك لم يكن لهذا الشّرط فائدة، ولكان التّقييدبه ضائعاً ". (تمام المنّة ص48). وحديث أنس أنّ النّبيّ قال في الحُمُر يوم خيبر:" إنّها رجسٌ ". رواه البخاريّ برقم 4198، ومسلم برقم 1940. والرِّجسُ: النّجس ". (الرَّوض المربع ج1/143)
ولأنّه حيوان لَبنه نجس فكذا سؤره كالكلب. (المجموع ج1/225).
واحتجّ من قال بطهارتها:
بحديث جابر:" سُئل النّبيّ :" أنتوضّأ بما أفضلت الحُمُر؟ قال: نعم وبما أفضلت السِّباع كلّها ". رواه الشّافعيّ في الأمّ ج2/19، والدّارقطنيّ ج1/62، والبيهقيّ في الكبرى برقم 1179. (المغني ج1/67، وتمام المنّة ص 47). وضعّفه النوويّ في المجموع ج1/226، وقال الألبانيّ:" ثمّ إنّ متن الحديث مُنكر لمخالفته لحديث القُلّتين ". (تمام المنّة ص 47)
وبحديث أبي قتادة في الهرّة، رواه أبو داود برقم 75، والتّرمذيّ برقم 92، والنّسائيّ برقم 68، وابن ماجه برقم 367، وصحّحه البخاريّ، والتّرمذيّ، وابن خُزيمة، والعُقيليّ، والدّارقطنيّ، والحاكم. (مِنحة العلاّم ج1/60).
وبحديث يحي بن عبد الرّحمن بن حاطب، أنّ عمر بن الخطّاب خرج في رَكب، فيهم عَمرو بن العاص، حتّى وردوا حَوضاً، فقال عَمرو بن العاص لصاحب الحَوض: يا صاحب الحوض، هل ترِد حوضك السِّباع؟ فقال عمر بن الخطّاب:" يا صاحب الحوض لا تخبرنا، فإنّا نَرِد على السِّباع، وترِد علينا ". رواه مالك برقم 41، وعبد الرّزّاق برقم 250. قال النوويّ :" وهذا الأثر إسناده صحيح إلى يحي بن عبد الرّحمن، لكنّه مُرسل منقطع ". (المجموع ج1/226). قال الألبانيّ:" لأنّ حاطب هذا لم يُدرك عمر، فإنّه وُلد في خلافة عُثمان ". (تمام المنّة ص49). قال النوويّ :" وموضع الدّلالة أنّ عمر قال نرِد على السّباع وترِد علينا، ولم يخالفه عمرو ولا غيره من الصّحابة ". (المجموع ج1/226). وقال القاضي أبو الوليد الباجيّ :" ويَحتمل قوله فإنّا نرد على السّباع وترد علينا، مَعنيين: أحدهما: قصد تَبيين عِلّة منع الاعتبار بِوُرودها، لأنّ ما لا يُمكن الاحتراز منه فمعفوٌّ عنه. والمعنى الثّاني: أنّ وُرودَ السِّباع علينا وورودنا عليها مُباحٌ لنا ". (المُنتقى ج1/146).
وبالقياس على أنّه حيوان يجوز بيعه، فكان سُؤره طاهراً كالشّاة. (المجموع ج1/226).
والقول بنجاسة سُؤرها أقوى إلاّ أنّه يُستثى من ذلك ما لا يُمكن التّحرُّز منه، كالبَغل، والحمار، واختاره ابن قُدامة، حيث قال :" والصّحيح عندي: طهارة البغل والحمار، لأنّ النّبيّ كان يركبها، وتُركب في زمنه، وفي عصر الصّحابة، فلو كان نجِساً لبيّن النّبيّ ذلك، ولأنّهما مِمّا لا يُمكن التّحرُّز منهما لِمُقتنيهما، فأشبه السِّنّور، وقول النّبيّ في الحُمُر:" إنّها رِجس ". أراد أنّها مُحرّمة، كقوله تعالى في الخَمر والميسر والأنصاب والأزلام إنّها ﴿رِجس﴾، ويحتمِل أنّه أراد لحمها الذي كان في قُدورهم، فإنّه نجس، لأنّ ذبح ما لا يحلّ أكله لا يُطهِّره ". (المغني ج1/68-69) والعُثيمين، حيث فقال :" ومعلوم أنّ تطواف الحمير على النّاس أكثر من تطواف الهِرّة، والعلّة ثابتة في الهرّة ومُوجبة للتّطهير، فكذلك العِلّةُ في الحُمُر، وهذا القول هو الصّحيح. ويدلّ لهذا أنّ النّبيّ وأصحابه كانوا يركبون الحمير، وراكبُ الحمار لا يخلو من بَلل، إمّا عَرق منه أو من الحمار أو إصابة ماء السّماء أوغير ذلك، ثمّ الحُمر تشرب وتنفض رأسها بعد الشُّرب ويتطاير الماء على من حولها، وهذا لا شكّ أنّ فيه مشّقة، لا سيِّما على من يُمارسها كثيراً، والدّين لا يأتي بالمشقّة، إنّما هو رفعٌ للحرج والمشقّة. وهذا القول، هو القول الرّاجح: أنّ رِيقها وما يخرج من أنفها، وما يخرج من عينها من دَمع، وعرقها، كلّه طاهر، لأنّ هذه الحُمر من الطّوّافين علينا، وقد قال النّبيّ في الهرّة:" إنّها من الطّوّافين عليكم ". (فتح ذي الجلال ج1/196-197).
وقال محمّد عليّ الإتيوبيّ :" عندي أنّ الذي صحّحه العلّامتان ابنُ قدامة، والنوويُّ من طهارة البَغل والحمار هو الصّحيح، لأنّهما كانا يُركبان في عهده ، وبعده، فلو كانا نجسين لبيّن ذلك، لِشدّة الحاجة إليه،..." (ذخيرة العُقبى ج2/119-120)
بسم الله الرّحمٰن الرّحيم