معنى الأدب: يقع على كلِّ رياضة مَحمُودة يتخرّج بِها الإنسان في فضيلة من الفضائل. والجمع آداب مثل سبب وأسباب. قاله أبو زيد الأنصاري. (توضيح الأحكام ج1/257).
معنى قضاء الحاجة: يُكنى بها عمّا يَقبُح التَصريح بذِكره من بَول وغائط.
الاستنجاء لُغةً: قال الخطّابي :" هو الذّهاب إلى النّجوة من الأرض لقضاء الحاجة، والنّجوة المرتفعة من الأرض كانوا يستترون بها إذا قعدوا للتخلّي ". (ذخيرة العُقبى ج1/450). وقال عِياض :" إنّه مأخوذ من نجوت العُود إذا قشّرته فكأن المستنجي يقشّر ما على المحلّ من الأذى ". (المبسّط ج1/162). وقال عبد الله الفوزان:" الاستنجاء: إزالة النّجو، وهو العَذِرة ". (مِنحة العلاّم ج1/384)
وفي الاصطلاح: هو إزالة الخارج من السّبِليلَيْن بالماء.
الاستجمار لُغةً: من الجِمار وهي الحجارةُ الصّغيرة، لأنه يستعملها في استجماره. (المغني ج1/205). وقيل: من الاستجمار بالبخور والمجمر، لأنّه يطيّب المحلّ كما يطيّب البخور. (المبسّط ج1/162).
وفي الاصطلاح: هو إزالة الخارج من السَّبِيلَيْن بحجر أو وَرَق أو نحوهما. قال النوويّ :" فأمّا الاستجمار فمُختصّ بالمسح بالأحجار...". (شرح مسلم ج3/119)
1- يُسنّ للدّاخل إلى الخلاء أن يُسمّي لحديث عليّ قال: قال رسول الله :" سَتْرُ ما بين الجنّ وعَوْراتِ بني آدم إذا دخل الخلاء أن يقول:" بسم الله ". رواه التِّرمذيّ برقم 605، وابن ماجه برقم 297، وحَسّنه أحمد شاكر، وصحّحه الألبانيّ في إرواء الغليل برقم 50.
2- يُسنّ عند دخول الخلاء تقديمُ رِجله اليُسرى وقَول:" اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الخُبُثِ والخَبائث ". رواه البخاريّ برقم 142، ومسلم برقم 375. والخُبُث: جمع خَبيث، وهم ذُكران الشّياطين، والخبائث: جمع خبيثة، وهنّ إناث الشّياطين.
وقيل الخبث بإسكان الباء: الشّرّ والخبائث: الذّوات الشّرِّيرة.
3- يُسنّ عند الخروج من الخلاء تقديمُ رجله اليُمنى وقول:" غُفرانك "، لحديث عائشة الذي رواه أبو داود برقم 30، والتِّرمِذيّ برقم 7، وابن ماجه برقم 300، وللقياس على دُخول المسجد. قال ابن تيمية :" وهذا عكس دُخول المسجد، لأنّ اليُمنى أحقّ بالتّقديم إلى الأماكن الطّيّبة، وأحقّ بالتّأخير عن الأذى. وكذلك قُدِّمت في الانتعال دون النّزع، لأنّه صيانة لها ". (شرح العمدة ج1/105-106) وقال بدر الدّين البَعليّ في التّسهيل:"ويُقدِّم رجله اليُسرى دُخولاً واليُمنى خُروجاً، عكس المسجد ". (فقه الدّليل في شرح التّسهيل ج1/114)
4- يُسنّ لمن أراد قضاء الحاجة في الفضاء والصّحراء بُعْدُه عن العُيون واستِتَارُه حتّى لا يُرى، لحديث جابر قال:" خرجنا مع رسول الله في سَفر وكان رسول الله :" لا يأتي البَراز حتى يَتغيَّب فلا يُرى ". رواه أبو داود برقم 2، وابن ماجه برقم 335، وصحّحَه الألبانيّ. والبَراز معناه: الفَضاء الواسع ويُكنى به عن قَضاء الحاجة عند التَّبرُّز، أي إخراج المواد المطرودة من الأمعاء.
5- عدم استقبال القِبلة عند قضاء الحاجة. وهذا من احترام القِبلة وتعظيم شعائر الله، وقد قال :" إذاجلس أحدُكم على حاجته فلا يستقبل القِبلة ولا يستدبرها ". رواه مسلم برقم 389.
أمّا بالنّسبة للصّحراء والفضاء والمكان المفتوح، فإنّه لا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها فيه يبول أو غائط، خلافاً لعُروة بن الزُّبير، وربيعة، وداود الظّاهريّ. (شرح مسلم ج3/154)
وأمّا بالنّسبة للبُنيان: فمن العلماء من أجاز الاستقبال والاستدبار. وبه قال مالك، والشّافعيّ، وأحمد في رواية وهي المذهب، وابن المبارك، وإسحاق، وابن المنذر، والبخاريّ. (شرح مسلم ج3/154) ونسبه الحافظ في الفتح للجُمهور (الفتح ج1/331، ونيل الأوطار ج1/103، ومنحة العلاّم ج1/390) قال عُبيد الله المُباركفوريّ عن هذا القول:" مذهب الأئمّة الثّلاثة، ومال إليه الطّحاويّ من الحنفية، وقال الأمير اليمانيّ في السُّبل ج1/119" هو أقرب الأقوال ". وقال الحافظ:" هو أعدل الأقوال"، ويؤيّده ما رُوِي عن ابن عمر ، أنّه قال:" إنّما نُهي عن ذلك في الفَضاء ". وإليه يظهر مَيلان السِّنديّ في حواشيه على البخاريّ، وغيره كما سيأتي ". (المرعاة ج2/195)
ومنهم من قال بجواز الاستدبار دون الاستقبال. وهو قول أبي يوسف، ورجّحه العُثيمين. (نيل الأوطار ج1/104، والشّرح الممتع ج1/100)
ومنهم من منع من ذلك مُطلقاً. وبه قال أبوحنيفة، والثّوريّ، وأبو ثور، وأحمد في رواية، والأوزاعيّ، وابن حزم، وابن العربي المالكيّ، وابن تيمية، وابن القيّم، والشّوكانيّ (نيل الأوطار ج1/103، ومنحة العلاّم ج1/390)
والأوّل أظهرلحديث: جابر عند أبي داود برقم 13، والتّرمذيّ برقم 9، وابن ماجه برقم 325:" كان رسول الله قد نهانا أن نستدبر القِبلة ونستقبلها بفُروجنا إذا أهرقنا الماء، ثمّ قال: قد رأيته قبل موته بعامٍ مُستقبل القِبلة ". ولحديث ابن عمر أنّه قال:" رقِيت على بيت حَفصة فرأيت النّبيّ يقضي حاجته مُستقبل الشّام مُستدبر الكعبة ". رواه البخاريّ برقم 145، ومسلم برقم 266، ولحديث ابن عمر قال:"... بلى إنّما نُهي عن ذلك، فإذا كان بينك وبين القِبلة من يسترك فلا بأس ". رواه أبو داود برقم 11، بإسناد لا بأس به، كما قال الحافظ في الفتح ج1/ 333، واختاره البخاريّ، والصّنعانيّ. قال ابن حجر في الفتح ج1/331:" وهو أعدل الأقوال، لإعماله جميع الأدلّة ". وقال محمّد عليّ الإتيوبيّ في ذخيرة العُقبى ج1/324:" المذهب الرّاجح عندي مذهب من قال بالتّفريق بين البُنيان والصّحراء، لأنّه به تجتمع الأدلّة المُختلفة في الباب..."، ورجّحه ابن باز كما فى الاختيارات ص19 حيث قال :" وأمّا فى البُيوت فلا حرج فى ذالك ". ورجّحه أصحاب الفقه المُيسّر، حيث قالوا:" والصّحيح: هو حُرمة استقبال القبلة في الفضاء وكذلك استدبارها، أمّا في البُنيان فيجوز استدبارها واستقبالها، وهذا رواية عن الحنابلة ". (الفقه المُيسّر ج1/57)
6- ألّا يلمس عُضوه بيمينه وهو يبول، لقوله :" إذا بال أحدُكم فلا يأخُذَنّ ذكره بيمينه ولا يستنجي بيمينه ولا يتنفَس في الإناء ". رواه البخاريّ برقم 154. (التّنفُّس في الإناء عند الشّراب منه لئلاّ يقذِّره على غيره إذا شرب بعده). قال النوويّ :" هو من أدب الاستنجاء، وقد أجمع العلماءُ على أنّه مَنهيّ عن الاستنجاء باليمين، ثمّ الجماهير على أنّه نَهي تنزيه وأدب، لا نهي تحريم، وذهب بعضُ أهل الظّاهر إلى أنّه حرام، وأشار إلى تحريمه جماعةٌ من أصحابنا، ولا تعويل على إشارتهم ". (شرح مسلم ج3/156)
7- ألّا يُزيل النّجاسة بيمينه، بل يستخدم شماله لِمُباشرة النّجاسة في إِزالتها، لقوله :" ولا يتمسّح بيمينه ". رواه البخاريّ برقم 153، وقوله :" إذا استطاب فلا يستطب بيمينه ليستنج بشماله ". رواه ابن ماجه برقم 312، وصحّحه الألبانيّ. والمرأة كالرّجل في ذلك، لأنّ سبب النّهي إكرام اليمين وصيانتها عن الأقذار.
8- أن يقضِي حاجته جالساً وأن يَدْنُوَ من الأرض، لأنّه أستَرُ وآمِن من ارتداد رَشاش البَول عليه وتلويث بَدَنِه، فإن أَمِن ذلك جاز البَول قائماً، لحديث عائشة :" من حَدََّثكم أنّ رسول الله بالَ قائماً فلا تُصَدِّقوه ما كان يبول إلّا جالساً ". رواه التّرمذيّ برقم 12، والنّسائيّ برقم 29، وابن ماجه برقم 307، وأحمد من طريق أخرى وصحّحه ابن حِبّان برقم 1430. فالسُّنّة البول جالساً، لكن يجوز من قيام إذا أمن التّلوُّث بالرّشاش، لحديث حُذَيْفَة ، قال:" رأيتني أنا والنّبيّ نتماشى فأتى سُباطة قَوْم خلف حائط-أي بُستان- فقام كما يَقوم أحدُكم فبال فانْتَبَذتُ منه -أي ابتعدت- فأشار إليّ فجِئتهُ فقُمت عند عَقِبه حتّى فَرَغ ". والسُّباطة: مكان المزبلة. رواه البخاريّ برقم 224، ومسلم برقم 273، وأبو داود برقم 23، والتّرمذيّ برقم 13، والنّسائيّ برقم 18، وابن ماجه برقم 305. قال أحمد بن حجر :" والجواب عن حديث عائشة أنّه مُستند إلى علمها فيُحمل على ما وقع منه في البُيوت، وأمّا في غير البيوت فلم تطلّع هي عليه، وقد حفظه حُذيفة، وهو من كبار الصّحابة...". (الفتح ج 1/440) وقال ابن باز :" لا حرج في البول قائماً، ولا سيّما عند الحاجة إليه، إذا كان المكان مَستوراً لا يرى فيه أحدٌ عورة البائل، ولايناله شيءٌ من رَشاش البول، ولكن الأفضل البول عن جلوس، لأنّ هذا هو الغالب من فعل النّبيّ ". (الاختيارات الفقهية ص19)
قال أحمد بن حجر :" وقد ثبت عن عُمر، وعليّ، وزيد بن ثابت، وغيرِهم أنّهم بالوا قياماً، وهو دالّ عل الجواز من غير كراهة إذا أمن الرّشاش". (الفتح ج1/440)
9- الإعتناء بإزالة النّجاسة بعد الفراغ من قضاء الحاجة لقوله مُحَذِّراً من التّساهُل في التّطهّر من البَوْل:" أكثرُ عذاب القَبْر من البَوْل ". رواه ابن ماجه برقم 342
10- أن يكون غسلُ النّجاسة أو مَسحها ثلاث مرّات أو وِتْراً بعد الثّلاث، لحديث عائشة أنّ النّبيّ كان يغسِلُ مَقْعَدته ثلاثاً - أي دُبره -. قال ابن عمر :" فَعَلْناه فوَجدناه دواءً وطهُوراً ". رواه ابن ماجه برقم 356، وصحّحه الألبانيّ. ولحديث أبي هريرة أنّ النّبيّ قال:" إذا استجمَر أحدُكم فليستجمر وِتراً ". رواه أحمد 2/351-356. ولحدبثه أيضاً عند البخاريّ برقم 161، ومسلم برقم 237:" من استجمر فليوتر ". ولحديث سلمان :" نهى رسول الله أن نستقبل القبلة لغائط أو بول...أو أن نستنجيَ بأقلّ من ثلاثة أحجار...". رواه مسلم برقم 262، قال النوويّ :" هذا نصٌّ صريح صحيح في أنّ الاستيفاء ثلاث مسحات واجب لابُدّ منه، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، فمذهبنا أنّه لابدّ من الاستنجاء بالحجر من إزالة عين النّجاسة واستيفاء ثلاث مسحات، فلو مسح مرّة أو مرّتين فزالت عينُ النّجاسة وجب مسحه ثالثة، وبهذا قال أحمد، وإسحاق بن راهوية، وأبو ثور، وقال مالك، وداود: الواجب الإنقاء فإن حصل بحجر أجزأه، وهو وجه لبعض أصحابنا ". (شرح مسلم ج3/156) وفي رواية:" ولا نكتفي بدون ثلاثة أحجار ". رواه أحمد ج5/437 قال عُبيد الله المُباكفوريّ :" وفي كلتا الرِّوايتين دليلٌ واضح على أنّ الاقتصار على أقلّ من ثلاثة أحجار لا يجوز، وإن حصل الإنقاء بما دونها ". (المرعاة ج2/198)
11- ألّا يستعمل في الاستجمار العظم ولا الرَّوث، أي: فَضْلة الحيوان، أو الشّيء المُحترم، ككُتب العلم، والفقه، ونحو ذلك، وإنّما يستعمل الورق الخاصّ، أو الحجارة، أو الخَشب، ونحو ذلك، لحديث أبي هريرة ، وفيه:" … أنّ النّبيّ قال له: ابْغِنِي أحجاراً أستنفِض بها ولا تأتِني بعَظْمٍ ولا برَوث…" رواه البخاريّ برقم 155، ولحديث سَلمَان الفارِسي :" نَهانا -أي النّبيّ -أنّ نستنجيَ باليمين، وأن نستنجِيَ بأقلّ من ثلاثة أحجار، وأن نستنجي برَجيع -أي فَضلة الحيوان-، أو عظم ". رواه مسلم برقم 262 قال النوويّ :" فيه النّهيُ عن الاستنجاء بالنّجاسة، ونبّه بالرّجيع على جِنس النّجس، فإنّ الرّجيع هو الرَّوث، وأمّا العظم فلكونه طعاماً للجنّ، فنبّه على جميع المطعومات وتلتحق به المُحترمات كأجزاءِ الحيوان، وأوراقِ كُتب العلم، وغير ذلك، ولا فَرق في النّجس بين المائع والجامد، فإن استنجى بنجس لم يصحّ استنجاؤه، ووجب عليه بعد ذلك الاستنجاء بالماء ولا يجزئه الحجر، لأنّ الموضع صار نجساً بنجاسة أجنبية، ولو استنجى بمطعوم أو غيره من المُحترمات الطّاهرات، فالأصحّ أنّه لا يصحّ استنجاؤه، ولكن يُجزئه الحجرُ بعد ذلك إن لم يكن نَقل النّجاسةَ من موضعها، وقيل: إنّ استنجاءه الأوّل يُ
جزئه مع المعصية ". (شرح مسلم ج3/157)
ويصّحّ الاستنجاءُ بكلّ جامد، طاهر، مُنقّ، وأنّ الحكم لا يخصّ الأحجار، لأنّه متى ورد النّصُّ بشيءٍ لمعنى معقول، وجب تَعديتُه لكلّ ما وُجِد فيه ذلك المعنى، والمعنى هُنا: إزالة عين النّجاسة، وهذا يحصل بغير الأحجار كحصوله بها. قال النوويّ: " ويدلّ على عدم تعيين الحجر نهيُه عن العظام والبَعر والرَّجيع، ولو كان الحجر مُتعيِّناً لنهى عمّا سواه مُطلقاً ". (شرح مسلم ج3/157)
12- ألّايبول الإنسانُ في الماء الرّاكد لحديث جابر :" أنّ النّبيّ نَهى عن البول في الماء الرّاكد ". والرّاكدُ: السّاكن. رواه مسلم برقم 281. وتعبيره بالبول يُفيد أنّ التّغوّط من باب أَولى.
13- ألّا يتخلّى في طريق النّاس أو ظلّهم، لأنّ في ذلك إيذاء للنّاس، روَى أبو هريرة أنّ رسول الله قال:" اتّقُوا اللاّعنين. قالوا: وما اللاّعنان يا رسول الله؟ قال الذي يتخلّى في طريق النّاس أو في ظِلّهم ". رواه أبو داود برقم 25. واللّاعنان: أي: اتّقوا الأمرين الملعون فاعلهما. وفي رواية برقم 26:" اتّقوا الملاعن ". والملاعن: مواضع اللّعن، وفي رواية لمسلم برقم 269:"...اتّقوا اللّعّانَين، قالوا: وما اللّعّنان…"، ومعنى" اللّعّانين ": أي صاحبي اللّعن، وهما اللّذان يلعنهما النّاس في العادة. (انظر شرح مسلم للنوويّ ج3/160-161).
ويقاسُ على ذلك كلّ الأماكن التي للنّاس فيها فائدة، فلا يبول فيها ولا يتغوّط، كمُتشمّس النّاس، أي مكان الجلوس في الشّمس في زمن الشّتاء، والحدائق، والميادين العامّة، وأماكن الاستراحة.
14- ألّا يُسلّم على من يقضي حاجته ولا يَردّ السّلام لحديث جابر أنّ رجُلاً مَرَّ على النّبيّ وهو يبول فسلّم عليه فقال رسول اللّه :" إذا رأيْتَني على مِثل هذه الحالة فلا تُسلِّم عليّ فإنّك إن فعلت ذلك لم أرُد عليك ". رواه ابنُ ماجَه برقم 352
15- ألّا يبول في مُستَحمِّه، لحديث النّبيّ :" لا يبولنّ أحدُكم في مُستحمّه ". رواه أبو داود برقم 27 وابن ماجه برقم 304. وما معنى المستحم؟ قال الإمام الخَطَّابي :" المستحمّ هو المُغتسل، وهو مُشتقّ من الحَميم وهو الماء الحارّ الذي يُغتَسل به ". (المجموع ج2/107) وقال ابن الأثير :" المُستحمّ: المَوضِع الذي يُغتسل فيه بالحميم، وهو في الأصل: الماء الحارّ، ثمّ قيل للاغتسال بأيّ ماء كان استحمام ". (النّهاية في غريب الحديث والأثر ج1/445) وهنا سؤال يَرِد، هل التّبوّل في الحَوْض -أي البانيو- أثناء الاستحمام يدخل في حديث النَّهي عن البَول في المستحمّ أم لا يدخل، لأنّ مَجرى الماء مفتوح؟
الجواب: ذهب كثيرٌ من العلماء إلى أنّه لا يدخل، وبه قال عطاء، وابن المبارك، والخطّابى، والنوويّ، والعِراقيّ، وابن العُثيمين، وقالت طائفة يدخل، وكرِهوا البول في المُغتَسَل، وبه قال الحنفية، والشّافعية، والحنابلة. (الموسوعة الفقهية ج43/154) قال ابن القيّم:" لو كان المكان مُبلّطاً لايستقرّ فيه البول، بل يذهب مع الماء لم يُكره ذلك عند جمهور الفقهاء ". (حاشية ابن القيّم على أبي داود ج1/82)، لأنّ الحوض فيه بالُوعة ينفذ منها الماء، فلا بأس إذن، إذا بال وأرسل الماء عليه ليذهبَ أثرُه، ولأنّ الأرض صلبة يجري عليها البول ولا يستقرّ. قال وليّ الدّين العِراقيّ :" حمل جماعةٌ من العلماء هذا الحديث على ما إذا كان المغتسل ليِّناً، ليس فيه مَنفذ بحيث إذا نزل فيه البول شرِبته الأرض، واستقرّ فيها، فإن كان صُلباّ بِبَلاط ونحوه بحيث يجري عليه البول ولا يستقرّ، أو كان فيه مَنفذ كالبَالوعة ونحوها، فلا نهي ". (جامع التّرمذيّ مع التُّحفة ج1/91) قال عطاء:" إذا كان له مخرج، فلا بأس به ". رواه عبد الرّزّاق ج1/256 قال ابن المُنذر :" والذي قاله عطاء حسن ". (الأوسط ج1/344) وقال عبد الله بن المُبارك :" قد وُسِّع في البول في المُغتسَل إذا جرى فيه الماء ". (جامع التّرمذيّ مع التُّحفة ج1/90) والحكم يدور مع علّته وهي هنا مُنتفية. واختاره عبد المُحسن العبّاد في شرح أبي داود حديث رقم 27.
16- أن يجتنب ذِكر اللّه في هذا الموضع، ويدُلّ عليه حديث الامتناع عن ردّ السّلام الذي رواه ابن ماجه برقم 352، وقد مَرَّ معنا. وأثناء هذه الحال فلا يذكر اللّه إلّا بقلبه، وأمّا الذِّكر باللّسان فيُكرَه.
17- ويُكره أن يدخل الخلاء بشيءٍ فيه ذكر اللّه إلّا لحاجة، كالحاجة إلى الدُّخول بالأوراق النّقدية التي فيها اسم اللّه فإنّهُ إنْ تركها خارجاً كانت عُرضةً للسّرقة أو النِّسيان. قال الإمام أحمد في الرَّجُل يَدخل الخلاء ومعه دَراهم:" أرجو ألّا يكون به بأس ". (المغني ج1/228).
وهكذا إذا كان الإنسان يتخّتم بخاتم فيه اسم اللّه، وضعه قبل الدّخول ما لم يخش عليه. وقال أحمد :" الخاتم إذا كان فيه اسم الله يجعله في باطن كَفّه ويدخل الخلاء ". -أي يُدير فَصّ الخاتم نحو الكفّ-. (المغني ج1/228). وقال ابن تيمية :" فإن كان معه دراهم أو كتاب أوخاتم فيه ذكر اللّه، وخاف عليه استصحبه، وستره، واحترز من سُقوطه. وإن كان خاتماً أدار فصّه إلى باطن كفّه ". (شرح العمدة ج1/107)
ورخّص في الدُّخول به ابنُ المُسَيِّب، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِين، وأحمد في رواية. (انظر المغني ج1/228). وفيه قول ثالث: أنّ ترك الدّخول به أفضل، ولا يلزم من ترك الأفضل الوقوع في المكروه. وبه قال بعض الحنابلة. (انظر فقه الدّليل ج1/111)
وأمّا حديث أنس :"أنّ رسول الله كان إذا دَخل الخلاء وضَع خاتِمَه "، الذي رواه أبو داود برقم 19، والتّرمذيّ برقم 1746، وابن ماجه برقم 303 فهو ضعيف كما قال الحافظ في بلوغ المرام ص 32. وقال النوويّ
:" ضعّفه أبوداود، والنّسائيّ، والبيهقيّ، والجمهور، وقول التّرمذيّ: إنّه حسن مَردود عليه ". (الخُلاصةج1/151، ومِنحة العلاّم ج1/358-359)
أمّا المُصحف فإنّه يُحرَمُ الدُّخول به سواء كان ظاهراً أو خفيّاً، لأنّه كلام اللّه وهو أشرفُ الكلام ودخول الخلاء به فيه نوع من الإهانة. وعند الضّرورة كالخَشْية عليه من التَّلف، والإهانة، وأن تَدوسه الأقدامُ لو تركه خارج المِرحاض، ونحو ذلك، فلا بأس بالدُّخول به للضّرورة. قال ابنُ باز :" أمّا دُخول الحمّام بالمُصحف فلا يجوز إلّا عند الضّرورة، إذا كنت تخشى عليه أن يسرق فلا بأس ". (مجموع فتاوى ومقالات ج10/31).
18- عدم البَوْل في الشُّقوق والجُحور، والشَّقّ يكون بالطُّول، والجُحر مُستدير.
والعِلَّة -أي السّبب-: قيل: حتى لا تخرج عليه الهَوَامُ فتُؤذِيه، فقد يَكون فيه عَقرب، أو حيّة وما شابه ذلك، فإذا بال فيه رُبّما خرج عليه ما يُؤذيه.
وقيل: إنّ الجُحورَ قد تكون من بُيوت الجنّ، ووَرد في ذلك حديث عن عبد الله بنِ سَرْجِسْ :" أنّ النّبيّ نهى أن يُبال في الجُحر. قيل لقتادة: فما بال الجُحر؟ قال: يُقال إنّها مساكن الجِنّ ". رواه أبو داود برقم 29، والنّسائيّ برقم 34، وصحّحه الحاكم، وابن خُزَيْمَة، وابنُ السَّكن، والنوويّ، وقال العُثَيْمِين :" أقَلُّ أحوالِه أنَّه حَسَن ". (الشّرح المُمتع ج1/95-96) وضَعَّفَه علماء آخرون، كالألبانيّ.
بسم الله الرّحمٰن الرّحيم