أوّلاً: تعريفه
الوضوء لغةً: مُشتقٌّ من الوَضَاءة وهي الحُسن والنّظافة والإنارة. قال:" ابن منظور :" الوَضاءة: الحُسن والبَهجة ". (تهذيب لسان العرب ج2/742) وقال النوويّ :" وأمّا الوضوء فهو من الوَضاءة بالمَد، وهي النّظافة والنَّضارة ". (المجموع ج1/353) وقال ابنُ حجر :" وهو مُشتقٌّ من الوَضاءة، وسُمّي بذلك، لأنّ المصلّي يتنظّف به فيصير وضِيئاً ". (فتح الباري ج1/232). وقال الخطيب الشّربينيّ :" وهو مأخوذ من الوَضاءة، وهي الحُسنُ والنّظافةُ والضِّياءُ من ظُلمة الذُّنوب ". (مُغني المُحتاج ج1/146) وقيل: لِتحسينه فاعله في الدُّنيا والآخرة، ففي الدُّنيا بإزالة الأوساخ والأقْذار، وفي الآخرة بالنُّور الذي يحصُل منه.
والوضوء شرعاً: التّعبُّد للّه بغّسل الأعضاء الأربعة، وهي الوجه واليدان والرّأس والرِّجلان على صِفَةٍ مخصوصة. قال أبو يعقوب الرَّجرَاجيّ المالكيّ :" وأمّا في اصطلاح الفُقهاء: فهو عِبارةٌ عن غَسل أعضاء مخصوصة، لِتَزَّين وتحسُنَ، ويرتفع عنها الحدثُ، لِتُؤدَّى بها العبادةُ المَمنوعة ". (المُفيد على الرِّسالة ج2/743)
وقال الشَّوكانيّ :" وسمِّيَ وُضوء الصّلاة وُضوءاً، لأنّه ينظِّف المُتوضِّىء ويُحسِّنه ". (نيل الأوطار ج1/166)
ثانياً: حكمُه: أنّه واجب على المُحدِث إذا أراد الصّلاة وما في حُكمها كالطّواف ومَسّ المُصحف ونحو ذلك.
الدّليل على وُجوبه من الكتاب قوله : ﴿يا أيّها الذين آمنوا إذا قُمتم إلى الصّلوٰة فاغسِلوا وجوهكم وأيديَكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين…﴾ المائدة:6
ومن السُّنّة: قولُه :" لا يقبل الله صلاةَ من أحدَث حتّى يتوضّأ ". رواه مسلم برقم 333.
وأمّا الإجماع فإنّه لم ينقل عن أحد من المسلمين في ذلك خلاف، ولو كان هناك خلاف لنُقل، إذ العادات تقتضي ذلك. قاله ابن رُشد في بداية المجتهد ونهاية المقتصدج1/21. وقال النوويّ:" وقد أجمعت الأمّةُ على أنّ الطّهارة شرط في صحّة الصّلاة ". (شرح مسلم للنوويّ ج3/102)
وأمّا على من يجب: فيجب على المسلم البالغ العاقل إذا أراد الصّلاة وما في حكمها.
وأمّا متّى يجب: يجب إذا دخل وقت الصّلاة وكان الإنسان مُحدِثاً، أو أراد الإنسان الفعل الذي يُشترط لَه الوُضوء وإن لم يكن ذلك مُتعلِّقاً بوقت، كالطّواف ومَسّ المُصحف.
قال القاضي عِياض :" واختلفوا في أنّ الوُضوء فَرض على كلّ قائمٍ إلى الصّلاة، أم على المُحدِث خاصّة، فذهب ذاهبون من السَّلَف إلى أنّ الوضوء لكلِّ صلاة فَرض، بدليل قوله تعالى: ﴿إذا قُمتم إلى الصّلاة﴾ الآية المائدة:6، وذهب قوم إلى أنّ ذلك قد كان ثمّ نُسِخ. وقيل الأمرُ به لكلِّ صلاة على النَّدب. وقيل بل لم يُشرع إلّا لمن أحدث، ولكن تجديده لكلّ صلاة مُستحبّ، وعلى هذا أجمع أهلُ الفتوى بعد ذلك، ولم يَبق بينهم فيه خلاف. ومعنى الآية عندهم: إذا كنتم مُحدِثين ". (شرح مسلم للنوويّ ج3/102-103)
ثالثاً: متى فُرض
قيل: كان مفروضاً بمكّة وبه قال الجمهور.
وقيل: كان الوضوء في أوّل الإسلام بمكّة مَسنوناً، وأنّهُ فُرِض بالمدينة، ونَسبه عِياض إلى ابن الجَهم، ونسبه الصّنعانيّ في "سُبُل السَّلام ج1/174" إلى المُحقّقين من أهل العلم. ودليل هذا القول آية الوضوء في المائدة فهي مَدنية باتّفاق.
فالمتّفقُ عليه بين العلماء أنّ الوضوء كان مَوجُوداً بمكّة، لكن الخلاف في كَوْنِه كان موجُوداً على سبيل النّدْب أم على سبيل الوجوب؟ والخلاف لا يَنبني عليه عَمَل. قال عِياض :" واختلفوا متى فُرِضت الطّهارةُ للصّلاة، فذهب ابنُ الجهم إلى أنّ الوضوء في أوّل الإسلام كا سُنّة، ثمّ نزل فَرضُه في آية التّيمُّم. قال الجُمهور بل كان قبل ذلك فرضاً ". (شرح مسلم للنوويّ ج3/102)
قال الخَطيب الشّربينيّ :" وكان وُجوبه مع وُجوب الخمس، كما رواه ابنُ ماجه ". (مُغني المُحتاج ج1/146)
وقال منصور البُهوتيّ :" وكان فَرضُه مع فرض الصّلاة، كما رواه ابنُ ماجه، ذكره في المُبدع ". (الرَّوض المُربِع ج1/97)
وقال:" الحَصكفيّ :" وأجمع أهلُ السِّيَر أنّ الوضوء والغُسل فُرِضا بمكّة مع فَرض الصّلاة بتعليم جبريل ، وأنّه لم يصلِّ قطّ إلّا بوضوء، بل هو شريعة من قبلنا، بدليل:"هذا وُضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ". (ردّ المُحتار ج1/198-199) لكن قال ابن عابدين :" قوله: مع الصّلاة: إن أُريد بها الصّلوات الخمس أَشكل بما قدّمناه آنِفاً أنّه كان يصلّي قبلها قطعاً، والظّاهر أنّ المَعِيّة للمكان لا للزّمان، فلا يلزم أن تكون صلاتُه قبل الافتِراض بلا وضوء، ولذا عَمّم بعد قوله" وأنّه الخ " (ردّ المُحتار ج1/198)
وقال يوسف الرَّجراجِيّ :" فقد ذكر ابنُ يُونس: عن ابن مسعود أنّ الوضوء كان سُنّة في أوّل الإسلام إلى أن نزلت آيةُ الوضوء على النّبيّ بالمدينة بعد الهجرة. وأمّا الصّلاة، فإنّها فُرِضت ليلة الإسراء، وذلك بمكّة قبل الهجرة بِسنة ". (المُفيد على الرِّسالة ج1/745-746)
وقال حِجازيّ العَدويّ :" الأرجح أنّ الوضوء فُرِض بمكّة، وإن كان مدنيّاً تلاوة، وهل هو مشروع بتعليم جبريل عند نُزول اقرأ، كما لابن إسحاق، وأحمد، وجماعة، أو عند فَرض الخمس صبيحة الإسراء، وهو قول الجمهور، فإن قلت ما فائدة نُزول الآية حينئذ؟ فالجواب: أنّه تقريرُ أمر الوضوء وتَثبيته، فإنّه لمّا لم يكن عبادةً مُستقِلّةً بل تابعة للصّلاة احتُمل أن يُتساهل في مُراعاة شرائطه بطُول العهد عن زمن الوحي. ذكره في حاشية العدوي على ضوء الشُّموع ج1/151-152. (مُحقِّق الشّرح الصّغير مع حاشية الصّاوي ج1/170)
رابعاً: شروط الوضوء
والشُّروط جمع شَرط. والشَّرط لغةً: إلزام الشّيء والتِزامه في البَيع، ونَحوِه، والشَّرَطُ بفتحتين العَلامة، والجمع أشراط. (تحقيق تقريب الوُصول ص246، والمِصباح المُنير ص168)
وأمّا الشَّرط في الاصطلاح، فقد عرّفه ابن جُزَيّ المالكيّ :" بأنّه ما يَلزم من عَدمِه عَدمُ الحُكم، ولا يلزم من وُجوده وُجودُ الحكم ولا عَدمُه لذاته ". (تقريب الوُصول ص246)
وعرّفه أحمد الصّاويّ :" ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وُجوده وُجود ولا عدم لذاته ". (حاشية الصّاويّ مع الشّرح الصّغير ج1/204) مِثاله: الوُضوء للصّلاة، فإنّه يلزم من عدمه عدمُ الصّلاة الشّرعية، ولا يلزم من وُجوده وجودُها ولا عدمُه لأنّه قديكون مُتوضِّئاً ولا يُصلِّي.
وشروط الوُضوء منها ما هو شرطٌ في وُجوبه، ومنها ما هو شرط في صحّته، ومنها ما هو شرط في وُجوبه وصحّته معاً.
أوَّلاً: شروط الوُجوب، وهي ما إذا اجتمعت وَجبت الطّهارة على الشّخص. (الموسوعة الفقهية ج43/326) وعرَّفها أحمد الصّاوِيّ :" ما تعمُر بها الذِّمّة، ولا يجب على المُكلَّف تحصيلها ". (حاشية الصّاويّ مع الشّرح الصّغير ج1/204) وعرّفها ابنُ عابدين فقال:" هي ما إذا ما اجتمعت وجبت الطّهارة على الشّخص". (ردُّ المُحتار ج1/193)
شروط وُجوبه عند الحنفية: قال حسن الشُّرُنبُلاليّ :" وشرط وجوبه: العقلُ، والبُلُوغُ، والإسلامُ، وقُدرةٌ على استعمال الماء الكَافي، ووُجود الحدث، وعدمُ الحَيض والنِّفاس، وضِيقُ الوقت ". (مراقي الفلاح ص37)
شروط وُجوبه عند المالكية: قال أحمد الدَّردير :" وشرطُ وُجوبه: دُخول وقت، وبلوغٌ، وقُدرةٌ عليه، وحُصولُ ناقِضٍ ". (الشّرح الصّغير) (وانظر مواهب الجَليل ج1/264)
شروط وُجوبه عند الشّافعية: العقل، فلا يصحّ وضوءُ غير المُميِّز، كالمجنون والصّبيّ غير المُميِّز، لعدم صحّة نيَّته، والمُميِّز: هو الذي يفهم الخِطاب، ويردّ الجواب، ولا ينضبط بسنٍّ، وقيل: هو من استكمل سبع سنين، وقيل غير ذلك، وانقطاع ما يُنافي الوضوء من حَيض ونِفاس، ووجود الماء المُطلق، ويُشترط العلمُ بكونه طهوراً ولو ظنّاً، ووُجود المُقتضِي، أي الحدث المُوجِب للوضوء. (انظر مُغني المحتاج ج1/146، وحاشية البُجَيرِميّ على الخطيب ج1/186، والموسوعة الفقهية ج4/326-328)
شروط وجوبه عند الحنابلة: البلوغ، وانقطاع النّاقض، أو ما يُنافي الوضوء من حيض ونفاس، وطهورية الماء، لأنَه لايرفع الحدث إلّا الماء الطّهور، ووُجود الحدث، لأنّه سبب وُجوب الوضوء، كما ذكر ابنُ عَقيل. (كشّاف القِناع ج1/78-79، والرّوض المُربع ج1/102، ومنار السّبيل ج1/25، والإنصاف ج1/11، والموسوعة الفقهية ج4/326-328)
ثانياً: شروط الصحّة، وهي ما لا تصحّ الطّهارةة إلّا بها. وعرّفها أحمد الصّاوِيّ المالكيّ :" ما تَبرأُ به الذِمّة، ويجب على المكلَّف تحصيله ". (حاشية الصّاويّ مع الشّرح الصّغير ج1/204)
شرطُ صحّته عند الحنفية: قال حسن الشُّرُنبُلاليّ :" وشرطُ صحّته ثلاثة: عُمومُ البَشَرة بالماء الطَّهور، وانقطاعُ ما يُنافيه من حيض ونفاس، وحدثٍ، وزوالُ ما يمنع وُصول الماء إلى الجسد، كشمع، وشَحم ". (مراقي الفلاح ص 37)
شرطُ صحّته عند المالكية: قال أحمد الدَّردير :" فشروط صحّته ثلاثة: فلا يصحّ من كافر، ولا يختصّ بالوضوء بل هو شرط في جميع العبادات من طهارة وصلاة وصوم وحجّ.
الثّاني: عدم الحائل من وُصول الماء للبَشَرة، كشَمع ودُهن مُتجسِّم على العضو، ومنه عُماص العين والمِداد بيد الكاتب، ونحو ذلك.
الثّالث: عدمُ المُنافِي للوضوء فلا يصحّ حال خُروج الحَدَث أو مسِّ الذّكر ونحوه ". أي: كمسّ الأجنبية بلذّة مُعتادة. (حاشية الصّاويّ مع الشّرح الصّغير ج1/205) (وانظر مواهب الجَليل ج1/264)
شرط صحّته عند الشّافعية: الإسلام، التّمييز، وأن يغسِل مع المغسول جُزءاً يتّصل بالمغسول ويحيط به ليتحقّق به استيعابُ المغسول، وعدمُ الحائل، كدُهن جامد، وانقطاعُ الحدث عند الوضوء، والعلم بكيفية الوضوء، بأن يُميِّز فرائضه من سننه، أو يعتقد بأنّ فيه فرضاً وسنّة وإن لم يُميِّز، وعدمُ الصّارف، ويُعبّر عنه بدوام النّيّة، وجريُ الماء على العضو، فلا يكفي أن يمسَّه الماء بلا جَرَيان، لأنّه لا يُسمّى غَسلاً، إزالةُ خَبَث ونجاسة عن أعضائه. (مُغني المحتاج ج1/146-147، وشروط الوضوء، وشروط الإمامة للرّملي ص 16-22، وحاشية البُجَيرِمي على الخطيب ج1/ 186-187)
شرط صِحّته عند الحنابلة: العقل، والإسلام، والتّمييز، وزوال المانع والحائل، وانقطاع الحدث عند التوضُّؤ، والنّيّة، وإباحة الماء فلا يجوز الوضوء بماء مُحرّم، فراغُ استنجاء. قال منصور البُهوتيّ:" يُشترط لوضوء وغُسل أيضاً-أي بعد النّيّة-: إسلام، وعقل، وتمييزٌ، وطَهوريّةُ ماء، وإباحتُه، وإزالةُ ما يمنع وُصوله، وانقطاعُ موجِبٍ. ولِوُضوء: فَراغُ استنجاءأو استجمار... ". (الرّوض المُربع ج1/102) (وانظر الإنصاف ج1/111، وكشّاف القناع ج1/78-79)
ثالثاً: شروط الوجوب والصحّة معاً، وهي التي إذا فُقِد منها شرطٌ، فإنّ الوضوء لايجب ولا يصحّ إذا وقع. (الفقه الميسّر ج1/62)
شرط وجوبه وصحّته معاً عند الحنفية: قال الطّهطاويّ عن شرط الوجوب انقطاع ما يُنافيه من حيض ونِفاس:" قد اجتمع في هذا الشّرط الوجوب، وشرط الصحّة ". (حاشية الطّهطاويّ على مَراقي الفلاح ص61)
شرط وجوبه وصحّته معاً عند المالكية: قال أحمد الدّردير :" وشرطهُما: عقلٌ، ونقاءٌ من حَيض ونِفاس، ووُجودُ ما يكفي من المُطلق، وعدمُ نوم وغفلة، أي: فلا يجب على نائم وغافل، ولا يصحّ منهما لعدم النّيّة، إذ لانيّة لنائم أو غافل حال النَّوم أو الغفلة ". (الشّرح الصّغير ج1/206-207) وقال حطّاب :" خمسة على المشهور: بُلوغ دعوة النّبيّ ، والعقل، وانقطاع دم الحَيض، وانقطاع دم النِّفاس، ووُجود ما يكفيه من الماء المُطلق ". (مواهب الجَليل ج1/264)
وجعل أصحاب الفقه المُيسّر شروط وجوب الوضوء وصحّته معاً ثلاثة:
العقل: فلا يجب على مجنون، ولايصحّ منه.
عدم الحيض والنِّفاس: فلا يجب على حائض ولا نُفساء، ولا يصحّ منهما.
الإسلام: فلا يجب الوضوء على كافر، ولا يصحّ منه. (الفقه المُيسّر ج1/62)
شروط الوضوء في حقّ صاحب الضَّرورة:
اشترط الشّافعية، والحنابلة لوضوء صاحب الضّرورة، وهو من حَدثُه دائم كالمُستحاضة، ومن به سَلَس البَول والغائط ونحوهم، دخول الوقت ولو ظنّاً، لأنّ طهارته طهارة عُذر وضرورة فتقيّدت بالوقت كالتّيمُّم.
وزاد الشّافعية: تقدّم الاستنجاء والتّحفُّظ حيث احتيج إليه، والمُوالاة بينهما وبين الوضوء، وكذا في أفعال الوضوء.
قال الخطيب الشّربينيّ :" ويزيد وضوءُ الضّرورة باشتِراط دخول الوقت ولو ظنّاً، وتقدَّم الاستنجاء، والتّحفُّظ حيث احتيج إليه، والمُوالاة بينهما وبين الوضوء، وكذا أفعال الوضوء كما صرّح به ابن المُقرِي ". (مغني المحتاج ج1/147)
وقال المرداويّ :" ومنها دخول الوقت على من حدثه دائم، كالمُستحاضة، ومن به سَلس البول والغائط ونحوهم، على ما يأتي في باب الحيض ". (الإنصاف ج1/111)
خامساً: فروض الوضوء
والفَرض لغةً: القطع، والتّقدير، والتّوقيت، والحَزّ، والتأثير.
واصطلاحاً: هو بمعنى الواجب عند الجمهور، وهو ما أَمر به الشّارع أمراً جازماً، أو هو ما يترتّب على فعله الثّواب، وعلى تركه العقاب. وقالت الحنفية: الفرض ما ثبت بدليل قطعيّ، والواجب ما ثبت بدليل ظنيّ كالآحاد، والقياس، وما كان في ثُبوته خلاف، وهو رواية عن أحمد، وذُكر عن الباقِلانيّ. (تقريب الوصول بتحقيق محمّد المُختار بن محمّد الأمين الشّنقيطيّ ص 90)
1-النّيّة على رأي الجمهور:
معناها لغة واصطلاحاً: قال الفَيوميّ:" ثمّ خُصَّت النّيّةُ في غالب الاستعمال بعَزم القلب على أمر من الأُمور ". (المصباح المُنير ص 331) وقال النوويّ:" النِّيّة: القصد، وهي عزيمة القلب ". (الفتح ج1/20) واصطلاحاً: قال البيضاويّ:" النِّيّةُ عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه مُوافِقاً لغرض من جَلب نفع أو دَفع ضرّ حالاً أو مآلاً. والشّارع خصّها بالإرادة المتوجِّهة نحو الفعل، لابتغاء رضوان الله، وامتثال حُكمه ". (الفتح ج1/20) قال الأمير الصّنعانيّ:" وأقرّه الحافظ، ونقله الشّيخ إبراهيم الكُرديّ في رسالته في النِّيّة، وأقرّه أيضاً، وقال: هذا تعريف شامل لأفراد النِّيّة المأجور صاحبها ". (الإحكام معالعُدّة ج1/31) وقال القَرافيّ:" هي قصد إمالة الفعل إلى جهة الحُكم الشّرعيّ، بأن ينوي إيقاع الفِعل على الوجه الذي أمر الله به، أو نهى عنه، أو أباحه ". (نشر البُنود ج1/33)
وقد اختلف العُلماءُ فيها هل هي فرضٌ من فرائض الوضوء، أو شَرط من شُروطه؟ ذهب المالكية، والشّافعية إلى أنّها فرضٌ من فرائض الوضوء، لقوله -تعالى-: ﴿وما أُمِروا إلّا ليعبدوا الله مخلصين له الدّين﴾ البيّنة:25. قال شِهاب الدّين القَرافيّ:" أي: يُخلصونه له دون غيره، وهذا يدلّ على أنّ ما ليس كذلك ليس مأموراّ به ". (الذّخيرة ج1/235) ولحديث عمر بن الخطّاب، قال: سمعت رسول الله يقول:" إنّما الأعمال بالنّيّات، وإنّما لكلّ امرئٍ ما نوى". رواه البخاريّ برقم 1، ومسلم برقم 1907. قال شهاب الدّين القَرافيّ:" ومعنى الحديث: أنّ الأعمال مُعتبرة بالنّيّات ". (الذّخيرة ج1/235)
قال ابن جُزيّ:" فرائض الوضوء، وهي ستّة: النّيّة...". (القوانين الفقهية ص 22) وقال النوويّ:" النّيّة: وهي فرض في طهارات الأحداث، ولا تجب في إزالة النّجاسة على الصّحيح ". (روضة الطّالبين ص 22) وقال ابن عبد البَرّ:" لا تُجزئ طهارةُ وضوء، ولا تيمّم، ولا غُسل من جنابة، أو حيض، إلّا بنيّة من ذلك ". (الكافي ج1/58)
وذهب الحنابلة إلى أنّها شرط من شروطه، لآنّها خارجةٌ عن ذات الوضوء وحقيقته، لكنّه لا يصحّ إلّا بها. قال ابن قُدامة في المُقنع:" والنّيّة شرط لطهارة الحدث كلّها ". (الإنصاف ج1/110)
وذهب الحنفية إلى أنّها سنّة من سُنن الوضوء. قال بُرهان الدّين المَرغينانيّ :" فالنّيّةُ في الوضوء سُنّة عندنا، وعند الشّافعيّ فرض، لأنّه عبادة فلا تصحّ بدون النّيّة كالتيمُّم ". (الهداية ج1/13)
وقال النوويّ :" قد ذكرنا أنّ النّيّة شرط في صحّة الوضوء والغُسل والتيمّم، وهذا مذهبنا، وبه قال الزُّهريّ، وربيعة شيخ مالك، ومالك، واللّيث بن سعد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود. قال صاحب الحاوي: وهو قول جمهور أهل الحجاز. قال الشّيخ أبوحامد وغيره: ويُروى عن عليّ بن أبي طالب.
وذهب طائفة إلى أنّه يصحّ الوضوء والغُسل والتيمّم بلا نيّة، حكاه ابن المُنذر عن الأوزاعيّ، والحسن بن صالح، وحكاه أصحابنا عنهما وعن زُفر.
وقال أبو حنيفة، وسُفيان الثّوريّ: يصحّ الوضوء والغُسل بلا نيّة، ولا يصحّ التيمّمُ إلّا بنيّة، وهي رواية عن الأوزاعيّ". (المجموع ج1/355)
والأظهر أنّ النّيّة شرط لصحّة الوضوء. وقد عبّر بالشّرط النوويّ كما تقدّم، وكذلك عبّر به ابنُ رُشد في بداية المُجتهِد، ونسبه إلى مالك، والشّافعيّ مع أنّ النّيّة عندهما فرض، فقال:" فذهب فريقٌ منهم إلى أنّها شرط، وهو مذهب الشّافعيّ، ومالك، وأحمد، وأبو ثور، وداود...". (بداية المجتهد ج124)
قال عبد الله بن إبراهيم الشّنقيطيّ :" إنّ الفرق بين الرُّكن والشّرط، هو أنّ الرّكن هو جُزءٌ من الذّات، أي الحقيقة الدّاخل فيها، والشّرطُ هو ما خرج عن ذات الشّيء وحقيقتِه. فالرُّكن كالرُّكوع في الصّلاة، والثّاني كالطّهارة لها، وإطلاق كلٍّ منهما على الآخر مجاز، علاقته المُشابهة في توقُّف وُجود الماهية على كُلٍّ منهما، والفَرضُ يُرادِف الرُّكن... ". (نشر البنود على مَراقي السُّعود ج139)
ومحلّ النّيّة القلب، ولا يلزم التّلفُّظُ بها، ولا الجهرُ بها، وبه قال المالكية، وبعض الحنفية، وبعض الحنابلة.
قال ابن تيمية :" محلّ النّيّة القلب باتّفاق الأئمّة الأربعة وغيرهم، إلّابعض المتأخّرين أوجب التّلفُّظ بها وهو مسبوق بالإجماع ". (كشّاف القِناع ج1/81) وقال:" الجهرُ بلفظ النّيّة أيضاً مَنهيٌّ عنه عند الشّافعيّ، وسائر أئمّة الإسلام، وفاعلُ ذلك مُسيْ، وإن اعتقد ذلك دِيناً فقد خرج عن إجماع المسلمين، ويجب نهيه عن ذلك، وإن عُزِل عن الإمامة إذا لم ينته كان له وجه ". (مجموع الفتاوى ج22/256) وقال ابنُ القيّم :" ولم يكن يقول في أوّله: نويت رفع الحدث، ولا استباحة الصّلاة، لا هو، ولا أحد من أصحابه البتّة، ولم يُرو عنه في ذلك حرف واحد، لا بإسناد صحيح، ولا ضعيف ". (زاد المعاد ج1/189) وقال الكمال بن الهُمام :" قال بعضُ الحُفّاظ: لم يثبت عن رسول الله بطريق صحيح ولا ضعيف، أنّه كان يقول عند الافتتاح: أُصلّي كذا، ولا عن أحد من الصّحابة والتّابعين، بل المنقول أنّه كان إذا قام إلى الصّلاة كبّر، وهذه بدعة ". (فتح القدير ج1/186)
وقال ابن نُجيم الحنفيّ :" وظاهر ما في "فتح القدير" اختيار أنّه بدعة ". (البحر الرّائق ج1/483)
وقال :" وزاد في شرح المُنية، أنّه لم يُنقل عن الأئمّة الأربعة أيضاً ". (البحر الرّائق ج1/484)
وقال ابن عابدين :" وفي الفتح، لم يُنقل عن النّبيّ وأصحابه التّلفُّظُ بها لا في حديث صحيح ولا ضعيف، وزاد ابنُ أمير حاج ولا عن الأئمّة الأربعة. وتمامه في الأشباه في بحث النّيّة ". (ردُّ المُحتار ج1/226)
وقال ابن جُزيّ :" محلّ النّيّة القلب، ولا يلزم النُّطق بها، وتركه أولى خِلافاً للشّافعيّ ". (القوانين الفقهية ص 54)
وقال منصور البُهُوتيّ :" ومحلّها القلب، والتّلفُّظ بها ليس بشرط، إذ الغرض جعلُ العبادة للّه تعالى ". (الرّوض المُربِع ج1/186)
وقال محمود خطّاب السُّبكِيّ :" والسُّنّة المأثورة في النّيّة أن تكون بالقلب، ولا يُطلب التّلفُّظُ بها خِلافاً لمن زعمه فإنّه من المُحدَثات، إذ لم يثبت عن النّبيّ ، ولا عن أحد من أصحابه، ولا الأئمّة المُجتهدين ". (المنهل العَذب ج1/18)
2- غسل الوجه بكامله: واجب بالكتاب، والسُّنّة، والإجماع.
فأمّا الكتاب: فبقوله : ﴿إذا قمتم إلى الصّلوٰة فاغسلوا وجوهكم﴾ المائدة: 6.
والوجهُ مُشتقٌّ من المُواجهة، فالوجه في اللُّغة: ما واجه النَّاظر، وقابَله. (رياض الأفهام ج1/122)
وأمّا السُّنّة: فبحديث عُثمان أنّه دَعا بوَضوء فغسل كفَيه ثلاث مرّات ثمّ تمضمض واستنشق واستنثر ثمّ غسل وجهه ثلاث مرّات… ثم قال:" رأيت رسول الله توضّأ نحو وُضوئي هذا ". رواه البخاريّ برقم 164، ومسلم برقم 226 وبحديث عبد اللّه بن عمرو :" ثمّ غسل وجهه ثلاثاً ". رواه أبو داود برقم 135، قال ابن حجر في بلوغ المرام حديث رقم 33:" وصحّحه ابن خُزيمة "، وصحّحه الألبانيّ في أبي داود برقم 123.
وأمّا الإجماع: فقد أجمع العُلماء على ذلك. قال النوويّ :" غَسل الوجه واجب في الوضوء بالكتاب، والسُّنن المُتظاهرة، والإجماع ". (المجموع ج1/405). وقال ابن قُدامة:" غسلُ الوجه واجب بالنّصّ والإجماع ". (المغني ج1/161) وقال ابن رُشد :" اتّفق العلماءُ على أنّ غَسل الوجه بالجُملة من فرائض الوضوء، لقوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ المائدة: 6. (بداية المجتهد ج1/27)
وحدَّه الحنفيةُ من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل الذَقَن طولًا، وما بين شَحمتي الأذُنين عَرضاً. قال حسن الشُّرُنبُلاليّ :" من مبدأ سطح الجبهة، سواء كان به شعر أم لا، والجبهة ما اكتنفه الجبينان، إلى أسفل الذَّقَن، وهي مَجمع لحيتيه، واللَّحى مَنبَتُ اللِّحية فوق عظم الأسنان لمن ليست له لحية كثيفة، وفي حقِّه إلى ما لاقى البَشَرة من الوجه. وحدُّه أي الوجه عَرضاً بفتح العين مُقابل الطُّول ما بين شَحمتي الأُذُنين، الشَّحمة معلَّق القُرط، ما يُعلّق في شحمة الأذن، والأُذن: بضمّتين وتُخفّف وتُثقّل، ويدخل في الغايتين جُزءٌ منهما لاتِّصاله بالفرض، والبياض العِذار والأُذن. -والعِذار: موضع الشّعر الذي يُحاذي الأذان- ". (مراقي الفلاح ص35)
وحدّه المالكيةُ من أوّل منابت شعر الرّأس المُعتاد إلى آخر الذَّقَن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن، وقيل من العِذار إلى العِذار عَرضاً. قال محمّد بن جُزَيّ :" وأمّا الوجه، فحدُّه طولاً من أوّل منابت شعر الرّأس المُعتاد إلى آخر الذّقن، فلا يدخل الصَّلَع ولا النَّزعَتان-بياضان يكتنفان ناصيته، يعني للأنزع-، وحدّه عَرضاً من الأذن إلى الأذن وِفاقاً للشّافعيّ، وقيل من العِذار إلى العِذار، وقيل بالأوّل في نَقِيّ الخدّ، وبالثّاني في المُلتحِي ". (القوانين الفقهية ص 23)
وحدّه الشّافعيةُ ما بين منابت شعر الرّأس إلى الذّقَن ومُنتهى اللَّحيين طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، والاعتبار بالنّابت المُعتادة لا بمن تصَّلَع الشّعر عن ناصيته، ولا بمن نزل إلى جبهته. قاله النوويّ في المجموع ج1/405
وحدّه الحنابلةُ من منابت شَعر الرّأس المعتاد غالباً، إلى ما انحدر من اللَّحيين والذَّقن طولاً، مع ما استرسل من اللَّحية، ومن الأُذن إلى الأُذن عَرضاً. قاله منصور البُهوتيّ في الرَّوض المُربع ج1/104
واختلف الفقهاء منه في ثلاث مواضع: في غسل البَياض الذي بين العِذار والأُذن، وفيما انسدل من اللِّحية، وفي تخليل اللّحية. قال ابن رُشد :" فالمشهور من مذهب مالك أنّه ليس البَياض الذي بين العِذار -هو جانب اللّحية- والأُذن من الوجه، وقد قيل في المذهب بالفرق بين الأمرد والمُلتحي، فيكون في المذهب ثلاثة أقوال. وقال أبو حنيفة، والشّافعيّ: هو من الوجه، وأمّا ما انسدل من اللّحية، فذهب مالك إلى وُجوب إمرار الماء عليه، ولم يوجبه أبو حنيفة، ولا الشّافعيّ في أحد قوليه. وسبب اختلافهم في هاتين المسألتين هو خفاء تناول اسم الوجه لهذين الموضعين، أعني: هل يتناولهما أو لا يتناولهما؟ ". (بداية المجتهد ج1/ 28)
وقال النوويّ :" ذكرنا أنّ البَياض الذي بين الأذن والعِذار من الوجه، هذا مذهبنا، وحكاه أصحابنا عن أبي حنيفة، ومحمّد، وأحمد، وداود، وعن مالك أنّه ليس من الوجه، وعن أبي يوسف يجب على الأمرد غسلُه دون المُلتحِي، وحكى المَاوَرديّ هذا التّفصيل عن مالك، ودليلنا أنّه تحصل به المُواجهة كالخدّ. واحتجّ الماورديُّ وعيرُه فيه بحديث عليٍّ في صفة وضوء رسول الله ، فقال في غسل الوجه:" ضَرب بالماء على وجهه، ثمّ ألقَم إبهاميه ما أقبَل من أُذنيه ". رواه أبو داود، والبيهقيّ، وليس بقويّ، لأنّه من رواية محمّد بن إسحاق صاحب المغازي وهو مُدلِّس، ولم يذكُر سماعَه فلا يُحتجّ به كما عُرف، ولهذا لم أعتمده وإنّما اعتمدتُ المعنى، وذكرتُ الحديث تقوية، ولِأُبيِّن حاله ". (المجموع ج1/407)
وقال الشّوكانيّ :" استدلّ الماوَرديُّ بحديث عليّ في وصف وضوء النّبيّ على أنّ البياض الذي بين الأذن والعِذار من الوجه كما هو مذهب الشّافعية، وذهب أكثرُ الحنفية إلى وجوب غسله مُطلقاً، وقال أبو يوسف يجب غسلُه على الأمرد دون المُلتحي. وللمالكية في البياض الذي فوق وَتَد الأذن أربعة أقوال: أحدها: وجوب الغسل مُطلقاً، وهو مشهور المذهب. ثانيها: عدم وجوبه مُطلقاً. ثالثها: وجوبه على الأمرد دون المُلتحِي. رابعها: سُنّيّة الغَسل مُطلقاً بخلاف البَياض الذي تحت الوَتد، فقالوا يجب غسله مطلقاً ". (المنهل العذب ج2/37)
وهل ما استرسل-أي ما نزل- من اللّحية يدخل في الوجه؟ خلاف بين العلماء: فمنهم من قال: إنّه لا يدخل كما لم يدخل المُسترسِل من شعر الرّأس إلى الرّأس. وبه قال أبو حنيفة، وداود، واختاره المُزَني، ومنهم من قال: إنه يدخل، فيجب إمرار الماء عليه، لأنه ثبت أنّ النّبيّ كان يُخلّل لحيته، وبه قال مالك، والشّافعية في الأصحّ عنهم، وأحمد. قال النوويّ :" وقد ذكرنا القولين في وجوب إفاضة الماء على ظاهر شعور الوجه الخارجة عن حدّه، والصّحيح منهما عند الأصحاب الوجوب كما سبق، وهو محكيّ عن مالك، وأحمد، وعدم الوجوب مَحكيٌّ عن أبي حنيفة، وداود، واختاره المُزَني، ودليل القَولين ما ذكره المُصنِّف.
وأجاب الأصحاب للقول الصّحيح بما احتجّ به الآخرُ من القياس على الذُّؤابة بجوابين، أحدهما: أنّ الرّأس اسم لما ترأّس وعلا، وليست الذُّؤابة كذلك، والوجه ما حصلت به المُواجهة، وهي حاصلة بالمُسترسل. والثّاني: أنّا سلكنا الاحتياط في الموضعين ". (المجموع ج1/415) والمُراد بإفاضة الماء عليه، أنّ داخل المُسترسل لايجب غَسلُه. (المجموع ج1/414، وبداية المجتهد ج1/28) وقال حسن الشُّرُنبُلاليّ :" ولا يجب إيصالُ الماء إلى المُسترسِل من الشّعر عن دائرة الوجه، لأنّه ليس منه أصالةً ولا بدلاً عنه ". (مراقي الفلاح ص 38)
والأحوط وجوب غسله بإفاضة الماء عليه، واختاره العُثيمين. (الشّرح المُمتع ج1/172)
وهل يدخل في وجوب غَسل الوجه المضمضة والاستنشاق، أم أنّ غسلهما سُنّة؟
معنى المضمضة لغة واصطلاحاً:
قال ابن منظور :" والمضمضة: تحريك الماء في الفم ". (تهذيب اللِّسان ج2/560) وقال الفيّوميّ :"مضمضتُ الماء في فمي: حرَّكتُه بالإدارة فيه. وتمضمضتُ بالماء: فعلت ذلك. قال الفارَابيُّ: المضمضة: صوت الحيّة ونحوها، ويُقال هو تحريكها لسانها ". (المصباح المُنير ص302) وقال ابن حَجر :" أصلُ المضمضة في اللُّغة: التّحريك، ثمّ اشتهر استعماله في وضع الماء في الفم ". (الفتح ج1/358) وأمّا معناها شرعاً: قال النوويّ :" فقال أصحابُنا: كمالها أن يجعل الماء في فمه، ثمّ يُديره فيه، ثمّ يمجُّه، وأمّا أقلُّها، فأن يجعل الماء في فيه، ولايُشترط إدارته على المشهور، والذي قاله الجمهور، وقال جماعة من أصحابنا يُشترط ". (شرح مسلم ج3/105)
وقال ابن حَجر :" فأمّا معناه في الوضوء الشّرعيّ، فأكمله أن يضع الماء في الفم، ثمّ يُديره، ثمّ يَمُجّه، والمشهور عن الشّافعية أنّه لا يُشترط تحريكه ولا مجّه وهو عَجيب، ولعلّ المراد أنّه لايتعيّن المجّ بل لو ابتلعه أو تركه حتّى يسيل أجزأ ". (الفتح ج1/358)
وقال أحمد الدّردِير :" المضمضة: وهي إدخال الماء في الفم، وخضخضته، وطَرحه ". (الشّرح الصّغير ج1/188)
قال محمّد عليّ الإتيوبيّ:" الذي يظهر لي أنّ المضمضة لا تحصل إلّا بجعل الماء في الفم، ثمّ تحريكه، لأنّ هذا هو الذي يقتضيه المعنى اللّغويّ لها، وأمّا المجّ، فليس من معناها، فلا يلزم ". (إتحاف الطّالب الأحوذيّ ج2/550)
معنى الاستنشاق لغة واصطلاحاً:
قال ابن منظور :" النَّشق: صبُّ سَعوط في الأنف. وأنشقتُه الدّواء في أنفه: صبَبتُه فيه...وانتشق الماء في أنفه واستنشقه: صبّه فيه. واستنشقتُ الرِّيح: شمَمتها ". (تهذيب اللِّسان ج2/618)
وقال الفَيُّوميّ :" استنشقتُ الماء: وهو جَعلُه في الأنف، وجَذبُه بالنَّفَس، لينزل ما في الأنف، فكأنّ الماء مجعولٌ للاشتِمام مَجاز، والفقهاء يقولون استنشقتُ بالماء بزيادة الباء ". (المصباح المنير ص318)
وأمّا معناه اصطلاحاً: قال النوويّ :" وأمّا الاستنشاق: فهو إيصال الماء إلى داخل الأنف، وجذبه بالنَّفّس إلى أقصاه ". (شرح مسلم ج3/105) وقال أحمد الدّردير:" الاستنشاقُ: وهو إدخال الماء في الأنف، وجذبه بنَفسه إلى داخل الأنف ". (الشّرح الصّغير ج1/188)
معنى الاستنثار لغة واصطلاحاً:
قال الفيُّوميّ :" ونَثَر المُتوضّىءُ، واستنثر بمعنى استنشق، ومنهم من يُفرّق، فيجعل الاستنشاق، إيصال الماء، والاستنثار، إخراج ما في الأنف من مُخاط وغيره، ويدلّ عليه لفظُ الحديث" كان يستنشِق ثلاثاً في كلّ مرّة يستنثِرُ "، وفي حديث:" إذا استنشقت فانثُر ". (المصباح المنير ص311)
وأمّا في الاصطلاح: قال النوويّ :" قال جمهورُ أهل اللُّغة، والفقهاء، والمُحدِّثون: الاستنثار: هو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق ". (شرح مسلم ج3/105)
وقال ابن حَجر :" وهو طرح الماء الذي يستنشقه المُتوضّئ-أي يجذبه بريح أنفه- لتنظيف ما في داخله فيَخرُج بريح أنفه، سواء كان بإعانة يده أم لا. وحُكي عن مالك كراهيةُ فعله بغير اليد لكونه يشبه فعل الدّابّة، والمشهور عدم الكراهة. وإذا استنثر بيده فالمستحبُّ أن يكون باليُسرى، بَوّب عليه النَّسائيُّ، وأخرجه مُقيَّدّاً بها من حديث عليّ ". (الفتح ج1/353)
واختلف العلماءُ في حكم المضمضة والاستنشاق على مذاهب:
أحدها: أنّهما واجبتان في الوضوء والغُسل، وهو مذهب أحمد في المشهور، وإسحاق، أبي ثور، وابن المُنذر، وابن أبي ليلى، وحمّاد بن أبي سليمان.
قال النوويّ :" والمذهب الثّاني: أنّهما واجبتان في الوضوء والغُسل، وشرطان لصّحّتهما، وهو مذهب ابن أبي ليلى، وحمّاد وإسحاق، والمشهور عن أحمد، ورواية عن عطاء ". المجموع ج1/400)
وقال ابن رُشد :" وقول إنّهما فرضٌ فيه، وبه قال ابن أبي لَيلى، وجماعة من أصحاب داود ". (بداية المجتهد ج1/26)
وقال منصور البُهوتيّ :" والفمُ والأنف منه، أي: من الوجه، لدُخولهما في حَدّه، فلا تسقط المضمضةُ ولا الاسستنشاقُ في وضوءٍ ولا غُسلٍ، لا عمداً ولا سهواً ". (الرَّوض المُربع ج1/98)
وقال شمسُ الدّين السَّفَارِينيّ :" وبوجوب المضمضة والاستنشاق في الطّهارتين قال إسحاقُ بن راهويه، وأبو عُبيد، وأبو ثور، وابن المنذر ". (كشف اللِّثام شرح عُمدة الأحكام ج1/109)
واحتجُّوا بما يلي:
أنّ النّبيّ كان يفعلهما، وفعلُه بيان للطّهارة المأمور بها، قاله النوويُّ في المجموع ج1/400.
حديث أبي هريرة :" إذا توضّأ أحدُكم فليجعل في أنفه ماءً، ثمّ لِينتثِر " رواه البخاريّ برقم 162، ومسلم برقم 237
حديث سلمة بن قيس الأشجعيّ :" إذا توضّأت فانتثر ". رواه التّرمذيُّ برقم 27، وابن ماجه برقم 406، وأحمد برقم 19013، والطّبرانيّ برقم 6309، قال التِّرمذيّ: حديث سَلَمة بن قَيس حديثٌ حسنٌ صحيح، وصحّحه الألبانيّ أيضاً.
حديث لَقيط بنِ صَبِرَة :" وبالغ في الاستنشاق إلّا أن تكون صائماً ". رواه أبو داود برقم 142، والتّرمذيّ برقم 788، والنّسائيّ برقم 87، وابن ماجه برقم 407، وأحمد برقم 16427، وصحّحه النوويّ في شرح مسلم ج3/105، والبغويّ، وابن القطّان، كما في ذَخيرة العُقبى ج2/285، والألبانيّ في أبي داود برقم 129، وابن باز في حاشيته على البلوغ ص 80. قال ابن حَجر :" وصحّحه التِّرمذيّ، والبغويّ، وابن القطّان ". (تلخيص الجَبير ج1/265) وفيه في رواية عند أبي داود برقم 144:"… إذا توضّأت فمضمض ". قال ابن حَجر:" إسناد هذه الرّواية صحيح ". (نيل الأوطار ج1/185).
وفي لفظ آخر رواه الدُّولابيّ في حديث الثّوريّ من جَمعِه، من طريق ابن مَهدي، ذكره الحافظ في تلخيص الحبير ج1/265، وصحّحه ابن القطّان في الوَهم والإيهام برقم 2810:" وبالغ في المضمضة والاستنشاق إلّا أن تكون صائماً ". فال ابنُ سَيّد النّاس :" قال أبو الحسن ابن القَطّان: وهذا صحيح ": (نيل الأوطار ج1/179) قال أحمد شاكر :" قال ابن القطّان: وهذا سند صحيح، ورجّحه على الرّواية الأخرى التي ليس فيها ذكر المضمضة ". (التّعليقات الرّضيّة ج1/150)
قالوا: والأصل في الأمر الوُجوب. قال ابن قدامة :" وهذا أمرٌ يقتضي الوجوب " (المُغني ج1/167)
الثّاني: أنّهما واجبتان في الغُسل دون الوضوء، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، وسُفيان الثّوريّ، وزيد بن عليّ، ورواية عن أحمد. قال النوويّ :" والثّالث: واجبتان في الغُسل دون الوضوء، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وسُفيان الثّوريّ ". (المجموع ج1/400) وقال ابنُ قُدامة :" وعن أحمد رواية أُخرى: إنّ المضمضة والاستنشاق واجبان في الكُبرى، مسنونان في الصُّغرى. وهذا مذهب الثّوريّ، وأصحابِ الرّأي، لأنّ الكبرى يجب فيها غَسلُ كلِّ ما أمكن من البدن كبواطن الشُّعور الكثيفة، ولا يُمسح فيها عن الحوائل، فوجبا فيها، بخلاف الصُّغرى ". (المغني ج1/167) وقال حسن الشُّرُنبُلاليّ :" يُفترض في الاغتسال أحدُ عشر شيئاً: غَسلُ الفم، والأنف...وقال: وهو فرضٌ اجتهاديّ لقوله تعالى: ﴿فاطّهّروا﴾ المائدة: 6، بخلافهما في الوضوء، لأنّ الوجه لا يتناولهما، لأنّ المُواجهة لا تكون بداخل الأنف والفم، وصيغة المُبالغة في قوله {فاطّهّروا} تتناولهما ولا حرج فيهما ". (مراقي الفلاح ص63)
واحتجّوا بما يلي:
بقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جُنُباً فاطّهّروا﴾ المائدة:6 قالوا: فإنّه أمرٌ بتطهير جميع البدن إلّا ما تعذّر إيصال الماء إليه، وداخل الفم والأنف لا يتعذّر إيصاله إليه بخلاف الوضوء، فإنّ الواجب فيه غَسل الوجه، وهو ما تقع به المُواجهة، وهي فيهما مُنعَدِمة. (المنهل العذب ج2/6)
قال محمود خطّاب السُّبكيّ :" ولا وجه للتَّفرقة بين الوضوء والغُسل فيهما، فإنّ ما احتجّوا به من الآية مُجمَل بُيِّن بنحو حديث أبي ذَرّ المُتقدّم، وفيه:" إذا وَجد الماء فليمسّه بَشرته " وقد علمت أنّ البَشَرة ظاهرُ الجلد، فلا تشمل داخل الفم والأنف ". (المنهل العذب ج2/6)
الثّالث: أنّ الاستنشاق واجب في الوضوء والغُسل دون المضمضة، وبه قال أبو ثور، وأبو عُبيد، وداود، ورواية عن أحمد، قال ابن المنذر : وبه أقول. قال النوويّ :" والرّابع: الاستنشاق واجب في الوضوء والغُسل دون المضمضة، وهو مذهب أبي ثور، وأبي عُبيد، وداود، ورواية عن أحمد، قال ابن المنذر: وبه أقول ". (المجموع ج1/400) وقال ابنُ رشد :" وقول إنّ الاستنشاقَ فرضٌ والمضمضة سُنّة، وبه قال أبو ثور، وأبو عُبيدة، وجماعة من أهل الظّاهر ". (بداية المجتهد ج1/26)
واحتجّوا بما يلي:
حديث أبي هريرة :" إذا توضّأ أحدُكم فليجعل في أنفه ماءً، ثمّ لِينتثِر " رواه البخاريّ برقم 162، ومسلم برقم 237
حديث ابن سيرين، قال:" أمر رسول الله بالاستنشاق من الجنابة ثلاثاً ". رواه الدّارقطنيّ برقم 410 والحديث مُرسل.
وقالوا: إنّ المضمضة ثابتة بفعله لا بأمره، بخلاف الاستنشاق، فإنّه ثابت بهما، وفعلُه لا يُفيد الوجوب.
قال محمود خطّاب السُّبكيّ :" وفي قولهم هذا نظر، فقد رَوى الدّارقطنيّ، عن عائشة، وسُليمان بن موسى، قالا: قال رسول الله : من توضّأ فليتمضمض وليستنشق " فلا وجه للتّفرقة ". (المنهل العذب ج2/6) وقال محمّد عليّ الإتيوبيّ :" وفي قولهم هذا نظر، فقد ثبت الأمرُ بالمضمضة فيما رواه أبو داود بإسناد صحيح، كما أسلفنا بيانه ". (إتحاف الطّالب الأَحوَذِيّ ج1/573) وقال ابن سيّد النّاس في شرح التِّرمذيّ-على حديث لقيط: إذا توضّأت فأبلغ في المضمضة والاستنشاق إلّا أن تكون صائماً -:" فهذا أمرٌ صحيح صريح، وانضمّ إليه مُواظبةُ النّبيّ فثبت ذلك عن النّبيّ قولاً وفِعلاً مع المُواظبة على الفِعل ". (نيل الأوطار ج1/179)
الرّابع: أنّهما سُنّتان فيهما، وهو مذهب مالك، والشّافعيّ، والأوزاعيّ، واللَّيث، والحسن البصريّ، والزُّهريّ، وربيعة، ويحي بن سعيد، وقَتادة، والحَكم بن عُتيبة، ومحمّد بن جرير الطّبريّ، وأحمد في رواية. قال النوويّ :" أنّهما سُنّتان في الوضوء والغُسل، هذا مذهبنا، وحكاه ابن المُنذر عن الحسن البَصريّ، والزُّهريّ، والحَكم، وقَتادة، ورَبيعة، ويحي بن سعيد الأنصاريّ، ومالك، والأوزاعيّ، واللّيث، ورواية عن عطاء، وأحمد ". (المجموع ج1/400)
وقال ابن رشد :" قول إنّهما سُنّتان في الوضوء، وهو قول مالك، والشّافعيّ، وأبي حنيفة ". (بداية المجتهد ج1/26) ورجّحه محمّد خطّاب السّبكيّ في المنهل العذب ج1/7.
واحتجّوا بما يلي:
قوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ المائدة: 6 قالوا: ليس في الآية ذكرُ المضمضة والاستنشاق.، والوجه عند العرب ما حصلت به المُواجهة، كما قاله النوويّ في المجموع ج1/401. قال الشَّوكانيّ :" ورُدّ: بأنّ الأمر بغسل الوجه أمرٌ بهما ". (نيل الأوطار ج1/178)
حديث رِفاعة بن رافع :" توضّأ كما أمرك الله ". رواه أبو داود برقم 861، والتّرمذيّ برقم 302، وابن خُزيمة برقم 545
قال النوويّ :" وهذا الحديث صحيح، رواه أبو داود، والتِّرمذيّ، وغيرهما، وقال التّرمذيّ: حديث حسن صحيح، وهو بعض حديث طويل أصلُه في الصّحيحين، هو من أحسن الأدلّة، لأنّ هذا الأعرابيّ صلّى ثلاث مرّات فلم يحسنها، فعَلِم النّبيُّ حينئذ أنّه لا يعرف الصّلاة التي تُفعل بحضرة النّاس وتُشاهَد أعمالها، فعلّمه واجباتها وواجبات الوضوء، فقال توضّأ كما أمرك الله، ولم يذكر له سُنن الصّلاة والوضوء لئلّا تكثر عليه فلا يضبطها، فلو كانت المضمضة والاستنشاق واجبتين لعلّمه إيّاهما، فإنّه مِمّا يخفى لاسيّما في حقّ هذا الرّجل الذي خَفِيت عليه الصّلاة التي تُشاهد فكيف الوضوء الذي يخفى. (المجموع ج1/402 بتصرّف)
قال الشّوكانيّ :" ورُدّ بأنّ وجوبها ثبت بأمر رسول الله ، والأمر منه أمرٌ بدليل: {وما آتاكم الرّسول فخذوه} الحشر: 7 {قل إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني} آل عمران: 31... ثمّ قال: ولا يكون الاقتصارُ على البعض في مَبادئ التّعليم ونحوها مُوجباً لصرف ما وَرد بعده وإخراجِه عن الوجوب، وإلّا لزِم قصرُ واجبات الشّريعة بأسرِها على الخمس المذكورة في حديث ضِمام بن ثَعلبة مثلاً لاقتصاره على ذلك المِقدار في تعليمه. وهذا خَرق للإجماع واطِّراح لأكثر الأحكام الشّرعية ". (نيل الأوطار ج1/178-179)
واختار وجوب المضمضة والاستنشاق الشّوكانيّ في نيل الأوطار ج1/180، والعُثيمين في ذي الجلال والإكرام ج1/287، ومحمّد عليّ الإتيوبيّ في إتحاف الطّالب الأحوذيّ ج2/573، وهو الرّاجح.
كيفية المضمضة: يُدخل يَده اليُمنى في الإناء فيُمَضْمِض ثلاثاً ويستنشق ثلاثاً من كَفّ واحدة، لحديث عبد الله بن زَيْد أنّه رأى النّبيّ:" توضّأ فمضمض واستنشق من كَفّ واحدة، فعل ذلك ثلاثاً ". رواه البخاريّ برقم 191، ومسلم برقم 235، وأبو داود برقم 119، والتّرمذيّ برقم 28. قال النوويّ :" فيه دلالة ظاهرة للمذهب الصّحيح المُختار أنّ السُّنّة في المضمضة والاستنشاق أن يكون بثلاث غَرفات يتمضمضُ ويستنشق من كلّ واحدة منها ". (شرح مسلم ج3/116) وقال :" والصّحيح الوجه الأوّل، وبه جاءت الأحاديث الصّحيحة في البخاريّ ومسلم وغيرهما، وأمّا حديث الفَصل فضعيف فيتعيّن المصير إلى الجمع بثلاث غَرفات كما ذكرنا، لحديث عبد اللّه بن زيد ". (شرح مسلم ج3/106) وقال ابنُ القيّم :" ولم يجئ الفصل بين المضمضة والاستنشاق في حديث صحيح البتّة ". (زاد المعاد ج1/185) وقال ابن حَجر :" وهو صريح في الجمع كلّ مرّة ". (الفتح ج1/390) وقال محمّد المُباركفوريّ :" حديث عبد اللّه بن زيد هذا دليلٌ صحيح صريح لمن قال إنّ المستحبّ في المضمضة، والاستنشاق أن يجمع بينهما بثلاث غرفات، بأن يتمضمض ويستنشق من غَرفة، ثمّ يتمضمض ويستنشق من غرفة، ثمّ يتمضمض ويستنشق من غرفة، وإليه ذهب طائفة من أهل العلم، وإليه ذهب الشّافعيّ، كما هو المشهور عنه ". (التّحفة ج1/110) وقال ابن القيّم :" فيأخذ نصف الغرفة لفمه، ونصفها لأنفه، ولا يُمكن في الغرفة إلّا هذا ". (زاد المعاد ج1/185) وبه قال مالك في رواية ذكرها عنه عِياض، كما في شرح مسلم للأُبّي ج2/29، ورواية عن أحمد نصّ عليها، كما في الإنصاف للمَرداويّ ج1/117.
كيفية الاستنثار: يستنثر باليد اليُسرى، لحديث عليّ :"... ونَثَر بيده اليُسرى فعل هذا ثلاث مرّات...". رواه النّسائيّ برقم 89، وصحّحه الألبانيّ فيه، وقال النوويّ :" ويستنثر بيده اليُسرى، للحديث الصّحيح:" كانت يده اليٌسرى لخلائه وما كان من أذى..."، وروى البيهقيّ بإسناده الصّحيح عن عليّ ﵁ في صفة وُضوء رسول اللّه قال بعد غسل الكفّ: فأدخل يده اليُمنى في الإناء فملأ فمه فتمضمض واستنشق ونثر بيده اليُسرى يفعل ذلك ثلاثا ". (المجموع ج1/397) وقال ابنُ قُدامة : " ويُستحبّ أن يُمضمض ويَستنشق بيُمناه، ثمّ يستنثر بيُسراه، لِما رُويَ عن عثمان ، أنّه توضّأ فدعا بماء فغسل يديه، ثمّ غرف بيمينه، ثمّ رفعها إلى فيه، فمضمض واستنشق بكفّ واحدة، واستنثر بيُسراه، فعل ذلك ثلاثاً...". (المُغني ج1/169) وقال ابن القيّم :" وكان يستنشق بيده اليُمنى، ويستنثر باليُسرى ". (زاد المعاد ج1/186)
لماذا قُدِّمت المضمضة على الاستنشاق؟ قال ابنُ المُلَقِّن :" قال الشّيخ عزّ الدّين:" قُدِّمت المضمضةُ على الاستنشاق، لِشَرف منافع الفم على الأنف، فإنّه مَدخلُ الطّعام والشّراب اللّذَين بهما قوام الحياة، وهو محلُّ الأذكار الواجبة والمندوبة، والأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر ". (الإعلام بفوائد عُمدة الأحكام ج1/329)
والحكمة في تقديم المضمضة والاستنشاق على الوجه: قال ابن المُلقِّن :" الحكمة في تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه المفروض، لأنّ المُعتبر في صفات الماء للتّطهير: لون يدرك بالبصر، وطعم يدرك بالذّوق، وريح يُدرك بالشمّ، فقُدِّمت هاتان السُّنّتان لاختبار حال الماء قبل فعل الفرض به، أفاده القاضي عِياض، ولا ينتقض ما ذكره بمن لايشُمّ وبمن لايُبصر وبمن عَلِم سلامة الماء لئلّا يخفى، ممّا لا يحتاج إلى تسطيره ". (الإعلام بفوائد عمدة الأحكام ج1/329)
الحكمة في الاستنثار: قال ابن حَجر :" فالمُراد بالاستنثار في الوضوء التّنظيف لما فيه من المَعونة على القراءة، لأنّ بِتَنقية مَجرى النّفَس تصحّ مخارج الحروف، ويُزاد للمُستيقظ بأنّ ذلك لِطرد الشّيطان ". (الفتح ج1/352-353)
3- غسل اليدين إلى المرفقين: واجب بالكتاب، والسُّنّة، والإجماع. فأمّا الكتاب، فبقوله : ﴿وأيديَكم إلى المرافق﴾ المائدة: 6 والمِرفَق بكسر الميم وفتح الفاء، وعكسه لُغتان مشهورتان الأولى أفصحهما، وهو مجتمع العَظمين المُتداخلَين، وهما طَرف عظم العضُد وطرف عظم الذِّراع، وهو الموضع الذي يتّكىءُ عليه المَتّكىءُ إذا أَلقَم راحته رأسه واتّكأ على ذِراعه. (المجموع ج1/420)
وأمّا السُّنّة، فبحديث عُثمان :"... وغَسل يدَه اليُمنى إلى المرفق ثلاثاً ثم اليُسرى مِثل ذلك...". رواه البخاريّ برقم 159، ومسلم برقم 226.
وبحديث نُعيم بن عبد اللّه بن المُجمِر قال:" رأيت أبا هريرة يتوضّأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثمّ غسل يده اليُمنى حتّى أَشرَع في العَضُد، ثمّ يده اليُسرى حتّى أَشرع في العَضُد... ثمّ قال: هكذا رأيت رسول اللّه يتوضّأ ". رواه البخاريّ برقم 136، ومسلم برقم 246، واللّفظ له، وأحمد برقم 362، وقال صدّيق خان:" وفي رواية الدّارقطنيّ من حديث عُثمان :" أنّه غسل وجهه ويديه حتّى مسّ أطراف العَضُدَين ". قال الحافظ: وإسناده حسن ". (التّعليقات الرّضيّة ج1/154، والفتح ج1/391)
وأمّا الإجماع: فقد نقله غيرُ واحد من العلماء. قال النوويّ :" فغَسلُ اليدين فرضٌ بالكتاب، والسُّنّة، والإجماع ". (المجموع ج1/417) وقال ابنُ قُدامة :" لاخلاف بين عُلماء الأمّة في وجوب غَسل اليدين في الطّهارة ". (المغني ج1/172) وقال ابنُ رُشد :" اتّفق العلماء على أنّ غَسلَ اليدين والذِّراعين من فُروض الوضوء، لقوله تعالى: ﴿وأيديَكم إلى المرافق﴾ المائدة: 6 ". (بداية المجتهد ج1/28)
لكن اختلف العُلماء في إدخال المرفقين في الغَسل، فذهب الجمهور، أبو حنيفة، ومالك، والشّافعيّ، وأحمد في المشهور، إلى وجوب إدخال المرفقين.
وذهب بعض أهل الظّاهر، وبعض مُتأخريّ أصحاب مالك، والطّبريّ، إلى أنّه لا يجب إدخالهما في الغَسل.
قال النوويّ :" وجوب غَسل المرفقين مذهب العلماء كافّة، إلاّ ما حكاه أصحابُنا عن زُفر، وأبي بكر بن داود أنّهما قالا: لا يجب غسل المرفقين والكعبين ". (المجموع ج1/419)
وقال ابن قُدامة :" وأكثر العلماء على أنّه يجب إدخال المرفقين في الغَسل، منهم عطاء، ومالك، والشّافعيّ، وإسحاق، وأصحاب الرّأي، وقال بعض أصحاب مالك، وابن داود: لا يجب، وحُكي ذلك عن زُفَر...». (المغني ج1/172)
وقال ابنُ رشد :" واختلفوا في إدخال المرافق فيها. فذهب الجمهورُ، مالك، والشّافعيّ، وأبو حنيفة إلى وجوب إدخالها، وذهب بعضُ أهل الظّاهر، وبعضُ أصحاب مالك، والطَّبَريُّ إلى أنّه لايجب إدخالُها في الغَسل ". (بداية المجتهد ج1/29) وقال محمود خطّاب السُّبكيّ :" ولا خلاف في وجوب غَسل اليدين للنّصّ، ولم يُخالف في وجوب غسل المرفقين إلّا زُفر، وأبو بكر بن داود الظّاهريّ ". (المنهل العذب ج2/8)
واحتجّ الجمهور بما قال النوويّ :" واحتجّ أصحابُنا بقول الله تعالى: ﴿وأيديَكم إلى المرافق﴾، فذكر ابنُ قُتيبة، والأزهريّ، وآخرون من أهل اللُّغة، والفقهاء في كيفية الاستدلال بالآية كلاماً، مُختصرُه: أنّ من أهل اللُّغة منهم أبو العبّاس ثَعلب، وآخرون، قالوا: إلى بمعنى مع، وقال أبو العبّاس المُبرِّد، وأبو إسحاق الزَّجّاج، وآخرون: إلى للغاية، وهذا هو الأصّحّ الأشهر، فإن كانت بمعنى مع فدُخول المرفق ظاهر، وإنّما لم يدخل العَضُد للإجماع.
وإن كانت للغاية فالحدُّ يدخل إذا كان التّحديد شاملاً للحدّ والمحدود، كقولك: قطعت أصابعه من الخِنصر إلى المُسبِّحة، أو بِعتُك هذه الأشجار من هذه إلى هذه، فإنّ الأصبعين والشّجرتين داخلان في القطع والبيع بلا شكّ، لشُمول اللّفظ، ويكون المرادُ بالتّحديد في مثل هذا إخراجَ ما وراء الحدّ مع بقاء الحدّ داخلاً، فكذا هُنا اسم اليد شامِل من أطراف الأصابع إلى الإبط، ففائدة التّحديد بالمرافق مع بقاء المرفق ". (المجموع ج1/419-420)
واحتجّوا بالأحاديث المُتقدّمة.
وما ذهب إليه الجمهور هو الرّاجح. قال ابن حَجر :" وقد قال الشّافعيّ في الأُمّ: لا أعلم مُخالفاً في إيجاب دخول المَرفقين في الوضوء، فعلى هذا فزُفَر مَحجوجٌ بالإجماع قبله، وكذا من قال بذلك من أهل الظّاهر بعده، ولم يثبت ذلك عن مالك صريحاً، وإنّما حكى عنه أشهب كلاماً مُحتملاً ". (الفتح ج1/391)
وهل يُحرّك الخاتم في غسل اليدين؟ خلاف بين العلماء. قال ابن المنذر :" اختلف أهل العلم في تحريك الخاتم في الوضوء، فمِمّن رُوي عنه أنّه حرّك خاتمه في الوضوء: عليّ بن أبي طالب، وعبد اللّه بن عمرو، ومحمّد بن سيرين، وعمرو بن دينار، وعُروة بن الزُّبير، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وهو قول ابن عُيَينة، وأبي ثور.
ورخّصت فيه طائفة، فمِمّن رخّص فيه: مالك، والأوزاعيّ، وقال خالد بن أبي بكر: رأيت سالم بن عبد اللّه يتوضّأ، وخاتمه في يده، فلا يُحرّكه.
وفيه قول ثالث، وهو أن يُحيله بحركة إن كان ضَيّقاً، ويدعه إن كان واسعاً سلِساً، هكذا قال عبد العزيز بن عبد اللّه بن أبي سلمة، وبه قال أحمد بن حنبل، وكذلك نقول ". (الأوسط ج1/388-389) والأقوال الثّلاثة في مذهب مالك. قال ابن جُزيّ :" وفي إجالة الخاتم- أي تحريكه - ثلاثة أقوال، يفرّق في الثّالثة فيُجال الضَيّق دون الواسع، وبه قال ابن حنبل ". (القوانين الفقهية ص 23) والقول بالتّفريق أقرب إلى الصّواب.
ويُخلّل أصابع اليدين، لحديث لَقيط بن صَبِرة قال: قال رسول اللّه :" أسبِغ الوضوء، وخلِّل بين الأصابع...". رواه أبو داود برقم 142، والتّرمذيّ برقم 38، والنّسائيّ برقم 87، و114، وابن ماجه برقم 448، وابن خزيمة برقم 150، و168، وقد تقدّم، ولحديث ابن عبّاس أنّ رسول اللّه قال:" إذا توضّأت فخلِّل بين أصابع يديك ورجليك ". رواه التّرمذيّ برقم 39، وحسّنه البخاريّ كما في عِلل التّرمذيّ ص 34، وتلخيص الحبير ج1/94، ونيل الأوطار ج1/195.
والتّخليل: تفريق شعر اللّحية، وأصابع اليدين، والرّجلين في الوضوء، وأصله من إدخال الشّيء في خَلل الشّيء، وهو وسطه. (تهذيب اللّسان ج1/364) والمُراد هنا: أدخل الماء بين الأصابع. قال ابن كجّ:" وعلى هذا يكون تخليلهما بالتّشبيك بينهما ". (المجموع ج1/456) وقال الجزوليّ :" وصفة تخليلها أن يدخل بعضها في فُروج بعض من ظاهر لا من باطن، لأنّه أبلغ بخلاف أصابع الرّجلين إنّما يخلّلها من أسفلها، لأنّه أمكن ". (عمدة الطّالبين ص 118) وقال عبد اللّه بن صالح الفوزان:" وأمّا أصابع اليدين، فالأصل في تخليلها أن يضع بطن الكفّ اليُمنى على اليُسرى ويدخل الأصابع بعضها في بعض ". (مِنحة العلاّم ج1/176)
واختلف العلماء في حكم تخليل الأصابع على قولين:
ذهب المالكية في المشهور إلى أنّ تخليل أصابع اليدين واجب، بخلاف أصابع الرِّجلين فإنّ تخليلها مندوب، لشدّة اتّصالها، فاعتُبرت كعضو واحد، فلا يلزم تخليلها.
وذهب جمهور العلماء إلى أنّ تخليل أصابع اليدين والرِّجلين مَسنون، وحملوا أحاديث الباب على النّدب جمعاً بينها وبين سائر الرّوايات التي حُكي فيها صفة وُضوئه ، فإنّها لم يذكر فيها التّخليل، وقد سِيقت لبيان صفة الوضوء. واختاره محمود محمّد خطّاب السُّبكِيّ في المنهل العذب المورودج2/89-90.
ومحلّ هذا كلّه إذا وصل الماء إلى ما بين الأصابع بدون تخليل، وإلّافيجب اتّفاقاً. واختار الشّوكانيّ وجوب التّخليل مُطلقاً، ولا فرق بين إمكان وصول الماء بدون تخليل وعدمه، ولا بين أصابع اليدين والرّجلين، حيث اعتبرالتّقييد بأصابع الرّجلين، أو بعدم وصول الماء لا دليل عليه. (نيل الأوطار ج1/196). وقال محمّد المُباركفوريّ :" الأمر كما قال الشّوكانيّ ". (التُّحفة ج1/134)، واختاره الألبانيّ كما في الموسوعة الفقهية الميسّرة ج1/133، ومحمّد عليّ الإثيوبيّ في ذخيرة العُقبى ج3/57، وهو رواية عن مالك رجّحها اللَّخميُّ، وابنُ بَزِيزة، وابنُ عبد السّلام، قاله في التَّوضيح. (مواهب الجليل ج1/309)
4- مسح الرّأس: فهو واجب بالكتاب، والسُّنّة، والإجماع. فأمّا الكتاب: فبقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ المائدة: 6.
ومعنى المسح: قال الفَيُّوميّ :" مسحتُ الشَّيء بالماء مَسحاً: امررت اليد عليه. قال أبو زيد: في كلام العرب، يكون مَسحاً، وهو: إصابة الماء، ويكون غَسلاً، يُقال مسحتُ يدي بالماء، إذا غسلتها، وتمسّحتُ بالماء: إذا اغتسلت...فالمسحُ مُشتركٌ بين معنيين ". (المصباح المنير ص300، و301)
ومعنى الرّأس: قال العَينيّ :" الرّأس مُشتمل على النّاصية والقَفا والفَودين ". (المنهل العذب ج2/9) وقال الفَيّوميّ :" والفَود مُعظم شعرِ اللَّمّة مِمّا يلي الأُذنين، قاله ابنُ فارس، وقال ابنُ السِّكيت: الفَودان الضَّفيرتان، ونَقل في البارع عن الأصمَعيّ، أنّ الفَودَين ناحِيتا الرّأس، كلّ شِقّ فَود، والجمع أفواد، مثل ثوب، وأثواب ". (المصباح المنير ص 255) وقال النوويّ :" الرّأسُ: ما اشتملت عليه منابِت الشَّعر المُعتاد ". (المجموع ج1/428) وقال الشّوكانيّ :" والرّأس حقيقة اسم لجميعه، والبعض مَجاز ". (نيل الأوطار ج1/197)
وأمّا السُّنّة: فبحديث عبد خير :" فمَسح برأسه واحدة ". رواه أبو داود برقم 111، و115، والتّرمذيّ برقم 49، وقال: حديث حسن صحيح، والنّسائيّ برقم 92، و95، وصحّحه الألبانيّ في صحيح أبي داود برقم 102، وبحديث الرُّبيّعِ بنت مُعَوِّذ :" أنّ رسول الله توضّأ عندها فمَسح الرّأس كُلَّه من قَرن الشّعر كلّ ناحية لمُنصبِّ الشّعر، لا يحرّك الشّعر عن هيئته ". رواه أحمد برقم 26484، وأبو داود برقم 128، والتّرمذيّ برقم 33، وحسّنه الألبانيّ في أبي داود برقم 118. معنى "قرن الشّعر": أي أعلى الشّعر. ومعنى "لِمُنصبّ الشّعر": أي المكان الذي ينحدر إليه وهو أسفل الرّأس. ومعنى "لا يحرّك الشّعر عن هيئته": أي التي هو عليها.
وأمّا الإجماع: فقد نقله النوويُّ وغيرُه. قال النوويّ :" فمَسحُ الرّأس واجبٌ بالكتاب، والسُّنّة، والإجماع ". (المجموع ج1/428)
لكنّهم اختلفوا في القدر الواجب فيه. قال ابنُ رُشد:" اتّفق العلماءُ على أنّ مَسح الرَّأس من فُروض الوضوء، واختلفوا في القَدر المُجزئ منه ". (بداية المجتهد ج1/29)
ذهب الحنفيةُ في رواية إلى أنّ الواجب رُبع الرّأس وفي رواية ثلاثة أصابع من أصابع اليد، مُستدلِّين بحديث المُغيرة ، "أنّ النّبيّ أتى سُباطة قوم قوم فبال وتوضّأ ومسح على ناصيته " قال الزَيلعيّ :" هذا الحديث مُركّب من حديثين، وجعلهما المصنِّف-أي صاحب الهداية- حديثاً واحداً. فحديث المسح على النّاصية والخُفَّين، أخرجه مسلم برقم 274،...وحديث السُّباطة، والبول قائماً، رواه ابن ماجه برقم 306 (نصب الرَّاية لأحاديث الهداية ج1/49-50) وقدّروا النّاصية برُبع الرّأس. قال المَرغينانيّ :" والمفروض في مسح الرّأس مِقدار النّاصية، وهو رُبع الرّأس، لما روى المغيرة بن شُعبة:" أنّ النّبيّ أتى سُباطة قوم فبال وتوضّأ ومسح على ناصيته وخُفّيه ". والكتاب مُجمل، -أي القرآن- فالتَحق بَياناً به. وهو حُجّة على الشّافعيّ في التّقدير بثلاث شعرات، وعلى مالك في اشتراط الاستيعاب. وفي بعض الرِّوايات قدّره بعضُ أصحابنا بثلاث أصابع من أصابع اليد، لأنّها أكثر ما هو الأصلُ في آلة المسح ". (الهداية ج1/12)
وقالوا: إنّ الباء في قوله تعالى ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ المائدة: 6 للتّبعيض، ويدلُّ عليه اتِّفاق الجميع على جواز ترك القليل من الرّأس في المسح، والاقتصار على بعض.
وقالوا: لا مُنافاة بين كونها للتَّبعيض ها هُنا ومعناها الأصليّ الذي هو الإلصاق، لأنّها تكون مُستعمَلة للإلصاق في البعض المفروض، أفاده العَينيُّ. (المنهل العذب ج2/10)
وذهب الشّافعيةُ إلى أنّ الواجب ما يُطلق عليه اسم المَسح، ولو شعرة واحدة، أو بعض شعرة في حدّ الرّأس بحيث لايخرج الممسوح عنه، لِما صحّ من مسحه لناصيته، وعلى عِمامته الدّالين على الاكتفاء بمسح البعض، إذ لم يقل أحدٌ بخُصوص النّاصية، والاكتفاء بها يمنع وجوب الاستيعاب، أو الرُّبع، لأنّها دونه، ولأنّ الباء الدّاخِلة في حَيّز مُتعدِّد كالآية للتّبعيض وغيره، كما في قوله تعالى: ﴿وَليَطَّوَّفُوا بالبيت العِتيق﴾ الحجّ: 29 للإلصاق. وحُكي ذلك عن ابن عمر، والحسن البصريّ، وسفيان الثّوريّ، وداود.
وقالوا: وبهذا يكون مسحُ النّبيّ لكلّ الرّأس في مُعظم الأوقات بَياناً لِفضيلته، والاقتصارُ على البعض في وقت بياناً للجواز.
وأمّا قِياسُهم على التّيمُّم، فجوابه من وجهين: أحدهما: أنّ السُّنّة بيّنت أنّ المطلوب بالمسح في التّيمُّم الاستيعاب، وفي الرّأس البعض. الثّاني: أنّه فرَّق الشّافعيُّ في مُختصر المُزَنيّ بينهما، فقال: مَسحُ الرّأس أصلٌ، فاعتُبِر فيه حُكم لَفظه، والتّيمُّم بَدلٌ عن غَسل الوجه، فاعتُبِر فيه حُكم مُبدله. أفاده النوويّ في المجموع ج1/432.
قال النوويّ :" وقد ذكرنا أنّ المشهور من مذهبنا أنّه ما يقع عليه الاسمُ وإن قلّ، وحكاه ابنُ الصَّبّاغ عن ابن عمر ، وحكاه أصحابُنا عن الحسن البصريّ، وسُفيان الثّوريّ، وداود ". (المجموع ج1/431) وقال الخطيب الشّربينيّ :" الرّابع من الفُروض مُسمَّى مسحٍ لبعض بَشَرة رأسه، أو بعضِ شَعَرٍ، ولو واحدةً أو بعضَها في حَدِّه، أي الرّأس ". (مُغني المُحتاج ج1/159)
وذهب مالك، وأحمد، وجماعة إلى وُجوب استيعاب الرّأس بالمسح. قال أحمد الدَّردير :" ومسحُ جميع الرّأس مع شعر صُدغَيه وما استرخَى ". (الشّرح الصّغير مع حاشية الصّاويّ ج1/175) وقال الصّاويّ:" أي على المشهور ". (الشّرح الصّغير مع حاشية الصّاويّ ج1/175) وقال تاج الدّين الفاكِهانيّ :" اختُلِف في ذلك، فنَقل صاحبُ البَيان والتَّقريب في المذهب أربعة أقوال: أوّلُها وأشهرُها: وجوب استيعاب جميعه، قال: وهذا الذي نَصّ عليه مالك، وبه قال ابنُ القَصّار، وابنُ الجَلّاب، وغيرُهما، فيحتاج على هذا القول إلى معرفة حَدّه، وحَدُّه من مُنقطع الوجه إلى ما تَحُوزه الجُمجُمة.
وقال ابنُ شَعبان: بل إلى آخر مَنبت الشّعر من القَفا.
قال اللَّخمِيُّ: وليس يَحسُن، لأنّ ذلك من العُنُق، وليس من الرّأس.
وقال محمّد بن مَسلمة: يُجزِئ مسحُ الثُّلثين.
وقال القاضي أبو الفَرج عَمرو بن محمّد اللَّيثيّ: يُجزِئُ مسحُ الثُّلث.
وعن أشهب رِوايتان: إحداهما: إجزاء النّاصية. والثّانية: مُطلقة، فإن لم يعُمّ رأسه، أجزأه، ولم يُقدِّر ما لا يضرّه تركه ". (رياض الأفهام ج1/128-129)
وقال منصور البُهوتيّ :" ثمّ يمسح كلَّ رأسه بالماء مع الأذنين مرّةً واحدةً، فيُمِرُّ يديه من مُقدَّم رأسه إلى قَفاه، ثمّ يرُدُّهما إلى الموضِع الذي بدأ منه...". (الرَّوض المُربع ج1/104)
واحتجّوا بفعل النّبيّ المُستمِرّ، وفعلُه بيانٌ لمُجمَل الآية، لأنّه يحتمل أن يُراد منها مسحُ الكلّ على أنّ الباء زائدة، أو مسحُ البعض على أنّها تَبعيضية، فتبيَّن بفعل النّبيّ أنّ المُراد الأوّل، ولم يُنقل أنّه مَسح بعض رأسه إلّا في حديث المُغيرة، لكن فيه:" أنّه مَسح على ناصيته وعِمامته "، فلا حُجّة فيه على الاكتفاء ببعض الرّأس. أفاده عُبيد الله المُباركفوريّ في المِرعاة ج2/272. قال ابن القيّم:" لم يصحّ عنه في حديث واحد أنّه اقتصر على مسح بعض رأسه البتَّة، ولكن كان إذا مسح بناصيته كَمّل على العِمامة ". (زاد المعاد ج1/186) وقال الزُّرقانيّ :" ولم يُنقل عنه أنّه مسح بعض رأسه إلّا في حديث المُغيرة أنّه مسح على ناصيته وعِمامته، رواه مسلم. قال عُلماؤُنا: ولعلّ ذلك كان لعُذر، بدليل أنّه لم يكتف بمسح النّاصية حتّى مسح على العِمامة، إذ لو لم يكن مَسحُ كلّ الرّأس واجباً ما مَسح على العمامة، واحتِجاج المُخالِف بما صحّ عن ابن عمر من الاكتفاء بمسح بعض الرّأس، ولم يصحّ عن أحد من الصّحابة إنكارُ ذلك لم ينهض، إذ المُختلف فيه لا يجب إنكارُه، وقول ابن عمر لم يرفعه، فهو رأي له فلا يُعارِض المرفوع ". (شرح المُوطّأ للزُّرقانيّ ج1/95)
قال ابنُ رشد :" اتّفق العُلماء على أن مسح الرأس من فُروض الوضوء، واختلفوا في القَدر المُجْزئ منه، فذهب مالك إلى أنّ الواجب مسحُه كُلّه، وذهَب الشّافعيّ، وبعض أصحاب مالك، وأبو حنيفة إلى أنّ مَسح بعضه هو الفَرْض، ومن أصحاب مالك من حدَّ هذا البعض بالثُلث، ومنهم من حدّه بالثّلُثين. وأمّا أبو حنيفة فحدَّه بالرُّبع، وحدَّ مع هذا القَدر من اليد الذي يكون به المسح، فقال إن مَسحه بأقلّ من ثلاثة أصابع لم يُجزه. وأمّا الشّافعيُّ فلم يحدّ في المسح ولا في الممسوح حَدّاً ". (بداية المُجتهد ج1/29-30)
وقال النوويّ :" وقد ذكرنا أنّ المشهور من مذهبنا أنّه ما يقع عليه الاسمُ وإن قَلّ، وحكاه ابنُ الصَّبّاغ عن ابن عمر ، وحكاه أصحابُنا عن الحسن البصريّ، وسُفيان الثّوريّ، وداود، وعن أبي حنيفة ثلاث رِوايات أشهرُها: رُبع الرّأس، والثّانية: قدر ثلاث أصابع بثلاث أصابع، والثّالثة: قدر النَّاصية، وعن أبي يوسف: نصف الرّأس، وعن مالك، وأحمد، والمُزَني: جميع الرّأس، على المشهور عنهم. وقال محمّد بن مَسلمة من أصحاب مالك: إن تَرك نحو ثُلث الرّأس جاز، وهي رواية عن أحمد ". (المجموع ج1/431)
قال ابن القيّم:" وكان يمسح رأسه كلّه ". (زاد المعاد ج1/186)
وقال صدِّيق خان :" في سِفر السّعادة: وكان يمسح جميعَ رأسه أحياناً، وأحياناً يمسح على العِمامة، وأحياناً يمسح على النّاصية والعِمامة، ولم يقتصر على مسح بعض الرّأس أبداً، وكان يمسح الآذان ظاهراً وباطناً، ولم يثبت في مسح الرَّقبة حديث ". (التّعليقات الرَّضيّة على الرَّوضة النَّدِيّة ج1/156) وقال محمود خطّاب السُّبكيّ :" وذهب مالك، وأحمد، وجماعة إلى وجوب استيعاب المسح، وهو الظّاهر ". (المنهل العذب ج1/10) وقال محمّد بن عليّ الإتيوبيّ :" والحاصل أنّ الأرجح وُجوب استيعاب الرّأس بالمسح ". (البحر المحيط ج6/104)
5-وأمّا مسح الأُذُنَين فهما من الرّأس على رأي الجمهور، قال التِّرمذيُّ :" والعملُ على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النّبيّ ، ومن بعدهم: أنّ الأُذُنين من الرّأس. وبه قال سُفيان الثّوريّ، وابنُ المُبارك، وأحمد، وإسحاق. ". (جامع التِّرمذيّ مع التُّحفة ج1/130)
وقال ابن المُنذر :" رُوِّيناه عن ابن عبّاس، وابن عمر، وأبي موسى، وبه قال عطاء، وابن المُسيِّب، وسعيد بن جُبير، وقَتادة، ومالك، والثّوريّ، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد ". (المجموع ج1/443-444)
وقال النوويّ :" وقال الأكثرون: هما من الرّأس ". (المجموع ج1/ 443)
قال ابن عبد البرّ :" قال مالك وأصحابه: الأُذنان من الرّأس، إلّا أنّه يُستأنف لهما ماءٌ جديد سِوى الماء الذي مُسِح به الرّأس ". (الاستذكار ج1/198) وقال:" وقال أبو حنيفة، وأصحابُه، والثّوريّ: الأُذنان من الرّأس، يُمسحان مع الرّأس بماء واحد. ورُوي عن جماعة من السَّلف من الصّحابة، والتّابعين مثل هذا القول ". ((الاستذكار ج1/199)
وقال ابن قدامة :" والأذنان من الرّأس، فقِياسُ المذهب وجوب مَسحهما مع مَسحه ". (المغني ج1/183) وقال ابنُ مُفلح :" والأُذُنان منه ". (الفُروع ج1/89)
واحتجّوا:
بقوله تعالى: ﴿وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه﴾ الأعراف: 150، وقيل: المراد به الأذن. قال ابنُ الجَوزيّ :" فيما أخذ به من رأسه ثلاثة أقوال: أحدها: لِحيته وذُؤابته. والثّاني: شعر رأسه. والثّالث: أُذنه ". (زاد المَسِير ص519)
بحديث أبي أُمامة أنّ رسول الله قال:" الأُذنان من الرّأس ". رواه أبو داود برقم 134، والتّرمذيّ برقم 37، وابن ماجه برقم 444، وأحمد برقم 22336، وحسّنه ابن دقيق العيد في شرح الإلمام ج4/247، والبُوصيريّ في مصباح الزُّجاجة بهامش سنن ابن ماجه ج1/229، والألبانيّ في الصّحيحة برقم 36، والإرواء برقم 84، وصحّحه ابن القَطّان في الوَهم والإيهام (نصب الرّاية ج1/71) وقوّاه صدّيق خان في الرَّوضة النّديّة ج1/156، ومحمّد المُباركفوريّ في التُّحفة ج1/129، وعُبيد الله المُباكفوريّ في المِرعاة ج2/314. وممّن أعلّه بالإدراج: أبو حاتم، وأبو زرعة، والدّراقطنيّ، والبيهقيّ، وابن حجر، (المِرعاة ج2/314) واليَعمُرِيّ في النّفح الشَّذِيّ، قاله محمّد عليّ الإتيوبيّ في إتحاف الطّالب ج1/674.
بحديث الصُّنابِحيّ:"...فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتّى تخرج من أذنيه...". رواه النّسائيّ برقم 103، وقوّاه ابن عبد البرّ بشواهده في الاستذكار ج1/198، وصحّحه الألبانيّ في ابن ماجه برقم 282، ومحمّد عليّ الإثيوبيّ في ذخيرة العُقبى ج2/375. قال ابن عبد البرّ :" فلمّا قال في حديث الصُّنابِحيّ هذا:" فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من أذنيه "، ولم يقل: إذا غّسل وجهه خرجت الخَطايا من أُذنيه، عَلِمنا أنّ الأذنين من الرّأس، فهذا يشهد لقول من رأى مسحهما مع الرّأس ". (الاستذكار ج1/200)
-وقيل الأُذنان من الوجه، وبه قال ابنُ شِهاب الزُّهريّ. قال ابن عبد البرّ :" وقال ابن شهاب: الأذنان من الوجه، لأنّهما ممّا يُواجهك ولا يَنبت عليهما شَعرُ الرّأس، وما لاينبت عليه شَعرُ الرّأس فهو من الوجه إذ كان فوق الذَّقَن ولم يكن قَفا. وقد أمر الله بغسل الوجه أمراً مُطلقاً. وكلّ ما واجهك فهو وجه ". (الاستذكار ج1/199) وقال النوويّ:" واحتجّ لمن قال هُما من الوجه بأنّ النّبيّ :"كان يقول في سُجوده: سَجد وجهي للذي خَلقه، وشَقّ سَمعه وبَصره ". (المجموع ج 1/444) رواه أبو داود برقم 1441، والتّرمذيّ برقم 3425، والنّسائيّ برقم 1129، وأحمد برقم 25821، من حديث عائشة، ورواه مسلم من حديث عليّ برقم
-وقيل: ما أقبل منهما فمن الوجه، وظاهرهما من الرّأس، فيُغسل ما أقبل منهما مع الوجه، ويُمسح ما أدبر منهما مع الرّأس، وبه قال الشَّعبيّ، والحسنُ بن حيَّ، وإسحاق بن راهويه. (الاستذكار ج1/199، والمجموع ج1/444) واحتجّوا بما رُوِي عن عليّ ﵁:" أنّه مسح رأسه ومؤخِّر أُذُنيه ".
وقالوا: ولأنّ الوجه ما حصلت به المواجهة، وهي حاصلة بما أقبل، ورُدّ بأنّها رِواية ضعيفة لا تُعرف. قاله النوويُّ في المجموع ج1/446
وقيل: أنّهما ليستا من الوجه، ولا من الرّأس، بل عضوان مُستقلّان يُسنُّ مَسحهما على الانفِراد ولا يجب، وبه قال الشّافعية، وجماعة من السّلف، وحكوه عن ابن عُمر، والحسن، وعطاء، وأبي ثور، ذكره النوويّ في المجموع ج1/443، وقال :" واحتجّ أصحابُنا بأشياء أحسنُها حديث عبد الله بن زيد : أنّ رسول الله :" أخذ لأُذنيه ماءً خلاف الذي أخذ لرأسه ". ورُدّ بأنّ هذا الحديث ضعيف، ولا يثبت، فقد أخرجه البيهقيّ ج1/39، وقال إسناده صحيح، وتعّقبه الحافظ، فقال:" وهو عند مسلم برقم 236 من هذا الوجه بلفظ: ومسح برأسه بماء غير فضل يديه. وهو المحفوظ". (بلوغ المرام حديث رقم 39) وكذلك قال الشّوكانيّ في نيل الأوطار ج1/204، ومحمّد عليّ الإتيوبيُّ في إتحاف الطّالب ج1/683.
وهل مسحهما واجب أو سنّة؟ قولان: أحدهما: واجب، وبه قال أحمد على الصّحيح من المذهب، وإسحاق بن راهويه، وجماعة من أصحاب مالك، قال ابن قُدامة:" والأذنان من الرّأس، فقِياسُ المذهب وُجوب مَسحهما مع مَسحه ". (المغني ج1/183) وقال ابنُ مُفلح:" والأُذُنان منه، وِفاقاً لأبي حنيفة، ومالك، ففي وُجوب مسحِهما رِوايةٌ، خلافاً للأئمّة الثّلاثة ". (الفروع ج1/89) وقال المَرداويّ على قول ابن قُدامة:" ويجب مسحُ جميعه مع الأذنين ":" إذا قُلنا: يجب مسحُ جميعه، وأنّهما من الرّأس: مسحهما وُجوباً على الصّحيح من المذهب، نصّ عليه. قال الزَّركشيّ: اختاره الأكثرون، وقدّمه في الشّرح وغيره ". (الإنصاف ج1/ 123-124) وقال ابنُ المُنذر :" قال إسحاق بن راهويه:" وإن مسحتَ رأسك، ولم تمسح أُذنيك، عمداً لم يجزك، وقال أحمد: إذا تركه مُتعمِّداً أخشى أن يُعيد ". (الأوسط ج1/405)
ونسب ابنُ رُشد المالكيّ، وابن جُزيّ المالكيّ هذا القول إلى أبي حنيفة أيضاً. قال ابن رُشد :" فذهب بعضُ النّاس إلى أنّه فريضة، وأنّه يُجدّد لهما الماء، وممّن قال بهذا القول جماعةٌ من أصحاب مالك، ويتأوَّلون مع هذا أنّه مذهب مالك لقوله فيهما: إنّهما من الرّأس. وقال أبو حنيفة، وأصحابُه: مَسحهما فَرض كذلك، إلّا أنّهما يُمسحان مع الرّأس بماءٍ واحد ". (بداية المجتهد ج1/ 33 ط: دار المعرفة) قال مُحقِّق الكتاب طبعة دار ابن الجوزيّ أ.د عبد الله بن إبراهيم الزاحم:" وهذا خطأٌ من النَّاسخ، أو وهم من ابن رُشد ". (بداية المجتهد ج1/89) وقال ابن جُزَيّ :" ومسحهما سُنّة عند الإمامين-أي مالك، والشّافعيّ-، وأوجبه أبو حنيفة، ويُجدّد الماءُ لهما خلافاً لأبي حنيفة ". (القوانين الفقهية ص24) والصّحيح أنّ مسح الأذنين سُنّة عند الحنفية، كما سيأتي.
وقال القاضي عبد الوهّاب:" واختُلِف في حُكمهما، فمن أصحابنا من يقول: إنّ مسحهما واجب لكونهما من الرّأس، ومنهم من يقول: إنّه مسنون ". (الإشراف ج1/121)
والثّاني: سُنّة، وبه قال الحنفية، والمالكية في المشهور، والشّافعية.
قال المَرغينانيّ :" وسُنن الطّهارة:...ومسحُ الأذنين، وهو سُنّة بماء الرّأس عندنا، خلافاً للشّافعيّ ". (الهداية ج1/13)
وقال أحمد الدّردير :" السُّنّة الخامسة: مسحُ الأُذنين ظاهرهما وباطنهما ". (الشّرح الصّغير ج1/190)
وقال النوويّ في المنهاج:" وسُنَنُه:... ومسحُ كلّ رأسه، ثمّ أُذُنيه ". (مُغني المحتاج ج1/174-175)
وجاء في الموسوعة الفقهية ج43/364:" فذهب الحنفيةُ، والمالكيةُ على المشهور، والشّافعية إلى أنّ من سُنن الوضوء مَسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما ".
وكيفية مسح الأُذنين: يَمسح أُذنيه بماء رأسه، يُدخل إصبعيه السّبّاحتين في أُذُنيه ويَمسح بإبهامَيْه ظاهرهما، لحديث عبد الله بن عمرو في صِفة الوُضوء قال:" ثمّ مَسح برأسه وأدخل إصبَعَيه السّبّاحَتين في أُذنيه ومَسح بإبهامَيْه ظاهرَ أُذُنيه ". رواه أبو داود برقم 135، وابن ماجه برقم 422، وصحّحه ابن خُزيمة كما قال ابن حجر في البلوغ حديث رقم 33، وابنُ دَقيق في شرح الإلمام ج4/5، والألبانيّ في صحيح أبي داود برقم 123، ولحديث ابن عبّاس :" ثمّ مَسح برأسه وأذنيه، باطنهما بالسّبّاحَتين وظاهرهما بإبهاميه ". رواه التّرمذيّ برقم 36، وقال: حديث حسن صحيح، والنّسائيّ برقم 102، واللّفظ له، وقال الألبانيّ: حسن صحيح، وفي لفظ:" ومسح برأسه وأذنيه مرّة ". رواه النّسائيّ برقم 101، ولحديث الصُّنابِحيّ:"...فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتّى تخرج من أذنيه...". رواه النّسائيّ برقم 103، وقوّاه ابن عبد البرّ في الاستذكار ج1/198، وصحّحه الألبانيّ في ابن ماجه برقم 282، ومحمّد عليّ الإثيوبيّ في ذخيرة العُقبى ج2/375.
ومعنى "السّبّاحة، والمُسبِّحة والدَّعّاءة، والسَّبّابة": الإصبع التي تلي الإبهام، سُمّيت مُسبِّحة، لرفعها في التّسبيح، وبالسّبّابة للإشارة بها عند السّبّ إلى المسبوب. (شرح الإلمام ج4/27). والمراد بظاهر الأذنين: أعلاهما والجُزء الظّاهر منهما.
وهل يُؤخذ لهما ماء جديد أو لا؟ قال ابن المُنذر :" رُوِّينا عن ابن عمر أنّه كان يدخل إصبعيه بعدما يمسح برأسه في الماء، ثمّ يدخلهما في الصِّماخ، وكان مالك، والشّافعيّ يريان أن يأخذ المتوضِّئ ماءً جديدا، وكذلك قال أحمد.
قال أبو بكر : وغير موجود في الأخبار الثّابتة التي فيها صفة وضوء رسول اللّه أخذه ماء جديداً، بل في حديث ابن عبّاس أنّه غَرف غَرفة، فمسح برأسه وأُذنيه داخلهما بالسّبّابتين، وخالف بإبهاميه إلى ظاهر أُذنيه، فمسح ظاهرهما وباطنهما. وقد كان ابن عمر يُشدِّد على نفسه في أشياء، من أمر وضوئه، من ذلك أخذه لأُذنيه ماءً جديداً، ونضحه الماء في عينيه، وغسل قدميه سبعاً سبعاً، وليس على النّاس ذلك ". (الأوسط بتصرُّف ج1/404 – 405)
وقال ابنُ القيّم :" لم يثبت عنه أنّه أخذ لأُذنيه ماءً جديداً، وإنّما صحّ ذلك عن ابن عمر". (زاد المعاد ج1/187) وقال محمّد المُباركفوريّ :" لم أَقِف على حديث مَرفوع صحيح خالٍ من الكلام يدُلّ على مَسح الأُذنين بماء جديد ". (تحفة الأحوذيّ ج1/132)
وممّن قال بعدم تجديد الماء لمسح الأُذنين: الثّوريّ، وأبو حنيفة. قال المَرغيناني:" ومسح الأذنين، وهو سُنّة بماء الرّأس عندنا، خلافاً للشّافعيّ ، لقوله:" الأُذنان من الرّأس. والمُراد بيان الحكم دون الخِلقة ". (الهداية ج1/13)
وقال القاضي عبد الوهّاب :" وتجديد الماء لهما أفضل، خلافاً لأبي حنيفة ". (الإشراف ج1/122)
والأوّل أصحّ، لعدم ثُبوت حديث عبد اللّه بن زيد:" أنّه رأى النّبيّ يأخذ لأُذنيه ماءً خلاف الماء الذي أخذه لرأسه ". أخرجه البيهقيّ ج1/39، وقال إسناده صحيح. قال الحافظ:" وهو عند مسلم برقم 236 من هذا الوجه بلفظ: ومسح برأسه بماء غير فَضل يديه. وهو المحفوظ ". (بلوغ المرام حديث رقم 39) وكذلك قال الشّوكانيّ في نيل الأوطار ج1/204.
6- - غسل الرِّجلين إلى الكعبين: واجب بالكتاب، والسُّنّة.
فمن الكتاب قولُه تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ المائدة: 6.
ومن السُّنّة حديث عُثمان قال:"... ثمّ غسل رِجله اليُمنى إلى الكعبين ثلاث مرّات، ثمّ اليُسرى مثل ذلك ". رواه البخاريّ برقم 159، و164، و1934، ومسلم برقم 226، وحديث عليّ :" ثمّ غسل رجله اليُمنى إلى الكعبين ثلاثاً، ثمّ اليُسرى كذلك ". رواه النّسائيّ برقم 95، وصحّحه الألبانيّ في صحيح النّسائيّ برقم 93، وفي لفظ:" ثمّ غسل رجليه إلى الكعبين". رواه أبو داود برقم 116، وصحّحه الألبانيّ في صحيح أبي داود برقم 107.
وقد نقل بعضُ العُلماء الإجماع على ذلك، كابن أبي لَيلى، حيث قال :" أجمع أصحابُ رسول الله على غَسل القدَمين. رواه سعيد بن منصور " (المرعاة ج2/279) وابن المُنذر، حيث قال :" قد أجمع عوامُّ أهل العلم على أنّ الذي يجب على من لا خُفّ عليه غسلُ القَدمين إلى الكعبين، وقد ثبتت الأخبارُ بذلك عن رسول الله ، وعن أصحابه... ". (الأوسط ج1/413) والنوويّ، حيث قال :" فقد أجمع المسلمون على وجوب غسل الرّجلين، ولم يخالف في ذلك من يُعتدّ به، كذا ذكره الشّيخ أبو حامد وغيره ". (المجموع ج1/447) وقال:" وأجمع العلماءُ على وجوب غسل الوجه، واليدين، والرِّجلين، واستِيعاب جميعها بالغَسل، وانفردت الرّافضةُ عن العلماء، فقالوا الواجب في الرِّجلين المسح، وهذا خطأٌ منهم، فقد تظاهرت النُّصوصُ بإيجاب غسلهما، وكذلك اتّفق كلُّ من نَقل وُضوء رسول الله على أنّه غَسلهما ". (شرح مسلم ج3/107)
ونسبه ابن عبد البرّ في الاستذكار ج1/140 إلى جمهور العلماء. وكذلك فعل ابن رُشد في بداية المجتهد ج1/34.
قال النوويّ :" اختلف النَّاسُ على مذاهب، فذهب جمعٌ من الفقهاء من أهل الفَتْوى في الأعصار، والأمصار إلى أن الواجب غسل القَدمين مع الكعبين، ولا يجزئ مسحهما ولا يجب المسح مع الغَسل، ولم يثبت عن أحد من الصّحابة خلافُ ذلك إلّا عن عَليٍّ، وابنِ عبّاس، وأنس، وقد ثبت عنهم الرُّجوع عن ذلك ". (شرح مسلم ج3/122)
وقال ابنُ حجر :" قد تواترت الأخبارُ عن النّبيّ في صفة وُضوئه أنّه غَسل رِجليه، وهو المُبيِّن لأمرِ الله، وقد قال في حديث عَمرو بن عبَسَة الذي رواه ابن خُزَيمة وغيرُه مُطوَّلّاً في فضل الوضوء:" ثمّ يَغسِل قَدميه كما أمره الله "، ولم يثبت عن أحد من الصّحابة خلافُ ذلك إلّا من عليّ، وابن عبّاس، وأنس، وقد ثبت عنهم الرُّجوع عن ذلك ". (االمرعاة ج2/279) والحديث رواه الدّراقطنيّ برقم 378، وفيه:" ثمّ يغسِل قَدَميه إلى الكعبين ". ورواه أحمد مُطوّلّاً برقم 17019، والحاكم مُختَصراً برقم 4420 وصحّحه شُعيب الأرناؤوط في سنن الدّراقطنيّ.
وقيل: الواجب المسح، وهو مذهب الإمامية.
وقيل: التّخيير بين الغَسل والمَسح، وبه قال أبو جعفر الطّبريّ.
وقيل: الجمع بينهما ويُروى عن بعض أهل الظاهر. ذكر هذه الأقوال النوويُّ في المجموع ج1/447.
وقال ابنُ رشد :" اتّفق العلماءُ على أنّ الرِّجلين من أعضاء الوضوء، واختلفوا في نوع طهارتهما، فقال قومٌ: طهارتُهُما الغَسل، وهم الجمهور. وقال قوم: فَرضُهُما المسح. وقال قوم: بل طهارتُهما تجوز بالنَّوعين، الغَسل والمسح، وأنّ ذلك راجع إلى اختيار المُكلّف ". (بداية المجتهد ج1/34)
واحتجّ ابن عبد البرّ بحديث عائشة، وعبد الله بن عمر:" ويلٌ للأعقاب من النّار "، مرّتين أوثلاثاً، الذي رواه البخاريّ عن عبد الله بن عمرو برقم 163، ورواه مالك عن عائشة، وأسنده ابن عبد البرّ عن النّبيّ من وُجوه شتّى من حديث عائشة، ومن حديث أبي هريرة، ومن حديث عبد الله بن عمرو. (الاستذكار ج1/138) قال -أي: ابن عبد البرّ-:" وفيه من الفقه: غّسل الرِّجلين ". (الاستذكار ج1/138) وكذلك احتجّ به ابنُ المُنذر فقال:" وغسلُ رسول الله رجليه، وقوله: ويلٌ للأعقاب من النّار، كفايةٌ لمن وفّقه الله للصّواب، ودليلٌ على أنّ الذي يجب غَسلُ القدمين، لا المسح عليهما، لأنّه المُبيِّن عن الله تعالى معنى ما أراد مِمّا فَرَض في كتابه ". (الأوسط ج1/415) وقال عُبيد الله المُباركفوريّ :" والحديث يدلُّ على وجوب غسل الرِّجلين في الوضوء، وهو مذهب جمهور المحدِّثين، والمُفسِّرين من أهل السُّنّة ". (المرعاة ج2/279)
وردّوا على قراءة الخفض ﴿أرجلِكم﴾ بردود كثيرة، فاطلبها في كُتب التّفسير، والحديث، والفقه.
ويجب إدخال الكعبين في الغَسل: لقوله تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ المائدة: 6، قال أهل التّفسير: مع الكعبين، والكعبان هما العظمان النّاتئان عند مَفصِل السّاق والقدم. (المجموع ج1/451) قال النوويّ :" واتّفق العلماء على أنّ المراد بالكعبين العظمان النّاتئان بين السّاق والقدم، وفي كلّ رِجل كعبان «. (شرح مسلم ج3/107) وكذلك قال ابنُ عبد البرّ في الاستذكار ج1/140، وقال ابنُ حجر :" والمشهور أنّ الكعب هو العظم النّاشز عند مُلتقى السّاق والقدم، وحكى محمّد، عن أبي حنيفة أنّه العَظمُ الذي في ظَهر القَدم عند مَعقد الشِّراك، ورُوي عن ابن القاسم عن مالك مثلُه، والأوّل هو الصّحيح الذي يعرفه أهلُ اللُّغة، وقد أكثر المُتقدِّمون من الردّ على من زَعم ذلك، ومن أوضح الأدلّة فيه حديث النُّعمان بن بَشير الصّحيح في صفة الصّف في الصّلاة:" فرأيتُ الرّجُلَ مِنّا يُلزق كعبه بكعب صاحبه». (الفتح ج1/392)
قال النوويّ :" واتّفق الجماهيرُ على وجوب غسل الكعبين، والمرفقين، وانفرد زُفر، وداود الظّاهريّ بقولهما: لا يجب". (شرح مسلم ج3/107) وقال ابن جُزيّ :" ويجب غسل المرفقين والكعبين على المشهور، وِفاقاً لهم ". (القوانين الفقهية ص 23)
ويُخلّل أصابع رِجليه بِخِنْصره، لحديث المُسْتَوْرِد بِن شدّاد ، قال:" رأيت رسول اللّه إذا توضّأ خلّل أصابع رِجليه بِخِنْصِره ". رواه أبو داود برقم 148، والتّرمذيّ برقم 40، وصحّحه ابن القطّان، والألبانيّ في ابن ماجه برقم 447، ومحمّد عليّ الإثيوبيّ في ذخيرة العقبى ج3/58، ولحديث ابن عبّاس :" إذا توضّأت فخلِّل بين أصابع يديك ورِجليك ". رواه التّرمذيّ برقم 39، وحسّنه البخاريّ، وصحّحه الألبانيّ في الصّحيحة برقم 1306، ولحديث عثمان أنّه خلّل أصابع قدميه ثلاثاً، وقال رأيت رسول اللّه فعل كما فعلت ". رواه الدّارقطنيّ في السُّنن برقم 286، والبيهقيّ في السُّنن الكُبرى ج1/63، وقال النوويّ بإسناد جيّد. (المجموع ج1/454) وصحّحه شُعيب الأرناؤوط في تخريج سُنن الدّارقطنيّ.
واختلف العلماء في كيفية التّخليل على أقوال كلّها روايات في مذهب الشّافعيّ. قال النوويّ :" وحَصل من مجموع هذا أنّ التّخليل من أسفل بالرّجل ويبدأ من خِنصر اليمين، وفي الإصبع التي يخلّل بها أوجه: الأشهر أنّها خِنصر اليُسرى، والثّاني: خِنصر اليُمنى، قاله القاضي أبو الطيّب، والثّالث: قول أبي الطّاهر أن يخلّل ما بين كُلّ إصبعين من أصابع رجليه بإصبع يده، والرّابع: أنّه لا يتعيّن في استحباب ذلك يد، وهو الرّاجح المختار ". (المجموع ج1/455) قال محمّد عليّ الإثيوبيّ :" ما رجّحه الإمام النوويّ هو الذي لا يترجّح غيره عندي، لعدم نصّ قاطع بتعيين اليمين، أو اليسار، بل هو أمرٌ مُوسّعٌ فيه كما قال إمام الحرمين. وأمّا ما أخرجه أبو داود في سُننه برقم 148 بإسناد صحيح عن المستورد بن شدّاد قال: رأيت النّبيّ إذا توضّأ يَدلك أصابع رِجليه بخِنصره، فإنّه وإن عيّن الخِنصر لكنّه لم يُبيّن هل هي من اليُمنى، أو اليُسرى، فتنبّه ". (ذخيرة العقبى ج3/57-58)
7- وجوب التّرتيب بين أعضاء الوضوء: لقوله : ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم...﴾ المائدة: 6. فأدخل المَسح بين الغَسْلَين وقطع حُكم النّظير فدل على أنّه قصد إيجاب التّرتيب. وعادة العرب إذا ذكرت أشياء مُتجانسة وغير مُتجانسة، جمعت المُتجانسة على نَسَق، ثمّ عطفت غيرَها لا يُخالفون ذلك إلّا لفائدة، فلو لم يكن التّرتيب واجباً لما قُطع النّظير عن نظيره أفاده النوويّ في المجموع ج1/471
- ولقوله في حديث جابر :" نبدأُ بما بدأ الله به ". رواه أبو داود برقم 1905، والتّرمذيّ برقم 862، والنّسائيّ برقم 2962، وابن ماجه برقم 3074.
- ولأنّ جميع الواصفين لوضوء النّبي لم يذكروه إلّا مُرتّباً، ولو جاز ترك التّرتيب لتركه في بعض الأحيان، كما ترك تكرار الغَسل للأعضاء أحياناً.. - ويُرتّب الوضوء: على ما ورد في القرآن، والأحاديث في وصف وضوء النّبيّ.
وبالوجوب، قال الشّافعيّ، وأحمد، وإسحاق، أبو عُبَيد، وهو رواية عند المالكية.
وبالاستحباب، قال أبو حنيفة، ومالك في المشهور، والأوزاعيّ، وداود الظّاهريّ، ورواية عن أحمد، والمُزنيّ، واختاره ابن المنذر، والبَندنيجيّ من الشّافعية. قال النوويّ :" إنّ مذهبنا أنّه واجب، وحكاه أصحابنا عن عثمان بن عفّان، وابن عبّاس، ورواية عن عليّ بن أبي طالب ، وبه قال قتادة، وأبو ثور، وأبو عُبيد، وإسحاق بن راهويه، وهو المشهور عن أحمد، وقالت طائفة لا يجب حكاه البغويّ عن أكثر العلماء، وحكاه ابن المنذر عن عليّ، وابن مسعود، وبه قال سعيد بن المُسيِّب، والحسن، وعطاء، ومكحول، والنّخعيّ، والزُهريّ، وربيعة، والأوزاعيّ، وأبو حنيفة، ومالك، وأصحابهما، والمُزنيّ، وداود، واختاره ابنُ المنذر، وقال صاحب البيان: واختاره أبو نصر البَندَنيجيّ من أصحابنا ".(المجموع ج1/471) وقال ابنُ المُلقّن :" واختلف أصحاب مالك في التّرتيب في الوضوء على ثلاثة أقوال: الوجوب، والنّدب، والاستحباب، والمشهور عندهم أنّه سُنّة. ومذهب الشّافعية: وجوبه ". (الإعلام بفوائد عمدة الأحكام ج1/332) وقال ابنُ عبد البرّ :" وترتيب الوضوء مسنون، وقيل: مُستحبّ، وتحصيل مذهب مالك فيه: أنّه مسنون ". (الكافي ج1/64)
والقول الرّاجح وجوب التّرتيب، لحديث جابر قال: قال النّبيّ :"نبدأ بما بدأ اللّه به ". رواه أبو داود برقم 1905، والتّرمذيّ برقم 862، والنّسائيّ برقم 2964، وابن ماجه برقم 3074، وفي روايةٍ للنّسائيّ برقم 2965: " ابدأوا بما بدأ اللّه به ". قال الشّوكانيّ:" نعم حديث جابر عند النّسائيّ في صفة حجّ النّبيّ :" ابدأوا بما بدأ اللّه به "، بلفظ الأمر، وهو عند مسلم بلفظ الخبر، يصلح للاحتجاج به على وجوب التّرتيب، لأنّه عامٌّ لا يقصر على سببه عند الجمهور، كما تقرّر في الأُصول، وآية الوضوء مُندرجة تحت العُموم ". (النيل ج1/183)
ولأنّ جميع الواصفين لوضوء النّبيّ لم يذكروه إلاّ مُرتّباً، وفِعلُه بيان للوضوء المأمور به، ولو جاز ترك التّرتيب لتركه في بعض الأحوال، لبيان الجواز، كما ترك التّكرار في أوقات. قال إمام الحرمين:" لم يُنقل قطّ أنّه نكّس وضوءه فاطّرد الكتابُ والسُّنّةُ على وجوب التّرتيب ". (الإعلام بفوائد عمدة الأحكام ج1/332)
8- الموالاة: بأن يُوالي بين غَسل الأعضاء، ولا يُفرِّق، والمُوالاة: معناها التّتابع، ومُوالاة الوضوء تتابعه، وهي أن يكون الشّيءُ مُوالياً للشّيء بدون تأخير، فلا يؤخّر غسل عضو من أعضاء الوضوء حتّى ينشف الذي قبله، بشرط أن يكون ذلك في زمن مُعتدل.
وقد اختلف العلماءُ في حكمها على ثلاثة أقوال:
الأوّل: أنّ المُوالاة واجبة مُطلقاً، وبه قال أحمد والحنابلة، والأوزاعيّ، وهو قول الشّافعيّ القديم. قال النوويّ :" وقالت طائفةٌ: يضرّ التّفريق وتجب المُوالاة. حكاه ابن المُنذر عن قتادة، وربيعة، والأوزاعيّ، واللّيث، وأحمد ". (المجموع ج1/481)
الثّاني: عدم الوجوب مُطلقاً، وبه قال أبو حنيفة، والشّافعيّ في الجديد، وهو رواية عن أحمد. قال النوويّ :" وأمّا الكثير فالصّحيح في مذهبنا أنّه لا يضرّ، وبه قال عمر بن الخطّاب، وابنُه، وسعيد بن المُسيِّب، وعطاء، وطاوس، والحسن البصريّ، والنّخعيّ، وسفيان الثَّوريّ، وأحمد في رواية، وابن المُنذر ". (المجموع ج1/480)
الثّالث: أنّها واجبة مع الذِّكر والقُدرة، ساقطة مع العجز والنِّسيان، وبه قال المالكية في المشهور. قال خليل في مختصره:" وهل المُوالاة واجبة إن ذَكر وقَدر، وبَنى بِنيّة إن نَسِي مُطلقاً، وإن عَجز مالم يَطُل بِجَفاف أعضاء ٍ بزمن اعتدلا، أو سُنّة خلاف ". (التّسهيل لمعاني مختصر خليل ج1/156) قال ابن جُزيّ :" وأمّا الفَور فواجب مع الذِّكر والقُدرة في المشهور، وعلى ذلك لو فرّق ناسياً أو عاجزاً بنى، أو عامداً ابتدأ، وقيل هو سُنّة ". (القوانين الفقهية ص 23)
قال ابنُ تيمية :" وهذا القول الثّالث، هو الأظهر والأشبه بأُصول الشّريعة، وبأُصول مذهب أحمد وغيره، وذلك أنّ أدلّة الوجوب لا تتناول إلاّ المُفرِّط، لا تَتناولُ العاجِز عن المُوالاة...». (مجموع الفتاوى ج21/135)
هذا كلُّه في التّفريق الكثير، وهو بقَدر ما يجفّ العُضو في زمان مُعتدل، وأمّا التّفريق اليَسير فلا يضرّ. قال النوويّ :" فالتّفريقُ اليسير بين أعضاء الوضوء لا يضرّ بإجماع المسلمين، نقل الإجماع فيه الشّيخ أبو حامد، والمَحامليّ وغيرُهما ". (المجموع ج1/478)
واحتجّ من قال بالوجوب بحديث خالد بن مَعْدَان:" أنّ النّبيّ رأى رجُلاً يُصلّي وفي ظهر قَدَمِه لُمْعَة قَدر الدِّرهم لم يُصبها الماء فأمره أن يُعيد الوضوء ". رواه أحمد برقم 15495، وأبو داود برقم 175، وقوّاه ابن القيّم، وابنُ التُّركُمانيّ، وابنُ حجر، وصحّحه الألبانيّ. (هامش الرَّوض المُربع ج1/100) واللُّمعة: الموضع الذي لم يُصبه الماء في الوضوء أو الغُسل. فلو لم تكن المُوالاة شرطاً لأمره بغَسل ما فاتَه ولم يأمر بإعادة الوُضوء كُلّه. وبهذا قال الإمام أحمد ، والحنابلة، والأوزاعيّ. وعلى هذا فلا تسقط الموالاة بالنّسيان عند الحنابلة.
وما ذهب إليه المالكية هو الرّاجح، لأنّه إذا لم يتعمّد التّركَ فهو مَعذور لقوله : ﴿ربّنا لا تواخذنا إن نسينا أو أخطأنا...﴾ البقرة: 286، ولقوله :" إنّ الله تجاوز لي عن أُمّتي الخطأ والنِّسيان وما اسْتُكرِهوا عليه ". رواه ابن حِبّان برقم 7219، والحاكم ج2/198، وابن ماجه برقم 2045، والطّبرانيّ في الأوسط برقم 8273، وحسّنه ابن حجر في التّلخيص ج1/301، وصحّحه أحمد شاكر، كما نقله عنه الألبانيّ في الإرواء ج1/123.
سادساً: سُنن الوضوء
هناك أفعال يُستحب فِعلها عند الوضوء ويُؤجر عليها من فَعلها ومن تركها فلا حَرج عليه، وتُسمّى هذه الأفعال بسُنن الوضوء.
والسُّنة: هي ما يُثاب فاعِلُها ولا يُعاقب تاركُها، أو هي ما طُلب من المُكلَّف فِعلُه طلباً غيرَ جازم.
من سُنن الوضوء:
1- التَّسمية في أوّله، لحديث أبي هريرة أنّ النّبيّ قال:" لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكُر اسمَ اللّه تعالى عليه ". رواه أبو داود برقم 101، وابن ماجه برقم 399، وحسّنه ابن كثير في إرشاد الفقيه ج1/35، والشّوكانيّ في الدّراري المُضيّة ص 42، وصحّحه الألبانيّ في صحيح الجامع برقم 7514، والإرواء برقم 81. قال ابن القيّم :" أحاديث التّسمية عند الوضوء، أحاديث حِسان ". (المنار ص 120) وقال ابن حجر :" والظّاهر أنّ مجموع الأحاديث يحدث منها قوّة، تدلّ على أنّ له أصلاً ". (تلخيص الحبير ج1/86)
وكَوْن التَّسْمية سُنّة، هو قَوْل الجمهور، الحنيفة، والمالكية، والشّافعية، ورواية عن أحمد، ورجّحه ابنُ المُنْذِر، وأَبو عُبَيْدة، وابن حَزم، وابنُ كثير، وكثيرٌ من المعاصرين. قال ابن المُنذر :" فاستحبّ كثيرٌ من أهل العلم للمرء أن يُسمّي اللّه تعالى إذا أراد الوضوء، كما استحبّوا أن يُسمّي اللّه عند الأكل، والشُّرب، والنّوم، وغير ذلك، استحباباً لا إيجاباً. وقال أكثُرهم لا شيء على من ترك التّسمية في الوضوء عامداً أو ساهياً، هذا قول سُفيان الثّوريّ، والشّافعيّ، وأحمد بن حنبل، وأبي عُبيد، وأصحاب الرّأي، واغتسل عمر بن الخطّاب ، ويَعلى بن أُميّة يستر عليه بثوب، فقال بسم اللّه...وقال: ليس في هذا الباب خبرٌ ثابتٌ يوجب إبطال وضوء من لم يذكر اسم اللّه عليه، فالاحتياطُ أن يُسمّي اللّه من أراد الوضوء، والاغتسال، ولا شيءَ على من ترك ذلك ". (الأوسط ج1/367-368)
وقال النوويّ :" قد ذكرنا أنّ التّسمية سُنّة، وليست بواجبة، فلو تركها عمداً صحّ وضوءُه، هذا مذهبُنا، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وجمهور العلماء، وهو أظهر الرّوايتين عن أحمد، وعنه رواية أنّها واجبة ". (المجموع ج1/387)
واستدلُّوا بقوله : {يَـٰٓأَيها ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمتم إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فغسلوا وُجُوهَكُم.. ﴾، المائدة 6. وقالوا: إنّ الله تعالى أمرَ بالغَسل ولم يأمر بالتّسمية ولو كانت واجبة لأمر بها.
قال أبو زُرْعَة الدِّمشقيّ :" قلت لأبي عبدِ الله أحمد بن حَنبل: فما وجهُ قوله:" لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه؟ ". قال: " فيه أحاديث ليست بذاك وقد قال الله - - ﴿يا أيّها ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمتُم إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ...﴾ فلا أُوجِبُ عليه، وهذا التَّنزيل ولم تثبُت سُنة ". وقال أحمد :" ليس يثبت فيها حديث ولا أعلم فيها حديث له إسناد جيّد ". (شرح العمدة ج1/141).
وبما ورد في حديث رِفاعة بن رافع في قِصة المُسِيء صلاتَه، وفيه:" فتوضّأ كما أمَرك الله -- ". رواه أبو داود برقم 862. قالوا: إنّ النّبيّ أحاله في كيفية الوضوء على الآية الكريمة وليس فيها ذكر التّسمية.
وبأنّ الصّحابة وصَفوا وُضوء النّبيّ وَصفاً كاملاً ولم يذكر أحدٌ منهم أنّه سَمّى في أوّل وُضوئه ولو كانت التّسمية واجبة لم يتركها النّبيّ .
وأجابوا عن حديث:" لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله…»، بأنّه محمولٌ على نَفْي الكَمال لا على نَفْي الصِّحة.
وبأنّه ضعيف. قال ابنُ المنذر :" وكان أحمد يقول: لا أعلمُ له حديثاً له إسناد جيّد، وضعّف حديث ابن حَرملة، وقال: ليس هذا حديثاً أَحكُم به ". (الأوسط ج1/368)
وقال :" ليس في هذا الباب خبر ثابت يوجب إبطال وضوء من لم يذكر اسم الله عليه، فالاحتياطُ أن يُسمِّي الله من أراد الوضوء والاغتسال، ولا شيءَ على من ترك ذلك ". (الأوسط ج1/368)
وقال ابنُ رُشد :" وهذا الحديث لم يصحّ عند أهل النَّقل ". (بداية المجتهد ج1/39)
وقال محمّد عليّ الإتيوبيّ :" أحاديث التّسمية على الوضوء كلُّها ضِعاف، كما سبق عن أحمد ". (البحر المُحيط الثّجّاج ج6/116)
واستدلّ البيهقيُّ على عدم وجوب التّسمية بحديث رِفاعة بن رافع ، مرفوعاً:" لا تتمّ صلاةُ أحدكم حتّى يُسبغ الوضوء، كما أمر اللّه، فيغسل وجهه...". الحديث رواه أبو داود برقم 856. قال البيهقيّ: فهذا الحديث ليس فيه ذكر التّسمية، فلو كان واجباً لبَيّنه ". (البحر المحيط ج6/117)
وذهبت الظّاهرية، ورواية عن الإمام أحمد، وقول إسحاق بن راهويه إلى وُجوب التّسمية لظاهر هذا الحديث، واختار هذا القول الألبانيّ. قال النوويّ :" وعن أحمد رواية أنّها واجبة، وحَكى التّرمذيّ، وأصحابُنا عن إسحاق بن راهويه أنّها واجبة إن تركها عمداً بطلت طهارته، وقال المَحامليُّ وغيرُه: وقال أهلُ الظّاهر: هي واجبة بكُلِّ حال ". (المجموع ج1/387)
قال محمّد عليّ الإتيوبيّ :" والحاصل أنّ أحاديث التّسمية على فَرض صِحّتها محمولة على الاستحباب بدليل هذا الحديث، ولا يَرِدُ عليه القول بوجوب المضمضة، والاستنشاق، والاستنثار، لأنّها داخلة في غَسل الوجه...». (البحر المحيط ج6/117) وقد ذكر ابن مُفلح قاعدةً مَفادُها:" أنّ الحديث إذاكان فيه ضَعف، وكان دالّاً على الوجوب بصيغته، أو دالّاً على التَّحريم، فإنّه يُحمل على الاستحباب في الأمر، وعلى الكراهة في النَّهي احتياطاً، ولا يُلزَمُ المسلمون بحُكمه وُجوباً أو تحريماً ". (فتح ذي الجلال والإكرام ج1/331، ومِنحة العلّام ج1/328)
وعلى هذا يترجَّح قولُ الجمهور، لكون الحديث مُتكلّمٌ فيه وقد عارضه ما هو أصحّ منه من أحاديث وصف وُضوء النّبيّ وليس فيها ذكر التّسمية، ولحديث رِفاعة بن رافع. قال محمّد عليّ الإتيوبيّ :" والذي يترجّح عندي مذهب من قال باستحبابها. وأمّا أحاديث التّسمية وإن قُلنا بانتهاضها للاستدلال بها بمجموع طُرقها، فمحمولة على الاستحباب لا على الوجوب، لحديث رِفاعة بن رافع الذي تقدّم استدلالُ البيهقيّ به على عدم الوجوب ". يعني: حديث:" إنّها لا تتمّ صلاةُ أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمر الله به يغسل وجهه، ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه، ورجليه إلى الكعبين ". (ذخيرة العُقبَى ج2/217)
2- السِّواك: معناه لُغةً: الدَّلك وآلته. (مُغني المحتاج ج1/163)
والسّواك في الاصطلاح: استعمال عُود أو نحوه في الأسنان ليُذهب الصُّفرة وغَيْرها عنها. قاله الحطَّاب في مواهب الجَليل ج1/380.
وقال الخطيب الشَّربينيّ :" استعمال عُود أو نحوه كأُشنان في الأسنان وما حولها ". (مغني المحتاج ج1/163)
وقال منصور البُهوتيّ :" وهو شرعاً: استعمال عُود في الأسنان لإِذهاب التغيُّر ونحوه ". (كشّاف القناع ج1/66)
وهو مشروع بالسُّنّة، لحديث أبي هريرة ، أنّ النّبيّ قال: " لولا أن أشُقّ على أُمّتي لأمرتهم بالسِّواك مع كلّ وُضوء ". رواه أحمد برقم 9930، ومالك برقم 143، وابن خُزيمة برقم 140 وصحّحه، وصحّحه الألبانيّ في صحيح الجامع برقم 5317، وصحّحه محمّد بن عليّ الإتيوبيّ في البحر المحيط ج6/388، وفي لفظ:" عند كلّ وضوء ". رواه أحمد برقم 9928، والنَّسائيّ في الكبرى برقم 3037، وابن خُزيمة برقم 141، وصحّحه الإتيوبيّ في البحر المحيط ج6/378، ولحديث ابن عبّاس حين بات عند خالته ميمونة فوصف قيام النّبيّ لصلاة الّليل، فقال: "...ثمّ عمد إلى شَجب من ماء فتسوّك، وتوضّأ، وأسبغ الوضوء...". رواه مسلم برقم 763 ومعنى الشَّجب: السِّقاء الخَلَق، أو الشّن. ومعنى أسبغ: أكمل. وفي رواية:" فاستيقظ من اللّيل فأخذ سواكه فاستاك به ثمّ توضّأ ". رواه أبوداود برقم 58، وأحمد برقم 3541، وصحّحه أحمد شاكر.
واختلف العلماءُ في تحديد مكان السِّواك من الوُضوء على قولين:
الأوّل: أنّه قبل أن يبدأ بالوضوء فيستاك ثم يتوضّأ، وقال به جماعة من الحنيفة، والمالكية، والشّافعية، وكأنّهم أخذوا برواية "عند كُلِّ وضوء ". -أي لأمرتهم بالسّواك عند كل وضوء-. قال حسن الشُّرُنبُلاليّ :" يُسنُّ في الوضوء ثمانية عَشر شَيئاً: والسِّواك... وهو من سُنن الوضوء، ووقتُه المسنون في ابتدائه، لأنّ الابتداء به سُنّة أيضاً عند المضمضة على قول الأكثر، وقال غيرُهم: قبل الوضوء ". (مراقي الفلاح ص41) وقال القَرافيّ :" أمّا وقته: فقال صاحبُ الطِّراز: يستاك قبل الوضوء، ويتمضمض بعده، ليخرج الماء بما ينثره السِّواك ". (الذَّخيرة ج1/277) وقال مُحَنض الدّيمانيّ في عدّ مندوبات الوضوء عند المالكية:" وسِواك، أي استياك قبل وُضوئه، أو عنده قبل مضمضة ليُخرج بها ما حَرّكه ". (مُيسِّر الجَليل ج1/74) وقال الخطيبُ الشَّربينيّ :" ومحلُّه في الوضوء على ما قال ابنُ الصَّلاح، وابنُ النَّقيب في عُمدته بعد غَسل الكَفّين، وكلامُ الإمام وغيره يَميل إليه، وينبغي اعتِمادُه، وقال الغَزَاليُّ، كالمَاوَرديِّ، والقفَّال محلُّه قبل التّسمية، قال ابنُ النَّقيب في نُكَته أو معها مُخالِفاً لما في عُمدته ". (مُغني المُحتاج ج1/163) وقال عبد الله الفَوزان:" الأفضل أن يكون قبل الوضوء ". (فقه الدّليل ج1/98)
الثّاني: أنّ السِّواك في أثناء الوُضوء وذلك عند المضمضة فإذا بلغ المضمضة جمع بينها وبين السِّواك، وهذا قول الجمهور واستدلوا بِرواية:" مَع كُلِّ وضوء " و"مع" تُفيد المُصاحبة، والمصاحبة فيها نوعٌ من المُداخلة، فيكون السِّواك على هذه الرِّواية داخل الوُضوء.
قال محمّد بن محمّد سالم:"ووقت الاستياك قبل الوضوء، وقيل في حال المضمضة لا قبلها ولا بعدها ". (مِنح العليّ ص 125) وقال القَرَافيّ :" أو بأصبعه إن لم يجد، ويفعل ذلك مع الماء في المضمضة ". (الذّخيرة ج1/278)
والأظهر الأوّل، لحديث ابن عَبّاس في وَصف قِيام النّبيّ في صلاة اللّيل، قال:" فاستيقظ وتسوَّك وتوضّأ…". رواه مسلم 763، وعند النّسائيّ برقم 1704:" ثمّ نام ثمّ قام فاستنّ ثمّ توضّأ "، ولأنّه لم يُرو عنه أنّه تسوّك أثناء المضمضة.
وهل يستاك باليد اليُمنى أو اليُسرى؟ خلاف بين العلماء: فقال بعضُهم: باليُمنى أفضل، لأنّ السِّواك طاعةٌ وقُربةٌ لله تعالى، فلا يكون باليُسرى، لأنّ اليُسرى تُقدّم للأذى. قال ابنُ عَرَفة المالكيّ:" وهو باليُمنى أولى ". (مواهب الجليل ج1/382) وحكاه الحافظ العِراقيّ في طرح التَّثريب ج1/71 عن بعض مُتأخّريّ الحنابلة.
وقال آخرون: باليُسرى أفضل، لأنّه لإزالة الأذى، وإزالة الأذى تكون باليُسرى كالاستنجاء، ونحوه. وبه قال الحنابلة في المشهور. (الشّرح المُمتع ج1/127) واختاره ابنُ تيمية في شرح العُمدة ج1/210.
وقال بعض المالكية: بالتّفصيل، وهو إن تسوّك لتطهير الفم كما لو استيقظ من نومه، أو لإزالة الأكل الباقي فيكون باليسار، لأنّه لإزالة الأذى.
وإن تسوَّك لتحصيل السُّنّة فباليمين، لأنّه مجرّد قُربة، كما لو توضّأ قريباً واستاك عند الوضوء، ثمّ حضر إلى الصّلاة، فإنّه يستاك لتحصيل السُّنّة. وكذلك حكاه الحافظ العِراقيّ في طرح التَّثريب ج1/71 عن بعض مشايخه من الشّافعية. قال العُثيمين:" والأمر في هذا واسع لعدم ثُبوت نصّ واضح ". (الشّرح الممتع ج1/127)
والحكمة في أمرِ النّبيّ بالاستياك عند كُل وُضوء:" هو أن المِسْواك لا يُزيل فَضلات الأكل والرّواسب المَخَاطية واللُّعابِيَة أو الجيرية، بل يُزحزح ويُحرّك هذه الرّواسب من مَواضعها التي عَلَقت بها وخُصوصاً ما بين الأسنان والشُّقوق والأخاديد التي على سُطوحها، فالمضمضةُ هي الوَسيلة لِطرح وإزالة الرّواسب للخارج والتي كانت قد تَحركت بفعل المِسواك، ومن هُنا تظهر الحكمةُ البالغة في قوله :" عند كلّ وضوء…". قاله الدّكتور عبد الله السّعيد في كتاب السِّواك والعناية بالأسنان ص 305-306. (انظر مِنحة العلاّم ج1/142).
3- غسل الكفين ثلاثاً في أَوَّلِ الوُضوء: لفِعله في وُضوئه.
والكَفُّ: هِي ما بها يُقبض ويبسط وهِي من مَفصِل الذِّراع إلى رؤوس الأصابع، وسُمّي كفّاً، لأنّ الإنسان يَكُفّ به عن نفسه.
وكيفية غسل كفّيه ثلاثاً: يأخذ الإناء بيده اليُمنى ويُفرغ على يده اليُسرى، لحديث عُثمان ، وفيه:"... فأفرغ على كفّيه ثلاث مرّات فغسلهما...". رواه البخاريّ برقم 159، ومسلم برقم 226، ولحديث عليّ ﵁:"... فأخذ الإناء بيده اليُمنى فأفرغ على يده اليُسرى وغسل كفّيه ثلاثاً...". رواه أبو داود برقم 112، والنّسائيّ برقم 91، وأحمد برقم 1133، وابن خزيمة برقم 147، وابن حِبّان برقم 1079، وصحّحه الألبانيّ في أبي داود برقم 103، ومحمّد عليّ الإتيوبيّ في ذخيرة العُقبى ج2/323.
قال أبو بكر بن المُنذر :" أجمع كلُّ من نَحفظ عنه من أهل العلم على أنّ غسل اليدين في ابتداء الوضوء سُنّة، يُستحبُّ استعمالها، وهو بالخِيار إن شاء غسلهما مرّةً، وإن شاء غسلهما مرّتين، وإن شاء ثلاثاً، أيَّ ذلك شاء فعل، وغَسلُهما ثلاثاً أحبُّ إليّ، وإن لم يفعل ذلك، فأدخل يده الإناء قبل أن يغسلَهما فلا شيء عليه، ساهياً ترك ذلك أم عامِداً، إذا كانتا نظيفتين، فإن أدخل يده الإناء، وفي يده نجاسة، ولم يغيِّر للماء طَعماً، ولا لَوناً، ولا رِيحاً، فالماءُ طاهر بحاله، والوضوءُ به جائز ". (الأوسط ج1/375)
وغسلُ اليدين إلى الكُوعين سُنّة عند الحنفية، والمالكية، والشّافعية، والحنابلة. قال حسن الشُّرُنبُلاليّ :" يُسنُّ في الوضوء ثمانية عشَر شيئاً: غسلُ اليدين إلى الرُّسغَين ". (مراقي الفلاح ص 40)
وقال أحمد الدَّردير :" السُّنّة الأُولى: غسلُ يديه أوّلاً إلى كُوعَيه قبل إدخالهما في الإناء ". (الشّرح الصّغير ج1/187)
وقال الخطيب الشَّربينيّ :" ومن سُننه غَسلُ كَفّيه إلى كُوعيه قبل المضمضة وإن تيقَّن طُهرَهما، أو توضّأ من نحو إبريق للاتّباع ". (مُغني المُحتاج ج1/69)
وقال المرداويّ :" غسلُ اليدين عند ابتداء الوضوء، لا يخلُ: إمّا أن يكون عن نوم، أو عن غير نوم. فإن كان عن غير نوم: فالصّحيح من المذهب، وعليه الأصحاب، ونصَّ عليه أحمد، استحباب غسلهما مُطلَقاً ". (الإنصاف ج1/101)
فإن قيل: لماذا لا يُقال: أنّ غَسلهما واجب لمُداومة النّبيّ على ذلك؟ فالجواب: أنّ الله قال: ﴿يا أيُّها الذين آمنوا إذا قُمتم إلى الصّلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ المائدة: 6 ولم يذكر الكفّين.
وهل يغسلهما مجموعتين أو مُفترقتين؟ خلاف بين العُلماء. قال ابن المُلقِّن :" والذي يظهر أنّه إن أمكن غسلهما معاً، فهو أفضل، وإلّا قدّم الكفَّ اليُمنى ". (الإعلام بفوائد عُمدة الأحكام ج1/327) قال الصَّنعانيّ :" إذ غسلهما مجموعتين أعون على إذهاب ما عساه فيهما لقُوّة الدَّلك، وغَسلُ كُلّ واحدة على حِدَة فيه زيادة عمل بإفراد كلّ واحدة بطهارة، والأظهر أنّ الوجهين مُتكافِئان، والمُكلّف مُخيَّر ". (الإحكام مع العُدّة ج1/125)
4- المُبالغة في المضمضة والاستنشاق لغير الصّائم، لقولِه كما في حديث لَقِيط بن صَبِرَة:"... وبالِغ في الاستنشاق إلّا أن تكون صائماً ". رواه أبو داود برقم 142، والتِّرمذيّ برقم 38، والنّسائيّ برقم 87، وابن ماجه برقم 448، وصحّحه ابن خزيمة برقم 168، وصحّحه الألبانيّ في صحيح الجامع برقم 927. وبه قال الحنفية، والشّافعية، والحنابة، وغيرُهم، وقالت المالكية: هو مندوب.
قال حسن الشُّرُنبُلاليّ :" والمُبالغة في المضمضة والاستنشاق لغير الصّائم ". (مراقي الفلاح ص 43)
وقال أحمد الدَّردير :" ونُدِب للمُفطِر أن يُبالغ في المضمضة والاستنشاق، وإيصال الماء إلى الحَلق وآخر الأنف ".
(الشّرح الصّغير ج1/189)
وقال النوويّ :" ويُبالغ فيهما غيرُ الصّائم ". (مُغني المُحتاج ج1/171)
وقال المرداويّ :" الصّحيحُ من المذهب، أنّ المُبالغةَ في المضمضة والاستنشاق، سنّة ". (الإنصاف ج1/103)
5- تخليل اللِّحية الكثيفة بالماء حتّى يد خل الماء في داخلها، ومعنى التّخليل: إدخالُ الأصابع فيها عند غسلها ليبلغ الماء إلى أُصول الشّعر، وذلك بأن يأخذ كَفّاً من ماءٍ ويُخَلِّله بأصابعه كالمُشط، أو يأخذ كفّاً من الماء ويجعله تحتها حتّى تتخلّل به.
اللِّحية: -بكسر اللّام- شعر الوجه المعروف وهو ما نبت على اللّحيَيْن وهُما عَظمَا الوجْه، وما نَبت على الذّقن وهو مجتمع اللّحيين في أسفل الوجْه ويُعرف بالحَنك.
لحديث أنس أنّ رسول اللّه كان إذا توضّأ أخذ كفّاً من ماء فأدخله تحت حَنكه فخلّل به لحيته، وقال " هكذا أمرني ربّي ". رواه أبو داود برقم 145، وقال النوويّ:" إسناده حسن أو صحيح". (المجموع ج1/410) وصحّحه الألبانيّ في صحيح الجامع برقم 4680، ولحديث عُثمان :" أنّ النّبيّ كان يخلّل لحيته في الوضوء ". رواه التِّرمذيّ برقم 31، وقال حديث حسن صحيح، وصحّحه ابن خزيمة برقم 151، وابن حِبّان ج3/362، والحاكم ج1/149، وحسّنه ابن المُلّقن في البدر المُنير ج3/394. وبه قال الجمهور. قال ابنُ رُشد :" فمذهب مالك أنّه ليس واجباً، وبه قال أبو حنيفة، والشّافعيّ، في الوضوء ". (بداية المجتهد ج1/28)
قال ابن القيّم :" وكان يخلّل لحيته أحياناً، ولم يكن يُواظب على ذلك ". (زاد المعاد ج1/190)
وذهب إلى وجوب تخليلها بعضُ العلماء كابن عبد الحَكم من أصحاب مالك، والشّوكانيّ في السّيل الجرّار ج1/82، والألبانيّ كما في الموسوعة الفقهية ج1/133، ومحمّد عليّ الإتيوبيّ في البحر المحيط ج6/119.
قال ابن رُشد :" وأوجبه ابنُ عبد الحكم من أصحاب مالك ". (بداية المجتهد ج1/28)
وقال ابنُ المُنذر :" اختلف العلماء في تخليل اللِّحية، وغَسلِ باطنها، فرُوي عن جماعة من أصحاب رسول الله ، وغيرهم أنّهم كانوا يُخلِّلُون لِحاهم، فممَّن رُوي ذلك عنه عليّ بن أبي طالب، وابن عبّاس، والحسن بن عليّ، وابن عمر، وأنس، وهو قول عبد الرّحمن بن أبي ليلى، وعطاء بن السَّائب، وأبي مَيسرة، ومُجاهد، ومحمّد بن سيرين.
ورُوي عن غير واحد أنّهم رخّصوا في ترك تخليل اللِّحية، رُوي ذلك عن ابن عمر، والحسن بن عليّ، ومُجاهد، والقاسم، وقال سعيد بن عبد العزيز، والأوزاعيّ: ليس عَرك العَارضين، وتشبيك اللِّحية بواجب في الوضوء، وكان سُفيان الثّوريّ، والأوزاعيّ، ومالك، والشّافعيّ، وأحمد لا يرون تخليل اللِّحية واجباً، وهذا قول أصحاب الرّأي، وعوامّ أهل العلم أنّ ما مرّ على ظاهر اللّحية من الماء يكفي.
وأوجبت طائفةٌ بلَّ أُصول شعر اللّحية، وأوجب بعضُهم غسل بَشَرة موضع اللّحية، كان عطاء بن أبي رَباح يَرَى بلَّ أصول شعر اللّحية.
قال أبو بكر :" غسلُ ما تحت شعر اللّحية في الوضوء غير واجب، إذ لا حُجّة تدلّ على إيجاب ذلك بل الخبرُ والنّظرُ يَدُلّان على أنّ ذلك غيرُ واجب ". (الأوسط ج1/381-384)
قال ابن رُشد :" سبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في صحّة الآثار التي ورد فيها الأمر بتخليل اللّحية، والأكثر على أنّها غير صحيحة، مع أنّ الآثار الصِّحاح التي ورد فيها وضوؤه ليس في شيءٍ منها التّخليل ". (بداية المجتهد ج1/28)
وقال ابن المُنذر -عن حديث عثمان -: " لو ثَبت هذا لم يدلّ على وجوب تخليل اللّحية، بل يكون نَدباً كسائر السُّنن في الوضوء ". (الأوسط ج1/386)
وأمّا اللّحية الخفيفة التي لا تستر البَشرة، فهذه يجب غسلها، وما تحتها من البَشرة، لأنّها في حُكم الظّاهر، فيدخل في قوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ المائدة: 6. والوجه ما تحصل به المُواجهة، وما تحت اللّحية إذا كان بادياً تحصل به المُواجهة، فيدخل في حكم الوجه.
6- الدَّلك: وهو إمْرارُ اليد الغاسِلة على العُضْو المغسول مع الماء، لحديث عبد الله بن زَيْد أن النّبيّ أُتِيَ بِثُلُثَي مُدٍّ فجعل يَدْلُك ذِراعيه ". رواه أحمد برقم 15846، وصحّحه ابن خُزَيْمَة برقم 118. والمُدّ: وحْدةُ كَيْل شرعية وهي مِلء كفَيّ الإنسان المعتدل إذا مَلأهما ومَدَ يدَه بهما، وهو رُبع الصّاع، وهو رطل وثُلث. وهو حوالي 550 إلى 600 غراماً بحسب المكيل.
واختلف العلماء في حُكمه على قولين:
أحدهما: أنّه سُنّة، وبه قال الجمهور، الحنفية، والشّافعية، والحنابلة، وهو رواية عند المالكية.
قال النوويّ :" واتّفق الجمهور على أنّه يكفي في غسل الأعضاء في الوضوء والغُسل جريان الماء على الأعضاء، ولا يُشترط الدّلك، وانفرد مالك، والمُزنيّ باشتراطه ". (شرح مسلم ج3/107)
وقالوا: إنّ الغَسل لا يُشترط فيه إمرارُ اليّد، كما قال جماعة من أهل اللُّغة، لأنّه إسالةُ الماء على العضو، وليس من مُسمّى الغَسل الدّلك، ولأنّ الدّلك أمرٌ زائد على ظاهر القرآن، وما ورد في السُّنّة فهو مُجرّد فعل لا ينهض على الوجوب، بل هو مُستحبّ.
الثّاني: أنّه واجب، وبه قال المالكية في المشهور، والمُزنيّ. قال القاضي عبد الوهّاب :" ولا يجزئ مجرّد الاغتماس أو صبّ الماء على البدن دون إمرار اليَد في الوضوء والغُسل، خلافاً لأبي حنيفة، والشّافعيّ ". (الإشراف ج1/125) وقال أحمد الدّردير :" الفريضة الخامسة: الدّلك: وهو إمرار اليد على العضو، ولو بعد صبّ الماء قبل جَفافه ". (الشّرح الصّغير ج1/178-179)
واحتجّوا بحديث ابن عبّاس قال:" بِتُّ عند خالتي مَيمونة ليلةً فقام النّبيُّ من اللّيل، فتوضّأ من شَنٍّ مُعلَّق وضوءاً خفيفاً-يخفِّفُه عَمرو ويُقلِّلُه- وقام يصلّي " رواه البخاريّ برقم 138، ومسلم برقم 1790.
قال ابنُ المُنيِّر المالكيّ :" يُخفِّفه أي لا يُكثر الدّلك، ويُقلِّله أي لا يزيد على مرّة مرّة، وفيه دليل على إيجاب الدّلك ". (الفتح ج1/322) قال ابن حَجر :" وهي دعوى مردودة، فإنّه ليس في الخبر ما يقتضي الدّلك، بل الاقتصار على سَيَلان الماء على العضو أخفُّ من قليل الدّلك ". (الفتح ج1/322)
وقال بعضُ العلماء: هو واجب إن كان إتمامُ الوضوء يتوقّف عليه، لكون الماء الذي يتوضّأ به قليلاً، وجب إمرارُ اليد على العُضو من باب ما لا يتمُّ الواجبُ إلّا به فهو واجب، وإلّا فهو سُنّة. وعلى هذا يُحمل حديث عبد الله بن زَيد :" أنّ النّبيّ أُتي بثُلُثَي مُدٍّ، فجعل يَدلُك ذراعيه ". رواه أحمد 15846، وابن خزيمة برقم 118، وصحّحه، وابن حبّان برقم 1083، وصحّحه، وصحّحه الألبانيّ، كما في الموسوعة الفقهية ج1/101، وهو في أبي داود برقم 94، والنّسائيّ برقم 74، من حديث أُمّ عُمارة ، وصحّحه أبو زرعة، وحسّنه النوويّ، وصحّحه الألبانيّ في صحيح أبي داود برقم 84. وهو قولٌ عند المالكية، اختاره ابنُ تيمية، والعُثيمين، حيث قال:" أمّا إذا كان الماء قليلاً، لا يُمكن أن يجري على الأعضاء إلّا بذلك، فالدّلكُ واجب، وهذا القول وسط بين القولين...". (فتح ذي الجلال والإكرام ج1/294) قال حطّاب :" وقد اختُلِف في الدّلك هل هو واجب أو لا، على ثلاثة أقوال: المشهور الوُجوب، وهو قول مالك في المُدوَّنة، بناءً على أنّه شرط في حُصول مُسمّى الغَسل. قال ابنُ يُونس: لقوله لعائشة:" وادلُكي جَسدك بيدك ", والأمرُ على الوجوب، لأنّ عِلّته إيصالُ الماء إلى جسده على وجه يُسمّى غَسلاً، وقد فرّق أهلُ اللُّغة بين الغَسل والانغِماس.
والثّاني: نفي وجوبه لابن عبد الحكم، بناءً على صدق اسم الغَسل بدونه.
والثّالث: أنّه واجب لا لنفسه بل لتحقُّق إيصال الماء، فمن تحقَّق إيصالَ الماء لطُول مُكث أجزأه. وعزاه اللَّخميُّ لأبي الفَرج، وذكر ابنُ ناجي أنّ ابن رُشد عزاه له ". (مواهب الجليل ج1/315)
7- تقديم اليُمنى على اليُسرى في اليَدَيْن والرِّجلين: فيبدأ بغسل اليمين من اليدين والرِّجلين، لحديث أبي هريرة أنّ النّبيّ قال:" إذا لبستم، وإذا توضّأتم فابدءوا بأيامنكم ". رواه أبو داود برقم 4141، وابن ماجه برقم 402، أحمد برقم 8637، وصحّحه ابن خزيمة برقم 178، وابن حِبّان برقم 1090، وصحّحه ابن المُلقِّن في البدر المُنير ج3/418، والألبانيّ في صحيح ابن ماجه برقم 328، والصّحيح الجامع برقم 787، ولحديث عائشة قالت:" إن كان رسول اللّه ليُحبّ التيمُّن في طُهوره إذا تطهّر، وترجُّله إذا ترجّل، وفي انتعاله إذا انتعل ". رواه البخاريّ برقم 166، و416، و5060، و5516، و5582، ومسلم برقم 268، وأبو داود برقم 4140، والتّرمذيّ برقم 608، والنّسائيّ برقم 112، وابن ماجه برقم 401.
والتَّرجُّل: تسريح الشّعر وتمشيطه. (شرح الإلمام ج4/342)
وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وسُفيان الثّوريّ، وأهلُ العراق، والأوزاعيّ، والشّافعيّ، وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبو عُبيد، وأبو ثور.
قال ابن المُنذر :" وقد ثبتت الأخبار عن رسول الله أنّه بدأ، فغسل يده اليُمنى، ثمّ اليُسرى في وضوئه، وكذلك يفعل المُتوضِّئ إذا أراد اتِّباع السُّنّة.
ومِمّن مذهبُه أنّ المُتوضِّئ يبدأ بيمينه قبل يساره: مالك، وأهل المدينة، وسُفيان الثّوريّ، وأهل العراق، والأوزاعيّ، والشّافعيّ، وأصحابه، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو عُبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرّأي.
وقال: وأجمعوا على أن لا إعادة على من بدأ بيساره قبل يمينه، وقد رُوِّينا عن عليّ بن أبي طالب، وابن مسعود، أنّهما قالا: لا تُبالي بأيّ يديك بدأت، وعن عليّ أيضاً قال: لا يضرُّك بأيّ يديك بدأت، ولا بأيّ رِجليك بدأت، ولا على أيّ جانبيك انصرفت، وعن ابن مسعود قال: ما أُبالي بأيّهما بدأت باليُمنى أو اليُسرى ". (الأوسط ج1/386-387)
وقال النوويّ :" أجمع العلماء على أنّ تقديم اليمين على اليسار من اليدين والرّجلين في الوضوء سُنّة، لو خالفها فاته الفَضل، وصحّ وضوؤه ". (شرح مسلم ج3/160)
وقال ابن قُدامة :" ولا يجب التّرتيب بين اليُمنى واليُسرى، ولا نعلم فيه خِلافاً...». (المغني ج1/190) وكذلك نقله عن بعض الشّارحين ابنُ دقيق العيد في شرح الإلمام ج4/345.
تنبيه: قال النوويّ :" ثمّ اعلم أنّ من أعضاء الوضوء ما لا يُستحبّ فيه التَّيامُن، وهو الأُذُنان، والكَفّان، والخَدّان، بل يُطهّران دَفعة واحدة، فإن تعذّر ذلك كما في حقّ الأقطع ونحوه، قدّم اليمين ". (شرح مسلم ج3/160-161)
8- تثليث الغَسل في الوجه واليدين والرِّجلين: فالواجب مَرّة واحدة، ويُستحب ثلاثاً، لفعله .
وقد أجمع العلماء على أنّ الواجب في غسل الأعضاء مرّة مرّة، وعلى أنّ الثّلاث سُنّة. وجاءت الأحاديث الصّحيحة بالغَسل مرّة مرّة، وثلاثاً ثلاثاً، وبعض الأعضاء ثلاثاً، وبعضها مرّتين، وبعضها مرّة. قال النوويّ:" قد أجمع المسلمون على أنّ الواجب في غَسل الأعضاء مرّةً مرّةً، وعلى أنّ الثّلاث سُنّة، وقد جاءت الأحاديثُ الصّحيحة بالغَسل مرّةً مرّةً، وثلاثاً ثلاثاً، وبعض الأعضاء ثلاثاً، وبعضها مرّتين، وبعضها مرّةً.
قال العلماء: فاختلافها دليلٌ على جواز ذلك كلّه، وأنّ الثّلاث هي الكمال، والواحدة تُجزىء، فعلى هذا يُحمل اختلاف الأحاديث. وأمّا اختلاف الرُّواة فيه عن الصّحابيّ الواحد في القِصّة الواحدة، فذلك مَحمولٌ على أنّ بعضَهم حَفِظَ، وبعضهم نسِي، فيؤخذ بما زاد الثِّقةُ الضَّابط ". (شرح مسلم ج3/106) وقال التّرمذيّ :" والعملُ على هذا عند عامّة أهل العلم: أنّ الوضوء يجزئ مرّة مرّة، ومرّتين أفضل، وأفضله ثلاثٌ، وليس بعده شيءٌ ". (جامع التّرمذيّ مع التُّحفة ج1/141)
ويجوز زيادةُ بعض أعضاء الوضوء على بعض في الغَسل، بأن يغسل بعض الأعضاء مَرّةً وبعضها مرّتين وبعضها ثلاثاً، لما ورد في حديث عبد الله بن زيد أنّ النّبيّ توضّأ فغَسَل وجهه ثلاثاً وغَسَلَ يَدَيْه مَرّتين ومَسح رأسه مرّة ". رواه البخاريّ برقم 186، ومسلم برقم 235. قال التّرمذيّ :" وقد ذُكر في غير حديث: أنّ النّبيّ توضّأ بعضَ وضوئه مرّةً، وبعضَه ثلاثاً. وقد رخّص بعضُ أهل العلم في ذلك، لم يروا بأساً أن يتوضّأ الرَّجُلُ بعضَ وُضوئه ثلاثاً، وبعضَه مرّتين أو مرّةً ". (جامع التّرمذيّ مع التُّحفة ج1/144)
وقال النوويّ :" فيه دَلالةٌ على جواز مُخالفة الأعضاء وغسل بعضَها ثلاثاً وبعضَها مرّتين وبعضَها مرّة، وهذا جائز، والوضوء على هذه الصّفة صحيح بلا شكّ، ولكن المُستحبُّ تطهير الأعضاء كلّها ثلاثاً ثلاثاً كما قدّمناه، وإنّما كانت مخالفتها من النّبيّ في بعض الأوقات بَياناً للجواز، كما توضّأ مرّةً مرّةً في بعض الأوقات بياناً للجواز. وكان في ذلك الوقت أفضل في حقّه ، لأنّ البَيان واجب عليه ، فإن قيل: البيان يحصُل بالقَوْل، فالجواب: أنّه أوقعُ بالفعل في النُّفوس وأبْعَدُ من التّأويل، والله أعلم ". (شرح مسلم ج3/123)
وهل تجوز الزّيادة في الوضوء على ثلاث مَرّات؟ قال النوويُّ :" وقد أجمع العلماءُ على كراهة الزِّيادة على الثّلاث ". (شرح مسلم ج3/109) وقال :" إذا زاد على الثّلاث فقد ارتكب المكروه، ولا يبطل وضوءه، هذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافّة، وحكى الدّارميُّ في الاستذكار عن قوم أنّه يبطل كما لو زاد في الصّلاة، وهذا خطأٌ ظاهر ". (المجموع ج1/468) وقال أبو بكر بن المُنذر :" أكره الزِّيادة على الثّلاث ". (الأوسط ج1/410)
ودليل ذلك حديث عَمْرُو بن شُعَيْب عن أبيه عن جدّه قال:" جاء أعرابيٌّ إلى النّبيّ يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثاً ثلاثاً، قال:" هذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وتَعَدّى وظلَم ". رواه النّسائيّ برقم 140، وابن ماجه برقم 422، وأحمد 11/277، وصحّحه النوويّ في المجموع ج1/466. قال أحمد، وإسحاق :" لا يزيد على الثّلاث إلّا رجلٌ مُبتلى". (جامع التِّرمذيّ ج1/64، والمُغني ج1/194). وقال ابن المُبارك :" لا آمن إذا زاد في الوضوء على الثّلاث أن يأثم ". (المغني ج1/194، ونيل الأوطار ج1/218).
وأمّا الرّأس فيُمسح مرّةً واحدة ولا يُكرّر، لحديث عليّ في صفة وضوء النّبيّ :"... ثمّ جَعل يَده في الإناء فمسح برأسه مَرّةً واحدة...". رواه أبو داود برقم 111، ولحديث عبد الله بن زيد :" أنّ النّبيّ توضّأ فغَسَل وجهه ثلاثاً وغَسَلَ يَدَيْه مَرّتين ومَسح رأسه مرّة ". رواه البخاريّ برقم 186، ومسلم برقم 235، ولأحاديث عُثمان . وبهذا قال أكثرُ العلماء، وقالوا: السُّنّة مَسحُه مرّةً واحدة. قال ابن القيّم :" بل كان إذا غسل الأعضاء، أفرد مسح الرّأس، هكذا جاء عنه صريحاً، ولم يصحّ عنه خلافه البتّة ". (زاد المعاد ج1/186) وقال الشّوكانيّ :" والإنصاف أنّ أحاديث الثّلاث لم تبلغ درجة الاعتبار حتّى يلزم التمسُّكُ بها، لِما فيها من الزِّيادة، فالوُقوفُ على ما صحّ من الأحاديث الثّابتة في الصّحيحين وغيرهما من حديث عُثمان، وعبداللّه بن زَيد، وغيرِهما هو المُتعيّن، لا سيّما بعد تقييده في تلك الرّوايات بالمرّة الواحدة ". (النّيل ج1/201) قال الحافظ :" قال أبو داود:" أحاديث عثمان الصِّحاح كلّها تدلّ على أنّ مسح الرّأس مرّةً واحدة. وكذا قال ابنُ المنذر: إنّ الثّابت عن النّبيّ في المسح مرّة واحدة، وبأنّ المسح مَبنيّ على التَّخفيف فلا يُقاس على الغَسل المراد منه المُبالغة في الإسباغ، وبأنّ العدد لو اعتُبر في المسح لصار في صُورة الغَسل، إذ حقيقة الغَسل جريان الماء ". (الفتح ج1/349) وقال محمّد عليّ الإتيوبيّ :" وأمّا الأحاديث الواردة في التّثليث فكلّها معلُولة...". (البحر المحيط ج6/106) وقال الحافظ ابن حجر :" ويُحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح -إن صحّت- على إرادة الاستيعاب بالمسح، لا أنّها مَسحات مُستقلّة لجميع الرّأس، جمعاً بين الأدلّة ". (الفتح ج1/399)
وقال الشّافعيّ : يُستحبّ التّثليث في المسح. قال النوويّ :" ومذهب الشّافعيّ وأصحابه استحباب الثّلاث، وهو مذهب داود، ورواية عن أحمد، وحكاه ابن المُنذر عن أنس بن مالك، وسعيد بن جُبير، وعطاء، وزادان، ومَيسرة... وقال أكثر العلماء: إنّما يُسنّ مسحة واحدة، هكذا رواه عن أكثر العلماء التّرمذيُّ وآخرون ". (المجموع ج1/462)
واختار الصّنعانيّ في سُبل السّلام ج1/82، والألبانيّ في تمام المِنّة ص 91، أن يُمسح الرّأسُ ثلاثاً أحياناً.
والمرأة كالرّجل في صِفة مسح الرّأس، لأنّ الأصل في الأحكام أنّ ما ثبت في حقّ الرِّجال ثبت في حقّ النّساء إلاّ بدليل يخصِّص. قال سعيد بن المُسيِّب:" المرأة بمنزلة الرَّجُل تمسح على رأسها ". رواه البخاريّ مُعلَّقاً، ووصله ابنُ أبي شيبة. (الفتح ج1/387) ولحديث أبي عبد اللّه سالم سَبَلان، قال: فأرتني عائشة كيف كان رسول اللّه يتوضّأ، وفيه:"...ووضعت يدها في مُقدّم رأسها، ثمّ مسحت رأسها مسحة واحدة إلى مؤخّره، ثمّ أمّرت يديها بأُذنيها...". رواه النّسائيّ برقم 100، وصحّحه الألبانيّ في صحيح النّسائيّ برقم 97، وحسّنه محمّد عليّ الإتيوبيّ في ذَخيرة العُقبى ج2/357. وقال أبو داود :" سمعت أحمد سُئل، كيف تمسح المرأة رأسها في الوضوء؟ فقال: هكذا، ووضع يده على وسط رأسه ثمّ جرّها إلى مُقدّمه، ثمّ دفعها فوضعها حيث منه بدأ، ثمّ جرّها إلى مؤخّره ". (مسائل الإمام أحمد لأبي داود ص7، والمُغني ج1/178)
وقال النوويّ :" والمرأة كالرّجل في صفة مسح الرّأس على ما سبق، نصَّ عليه الشّافعيُّ في البُوَيطي، وذكره الأصحاب، ونقله البخاريُّ في صحيحه عن سعيد بن المُسيِّب...». (المجموع ج1/440) وقال ابن أبي زيد في الرِّسالة:" وتمسح المرأةُ كما ذكرنا -أي في صفة الرّجل- ". (مسالك الدّلالة ص 25)
9- إطالة الغُرَّة والتَّحجيل: معنى الغُرّة والتّحجيل لُغة: قال النوويّ :" قال أهل اللُّغة: الغُرّة: بَياض في جبهة الفرس، والتّحجيل: بياض في يديها ورِجليها. قال العُلماء: سُمّي النُّور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غُرّة وتحجيلاً تشبيهاً بغُرّة الفرس ". (شرح مسلم ج3/135)
وقال القُرطبيّ :" أصلُ الغُرّة: لُمعة بيضاء تكون في جبهة الفرس، على قَدر الدِّرهم، يُقال منه: فرسٌ أَغَرّ، ثمّ استُعملت في الجَمال والشُّهرة، وطيب الذِّكر. والمُراد بها هُنا النُّور الكائن في وُجوه أمّة محمّد .
والتّحجيل: هو بَياض يكون في ثلاث قوائم، من قوائم الفَرس، وأصلُه من الحِجل-بكسر المُهملة- وهو الخَلخَال، والقَيد، ولا بُدّ أن يُجاوز التَّحجيل الأَرساغ، ولا يُجاوز الرُّكبتين والعُرقُوبَين، وهو في الحديث مُستعارٌ، عبارة عن النُّور الذي يعلو أعضاء الوضوء يوم القيامة ". (المُفهم ج1/499-500)
ذهب الشّافعية، والحنابلة على الصّحيح في المذهب إلى استحباب إطالة الغُرّة والتَّحجيل، وعدّها الحنفية من آداب الوضوء. قال النوويّ في المِنهاج:" وإطالةُ غُرّته وتحجيله ". (مُغني المُحتاج ج1/177) وقال الخطيب الشَّربينيّ :" ومن سُنَنه إطالةُ غُرّته بغَسلٍ زائدٍ على الواجب من الوجه من جميع جوانبه، وغايتُها غَسلُ صَفحةِ العُنُق مع مُقدِّمات الرَّأس، وإطالةُ تحجيله بغسلٍ زائدٍ على الواجب من اليدين والرِّجلين من جميع الجوانب، وغايتُه استيعاب العَضُدين والسَّاقَين، ولا فرق في ذلك بين بقاء محلّ الفَرض وسُقوطه ". (مُغني المحتاج ج1/177)
وقال النوويّ :" أمّا تطويلُ الغُرّة: فقال أصحابُنا: هو غَسلُ شيء من مُقدَّم الرّأس وما يجاوز الوجه زائد على الجُزء الذي يجب غسلُه لاستيقان كمال الوجه. وأمّا تطويلُ التَّحجيل: فهو غسلُ ما فوق المَرفقين والكعبين، وهذا مُستحبٌّ بلا خَلاف بين أصحابنا. واختلفوا في قَدر المُستحبّ على أوجه: أحدها: أنّه يُستحبّ الزّيادة فوق المَرفقين والكعبين من غير توقيت. والثّاني: يُستحبّ إلى نصف العَضد والسّاق. والثّالث: يُستحبّ إلى المنكبين والرُّكبتين، وأحاديثُ الباب تقتضي هذا كلّه ". (شرح مسلم ج3/134)
وقال المرداويّ :" يُستحبُّ الزِّيادة على الفَرض، كإطالة الغُرّة والتَّحجيل على الصّحيح من المذهب. وجزم به في المُغني، والشّرح، وابن رَزين، وغيرهم، وقدّمه في الفُروع، والرِّعاية، وابن تَميم، وغيرهم ". (الإنصاف ج1/127)
وقال الحَصكفيّ الحنفيّ :" ومن الآداب تعاهد مُوقيه، وكعبيه، وعُرقوبيه، أخمصيه، وإطالة غُرّته وتحجيله ". (ردّ المُحتار ج1/256)
واحتجّوا:
بحديث عبد الله المُجمِر، قال: رأيتُ أبا هريرة يتوضّأ، فغَسل وجهه، فأسبغ الوضوء، ثمّ غَسل يده اليُمنى، حتّى أَشرع في العَضُد، ثمّ يده اليُسرى، حتّى أَشرع في العَضُد، ثمّ مَسح رأسه، ثمّ غَسل رِجله اليُمنى حتّى أَشرع في السّاق، ثمّ غَسل رِجله اليُسرى، حتّى أشرع في السّاق، ثمّ قال: هكذا رأيت رَسولَ الله يتوضّأ، وقال: قال رسولُ الله : أنتم الغُّرُّ المُحجّلون يوم القيامة، من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم، فليُطِل غُرَّته، وتَحجيلَه ". رواه البُخاريّ برقم 136، ومسلم برقم 246 قال محمّد عليّ الإتيوبيّ :" قوله:" فمن استطاع منكم، فليُطِل غُرّته" مرفوعٌ من جُملة الحديث، ومن الغريب أنّ بعض العلماء-منهم ابن القيّم، والألبانيّ- ادَّعى كَونَه مُدرَجاً من كلام أبي هريرة، ولم يأتوا بِبيِّةٍ واضحةٍ يُردّ بها صَنيعُ الشَّيخين- البخاريّ، ومسلم ". (البحر المُحيط ج6/316)
وبحديث حُذيفة في قصّة الحوض:"قالوا يا رسولَ الله، تَعرِفُنا؟ قال: نعم، تَرِدون عَلَيَّ غُرّاً مُحجَّلين، من آثار الوضوء، ليست لأحدٍ غيرِكم ". رواه مسلم برقم 248، وابن ماجه برقم 4302، وابن حِبّان برقم 7241.
وذهب المالكية، والجنابلة في رواية إلى عدم مشروعية إطالة الغُرّة والتَّحجيل، واختاره ابنُ تيمية كما في الفتاوى ج1/280، وابن القيّم في زاد المعاد ج1/189.
قال أحمد الدّردير :" وكذا تُكرهُ كثرةُ الزِّيادة على محلّ الفَرض لما ذكرنا، وقال الشّافعيُّ بنَدبها، وفسَّر إطالةَ الغُرّة في الحديث بذلك، وفسّرها الإمامُ مالك بإدامة الوضوء ". (الشّرح الصّغير ج1/200-201)
وقال المَرداويّ :"وعنه-أي أحمد- لا يُستحبّ. قال الإمامُ أحمد: لا يغسل ما فوق المَرفق. قال في الفائق: ولا يُستحبّ الزّيادةُ على محلّ الفرض في نصِّ الرِّوايتين. اختاره شَيخُنا ". (الإنصاف ج1/127)
قال النوويّ :" وأمّا دعوى الإمام أبي الحسن بن بَطَّال المالكيّ، والقاضي عِيّاض اتّفاق العلماء على أنّه لا يُستحبّ الزِّيادة فوق المرفق والكعب فباطلة، وكيف تصحّ دعواهما وقد ثبت فعلُ ذلك عن رسول الله ، وأبي هريرة ، وهو مذهبُنا لا خلاف فيه عندنا كما ذكرناه، ولو خالف فيه مُخالف كان مَحجوجاً بهذه السُّنن الصّحيحة الصّريحة. وأمّا احتجاجُهما بقوله : من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم، فلا يصّح، لأنّ المراد من زاد في عدد المرّات، والله أعلم ". (شرح مسلم ج3/134)
وقال ابنُ حجر :" وكلامهُم مُعتَرَض من وُجوه، ورواية مسلم صريحة في الاستحباب، فلا تُعارَض بالاحتمال. وأمّا دعواهم اتّفاق العُلماء على خلاف مذهب أبي هريرة في ذلك، فهي مَردودة بما نقلناه عن ابن عمر، وقد صرّح باستحبابها جماعةٌ من السَلّف، وأكثرُ الشّافعية، والحنفية، وأمّا تأويلُهم الإطالة المطلوبة بالمُداومة على الوضوء، فمُعترَضٌ بأنّ الرّاوي أدرَى بمعنى ما رَوى، كيف وقد صرّح برفعه إلى الشّارع ". (الفتح ج1/ 319) وقال ابن باز في هامش الفتح ج1/319:" الأصحُّ في هذه المسألة شَرعيةُ الإطالة في التّحجيل خاصّة، وذلك بالشُّروع في العَضُد والسّاق تكميلاً للمَفروض من غَسل اليدين والقدمين، كما صرّح أبو هريرة برفع ذلك إلى النّبيّ في رواية مسلم ".
فالحقّ استحباب إطالة الغُرّة والتَّحجيل لظاهر النَّصّ، كما ذهب إليه الحنفية، والشّافعية، والحنابلة في الأصّحّ.
فائدة: قال ابنُ حجر :" واستدلَّ الحَلِيمي بهذا الحديث-أي حديث أبي هريرة- على أنّ الوضوء من خصائص هذه الأُمّة، وفيه نظر، لأنّه ثبت عند المُصنِّف في قِصّة سارة مع المَلِك الذي أعطاها هاجر، أنّ سارة لمّا همّ المَلكُ بالدُنُوّ منها، قامت تتوضّأ وتُصلِّي، رواه البخاريّ برقم 2217، ومسلم برقم 2371، وفي قصّة جُرَيج الرّاهب أيضاً، أنّه قام فتوضّأ وصلَّى، ثمّ كلّم الغُلام. رواه البخاريّ برقم 2482، ومسلم برقم 2550. فالظّاهرُ أنّ الذي اختصَّت به هذه الأُمّة هو الغُرّةُ والتَّحجيل، لا أصل الوضوء، وقد صرّح بذلك في رواية مسلم برقم 247، عن أبي هريرة أيضاً مرفوعاً، قال:" سِيمَا ليست لأحدٍ غيرِكم"، وله من حديث حُذيفة نحوه، و"سِيما" -بكسر المُهمَلة، وإسكان الياء الأخيرة- أي علامة ". (الفتح ج1/318)
10- البدء بالمضمضة ثم الاستنشاق قبل غسل الوجه، كما ورد في صفة وضوء النّبيّ من حديث ابن عبّاس :" أنّه توضّأ فغسل وجهه، أخذ غَرفةً من ماء فمضمض بها واستنشق، ثمّ أخذ غَرفة من ماء فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأُخرى فغسل بها وجهه.... ثُمّ قال: هكذا رأيت رسول الله يتوضّأ ". رواه البخاريّ برقم 140
ومن حديث حُمران:" أنّه رأى عثمان بن عفّان دعا بإِناءٍ فأفرغ على كَفّيه ثلاثَ مِرارٍفغسلهما، ثمّ أدخل يمينه في الإناء فَمضمضَ واستنشَق، ثمّ غسل وجهه ثلاثاً...ثمّ قال: قال رسول الله : من توضّأ نحو وُضوئي هذا، ثمّ صلّى ركعتين لا يُحدِّث فيهما نفسه، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه ". رواه البخاريّ برقم 159، ومسلم برقم 226
ومن حديث عمرو بن يحي المازِنيّ، عن أبيه أنّ رجُلاً قال لعبد الله بن زيد-وهو جَدُّ عمرو بن يحي- أتستطيع أن تُرِيَني كيف كان رسول الله يتوضّأ؟ فقال عبد الله بنُ زيد:" نعم. فدَعا بماء فأفرغ على يديه فغسل مرّتين، ثمّ مَضمضَ واستنثر ثلاثاً، ثمّ غسل وجهه ثلاثاً...". رواه البخاريّ برقم 185، ومسلم برقم 235
11- ثُمَّ يَدعُو بعد الوضوء بالذِّكر الوارد، فيقول:" أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحدَه لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبدُه ورسولُه"، لحديث عُمر بن الخطاب قال: قال ر سول اللّه :" ما منكم من أحد يتوضّأ فيُبلِغ الوضوء - أو- فيُسبغ الوضوء، ثمّ يقول: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، وأشهد أنّ محمّدا عبد اللّه ورسوله. زاد التّرمذيّ:" اللّهمّ اجعلني من التّوّابين، واجعلني من المتطهِّرين، فُتحت له ثمانيةُ أبواب الجنّة، يدخلُ من أيِّها شاء ". رواه مسلم برقم 234، والزِّيادة رواها التّرمذيّ برقم 55، وصحّحها الألبانيّ في صحيح التّرمذيّ برقم 48، وفي صحيح ابن ماجه برقم 470، أو يقول:" سُبحانك اللّهمّ وبحمدك أشهد أن لاإلٰه إلّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك "، لحديث أبي سعيد الخُدري الذي رواه النّسائيّ في عمل اليوم واللّيلة ص 173، وصحّح وقفه، وكذلك صحّح وقفه الدّارقطنيّ، ومحمّد عليّ الإتيوبيّ في البحر المحيط ج6/199 غير أنّه قال: " إلّا أنّه في مثل هذا له حُكم الرّفع، لأنّ مقادير الثّواب لا تُعرف إلّا بالتّوقيف من النّبيّ ، فالظّاهر أنّ الصّحابيّ سمعه منه ". (البحر المحيط ج6/200) والحديث صحّحه الألبانيُّ مرفوعاً في الصّحيحة برقم 2333، وصحيح الجامع برقم 6170
قال ابن القيّم :" كلُّ حديث في أذكار الوضوء الذي يُقال عليه، فكذِبٌ مُختلَق، لم يقل رسول اللّه شيئاً منه، ولا علّمه لأمّته، ولا ثبت عنه غير التّسمية في أوّله، وقوله: أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، اللّهمّ اجعلني من التّوّابين، واجعلني من المُتطهّرين في آخره، وفي حديث آخر عند النّسائيّ في "عمل اليوم واللّيلة"، ممّا يُقال بعد الوضوء أيضا: سُبحانك اللّهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلاّ أنت، أستغفرك، وأتوب إليك ". (زاد المعاد ج1/188-190)
فائدة: وبهذا يعلم أن ما ذكره الحنفية، والشّافعية، وغيرُهم في كُتبهم من الدُّعاء عند كُلّ عُضو، كقولهم عند غَسل الوجه:" اللّهمّ بَيّض وجهي يوم تَبْيَضُّ وُجوه وتسودّ وُجوه'، وغير ذلك فضعيف لم يثبت. قال النوويّ :" الأدعياء في أثناء الوضوء لا أصل لها ولم يذكرها المتقدِّمون ". وقال ابنُ الصّلاح :" لم يصحّ فيه حَديث ". (توضيح الأحكام ج1/203).
كيف يُسمِّي إذا توضّأ داخل الحمّام: ذهب بعض أهل العلم الى أنه يسمّي بقلبه من غير أن يتلّفظ بلسانه. قال العُثيمين :" وإذا كان في الحمّام فقد قال أحمد: إذا عطس الرّجلُ حمد اللّه بقلبه، فيخرج من هذه الرّواية أنّه يُسمِّي بقلبه ". (الشّرح المُمتع ج1/130)
و قال آخرون له أن يُسمّي لفظاً، لأنّ التّسمية واجبة. قال ابن باز :" الذِّكر بالقلب مشروع في كلّ زمان ومكان في الحمّام وغيره، وإنّما المكروه في الحمّام ونحوه، ذكر اللّه باللِّسان تعظيماً للّه سبحانه، إلاّ التّسمية عند الوضوء فإنّه يأتي بها إذا لم يتيسّر الوضوء خارج الحمّام، لأنّها واجبة عند بعض أهل العلم، وسُنّة مُؤكّدة عند الجمهور".(مجموع فتاوى ومقالات ج10/32) وجاء في فتاوى اللّجنة الدّائمة ج5/94:" يُكره أن يذكر اللّه تعالى نُطقاً داخل الحمّام الذي تُقضى فيه الحاجة تنزيهاً لاسمه، واحتراماً له، لكن تُشرع له التّسميةُ عند بدء الوضوء، لأنّها واجبة مع الذّكر عند جمع من أهل العلم ".
أمّا الدُّعاء بعد الوضوء، إذا توضّأ داخل الحمّام، فأمره واسع، لأنّه بإمكانه أن يخرج ويتشهّد خارج الحمّام. قال ابن باز :" وأمّا التّشهُّد فيكون بعد الخروج من الحمّام -وهو محلّ قضاء الحاجة- فإذا فرغ من وضوئه يخرج، ويتشهّد في الخارج. أمّا إذا كان الحمّام لمجرّد الوضوء ليس للغائط والبول، فهذا لا بأس أن يأتي بها فيه، لأنّه ليس محلّاً لقضاء الحاجة ". (مجموع فتاوى ومقالات ج10/28)
سابعاً: كيفية الوضوء كما وردت بها الأدِلَّة:
1- أن ينوي الوضوء، لقوله -تعالى-: ﴿وما أُمِروا إلّا ليعبدوا الله مخلصين له الدّين﴾ البيّنة:25. قال شِهابُ الدّين القَرافيّ :" أي: يخلصونه له دون غيره، وهذا يدلّ على أنّ ما ليس كذلك ليس مأموراّ به ". (الذّخيرة ج1/235) ولحديث عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله يقول:" إنّما الأعمال بالنّيّات، وإنّما لكلّ امرئٍ ما نوى ". رواه البخاريّ برقم 1، ومسلم برقم 1907. قال شهاب الدّين القرافيّ :" ومعنى الحديث: أنّ الأعمال مُعتبرة بالنّيّات ". (الذّخيرة ج1/235)
وهي رُكنٌ في الوضوء عند المالكية، والشّافعية، وشرطٌ عند الحنابلة، وسُنّةٌ عند الحنفية.
قال ابن جُزيّ :"فرائض الوضوء، وهي ستّة: النّيّة...". (القوانين الفقهية ص 22) وقال النوويّ :" النّيّة:" وهي فَرض في طهارات الأحداث، ولا تجب في إزالة النّجاسة على الصّحيح ". (روضة الطّالبين ص 22) وقال ابن قُدامة في المُقنع :" والنّيّةُ شرط لطهارة الحدث كلّها ". (الإنصاف ج1/110) وقال بُرهان الدّين المَرغينانيّ :" فالنّيّةُ في الوضوء سُنّة عندنا، وعند الشّافعيّ فرض، لأنّه عبادة فلا تصحّ بدون النّيّة كالتيمُّم ". (الهداية ج1/13)
قال ابن عبد البَرّ :" لا تُجزئ طهارةُ وضوء، ولا تيمّم، ولا غُسل من جنابة، أو حيض، إلّا بنيّة من ذلك ". (الكافي ج1/58)
وقال النوويّ :" قد ذكرنا أنّ النّيّة شرط في صحّة الوضوء والغُسل والتيمّم، وهذا مذهبنا، وبه قال الزُّهريّ، وربيعة شيخ مالك، ومالك، واللّيث بن سعد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود. قال صاحب الحاوي: وهو قول جمهور أهل الحِجاز. قال الشّيخ أبو حامد وغيره: ويُروى عن عليّ بن أبي طالب.
وذهب طائفة إلى أنّه يصحّ الوضوء والغُسل والتّ يمّم بلا نيّة، حكاه ابنُ المنذر عن الأوزاعيّ، والحسن بن صالح، وحكاه أصحابُنا عنهما وعن زُفر.
وقال أبو حنيفة، وسُفيان الثّوريّ: يصحّ الوضوء والغُسل بلا نيّة، ولا يصحّ التيمّم إلّا بنيّة، وهي رواية عن الأوزاعيّ ". (المجموع ج1/355)
ومحلّ النِّيّة القلب، ولا يلزم التَّلفُّظ بها، ولا الجهر بها، وبه قال المالكية، وبعض الحنفية، وبعض الحنابلة.
قال ابنُ تيمية :" مَحلّ النِّيّة القلب باتّفاق الأئمّة الأربعة وغيرهم، إلّا بعض المتأخّرين أوجب التّلفُّظ بها وهو مسبوق بالإجماع ". (كشّاف القناع ج1/81) وقال :" الجهر بلفظ النّيّة أيضاً مَنهيّ عنه عند الشّافعيّ، وسائر أئمّة الإسلام، وفاعل ذلك مُسيئ، وإن اعتقد ذلك دِيناً فقد خرج عن إجماع المسلمين، ويجب نهيه عن ذلك، وإن عُزل عن الإمامة إذا لم ينته كان له وجه ". (مجموع الفتاوى ج22/256) وقال ابنُ القيّم :" ولم يكن يقول في أوّله: نويت رفع الحدث، ولا استباحة الصّلاة، لا هو، ولا أحد من أصحابه البتّة، ولم يُرو عنه في ذلك حرف واحد، لا بإسناد صحيح، ولا ضعيف ". (زاد المعاد ج1/189) وقال الكمال بن الهُمام :" قال بعضُ الحُفّاظ: لم يثبت عن رسول الله بطريق صحيح ولا ضعيف، أنّه كان يقول عند الافتتاح: أصلّي كذا، ولا عن أحد من الصّحابة والتّابعين، بل المنقول أنّه كان إذا قام إلى الصّلاة كبّر، وهذه بدعة ". (فتح القدير ج1/186)
وقال ابن نُجيم الحَنفيّ :" وظاهر ما في "فتح القدير" اختيار أنّه بدعة ". (البحر الرّائق ج1/483)
وقال :" وزاد في شرح المنية، أنّه لم يُنقل عن الأئمّة الأربعة أيضاّ ". (البحر الرّائق ج1/484)
وقال ابن عابدين :" وفي الفتح، لم يُنقل عن النّبيّ وأصحابه التّلفُّظُ بها لا في حديث صحيح ولا ضعيف، وزاد ابنُ أمير حاج ولا عن الأئمّة الأربعة. وتمامه في الأشباه في بحث النّيّة ". (ردُّ المُحتار ج1/226)
وقال ابن جُزيّ :" محلّ النّيّة القلب، ولا يلزم النُّطق بها، وتركه أولى خِلافاً للشّافعيّ ". (القوانين الفقهية ص 54)
وقال منصور البُهوتيّ :" ومحلّها القلب، والتّلفُّظ بها ليس بشرط، إذ الغرض جعلُ العبادة للّه تعالى ". (الرّوض المُربِع ج1/186)
2- ثمّ يُسمّي، فيقول بسم اللّه، لحديث أبي هريرة أنّ النّبيّ قال:" لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكُر اسمَ اللّه تعالى عليه ". رواه أبو داود برقم 101، وابن ماجه برقم 399، وحسّنه ابن كثير في إرشاد الفقيه ج1/35، والشّوكانيّ في الدّراري المُضيّة ص 42، وصحّحه الألبانيّ في صحيح الجامع برقم 7514، والإرواء برقم 81. قال ابن القيّم :" أحاديث التّسمية عند الوضوء، أحاديث حِسان ". (المنار ص 120) وقال ابن حجر :" والظّاهر أنّ مجموع الأحاديث يحدث منها قوّة، تدلّ على أنّ له أصلاً ". (تلخيص الحبير ج1/86)
قال ابن المُنذر :" فاستحبّ كثيرٌ من أهل العلم للمرء أن يسمّي اللّه تعالى إذا أراد الوضوء، كما استحبّوا أن يسمّي اللّه عند الأكل، والشّرب، والنّوم، وغير ذلك، استحباباً لا ايجاباً. وقال أكثُرهم لا شيء على من ترك التّسمية في الوضوء عامدا أو ساهيا، هذا قول سفيان الثّوريّ، والشّافعيّ، وأحمد بن حنبل، وأبي عُبيد، وأصحاب الرّأي، واغتسل عمر بن الخطّاب ، ويَعلى بن أُميّة يستر عليه بثوب، فقال بسم اللّه...وقال: ليس في هذا الباب خبر ثابت يوجب إبطال وضوء من لم يذكر اسم اللّه عليه، فالاحتياط أن
يسمّي اللّه من أراد الوضوء، والاغتسال، ولا شيء على من ترك ذلك ". (الأوسط ج1/367-368)
واستدلّ البيهقيّ على عدم وجوب التّسمية بحديث رِفاعة بن رافع ، مرفوعا:" لا تتمّ صلاةُ أحدكم حتّى يُسبغ الوضوء، كما أمر اللّه، فيغسل وجهه...". الحديث رواه أبو داود برقم 856. قال البيهقيّ: فهذا الحديث ليس فيه ذكر التّسمية، فلو كان واجباً لبيّنه". (البحر المحيط ج6/117)
وذهبت الظّاهرية، ورواية عن الإمام أحمد، وقول إسحاق بن راهويه إلى وُجوب التّسمية لظاهر هذا الحديث، واختار هذا القول الألبانيّ. قال النوويّ :" وعن أحمد رواية أنّها واجبة، وحَكى التّرمذيّ، وأصحابُنا عن إسحاق بن راهويه أنّها واجبة إن تركها عمداً بطلت طهارته، وقال المَحامليُّ وغيرُه: وقال أهلُ الظّاهر: هي واجبة بكلّ حال ". (المجموع ج1/387)
قال محمّد عليّ الإتيوبيّ :" والحاصل أنّ أحاديث التّسمية على فرض صحّتها محمولة على الاستحباب بدليل هذا الحديث، ولا يَرد عليه القول بوجوب المضمضة، والاستنشاق، والاستنثار، لأنّها داخلة في غَسل الوجه...». (البحر المحيط ج6/117) وقال ابن مُفلح :" إذا كان الحديث ضعيفاً والشّيء مطلوباً فعله، فإنّه يكون من المستحبّات، لأنّ وُرود الأمر به يوجب للنّفس شُبهة، كذلك لا يمكن تأثيم النّاس بتركه وهو ضعيف...». (فتح ذي الجلال والإكرام ج1/331)
3- ثمّ يتسوّك، لحديث أبي هريرة ، عن رسول الله أنّه قال: "لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسِّواك مع كلّ وُضوء". رواه أحمد برقم 9930، ومالك برقم 143، وابن خُزيمة برقم 140 وصحّحه، وصحّحه الألبانيّ في صحيح الجامع برقم 5317، وصحّحه محمّد بن عليّ الإتيوبيّ في البحر المحيط ج6/388، وفي لفظ:" عند كلّ وضوء ". رواه أحمد برقم 9928، والنّسائيّ في الكبرى برقم 3037، وابن خُزيمة برقم 141، وصحّحه الإتيوبيّ في البحر المحيط ج6/378، ولحديث ابن عبّاس حين بات عند خالته ميمونة فوصف قيام النّبيّ لصلاة الّليل، فقال: "...ثمّ عمد إلى شَجب من ماء فتسوّك، وتوضّأ، وأسبغ الوضوء...". رواه مسلم برقم 763 ومعنى الشَّجب: السِّقاء الخَلَق، أو الشّن. ومعنى أسبغ: أكمل. وفي رواية:" فاستيقظ من اللّيل فأخذ سواكه فاستاك به ثمّ توضّأ ". رواه أبوداود برقم 58، وأحمد برقم 3541، وصحّحه أحمد شاكر.
واختلف العلماءُ في تحديد مكان السِّواك من الوُضوء على قولين:
الأوّل: أنّه قبل أن يبدأ بالوضوء فيستاك ثم يتوضّأ، وقال به جماعة من الحنيفة والمالكية والشّافعية، وكأنّهم أخذوا برواية "عند كُلِّ وضوء ". -أي لأمرتهم بالسّواك عند كل وضوء-. قال حسن الشُّرُنبُلاليّ :" يُسنُّ في الوضوء ثمانية عَشر شَيئاً: والسِّواك... وهو من سُنن الوضوء، ووقتُه المسنون في ابتدائه، لأنّ الابتداء به سُنّة أيضاً عند المضمضة على قول الأكثر، وقال غيرُهم: قبل الوضوء ". (مراقي الفلاح ص41) وقال القَرافيّ :" أمّا وقته: فقال صاحبُ الطِّراز: يستاك قبل الوضوء، ويتمضمض بعده، ليخرج الماء بما ينثره السِّواك ". (الذَّخيرة ج1/277) وقال مُحَنض الدِّيمانيّ في عدّ مندوبات الوضوء عند المالكية:" وسِواك، أي استياك قبل وُضوئه، أو عنده قبل مضمضة ليُخرج بها ما حرّكه ". (مُيسِّر الجَليل ج1/74) وقال الخطيبُ الشَّربينيّ :" ومحلُّه في الوضوء على ما قال ابنُ الصَّلاح، وابنُ النَّقيب في عُمدته بعد غَسل الكَفّين، وكلامُ الإمام وغيره يَميل إليه، وينبغي اعتِمادُه، وقال الغَزَاليُّ، كالمَاوَرديِّ، والقفَّال محلُّه قبل التّسمية، قال ابنُ النَّقيب في نُكَته أو معها مُخالِفاً لما في عُمدته ". (مُغني المُحتاج ج1/163) وقال عبد الله الفَوزان:" الأفضل أن يكون قبل الوضوء ". (فقه الدّليل ج1/98)
الثّاني: أنّ السِّواك في أثناء الوُضوء وذلك عند المضمضة فإذا بلغ المضمضة جمع بينها وبين السِّواك، وهذا قول الجمهور واستدلوا بِرواية:" مَع كُلِّ وضوء " و"مع" تُفيد المُصاحبة، والمصاحبة فيها نوعٌ من المُداخلة، قيكون السِّواك على هذه الرواية داخل الوُضوء.
قال محمّد بن محمّد سالم:"ووقت الاستياك قبل الوضوء، وقيل في حال المضمضة لا قبلها ولا بعدها ". (مِنح العليّ ص 125) وقال القَرَافيّ :" أو بأصبعه إن لم يجد، ويفعل ذلك مع الماء في المضمضة ". (الذّخيرة ج1/278)
والأظهر الأوّل، لحديث ابن عَبّاس في وَصف قِيام النّبيّ في صلاة اللّيل، قال:" فاستيقظ وتسوَّك وتوضّأ…". رواه مسلم 763، وعند النّسائيّ برقم 1704:" ثمّ نام ثمّ قام فاستنّ ثمّ توضّأ "، ولأنّه لم يُرو عنه أنّه تسوّك أثناء المضمضة.
وهل يستاك باليد اليُمنى أو اليُسرى؟ خلاف بين العلماء: فقال بعضُهم: باليُمنى أفضل، لأنّ السِّواك طاعةٌ وقُربةٌ لله تعالى، فلا يكون باليُسرى، لأنّ اليُسرى تُقدّم للأذى، وبه قال بعضُ المالكية. قال ابن عرَفة المالكيّ :" وهو باليُمنى أولى ". (مواهب الجليل ج1/382) وقال الحافظ العِراقيّ :" ذَكر بعضُ مُتأخِّريّ الحنابلة مِمَّن رأيتُه أنّه يستاك بيميه، لأنّه ورد في بعض طُرق حديث عائشة المشهور: كان يُعجبه التَّيمُّن في ترجُّله، وتنعُّله، وتطهُّره، وسِواكه ". (طَرح التَّثريب ج1/71)
وقال آخرون: باليُسرى أفضل، لأنّه لإزالة الأذى، وإزالة الأذى تكون باليُسرى كالاستنجاء، ونحوه. وبه قال الحنابلة في المشهور. (الشّرح المُمتع ج1/127) واختاره ابنُ تيمية في شرح العُمدة ج1/210.
وقال بعض المالكية: بالتّفصيل، وهو إن تسوّك لتطهير الفم كما لو استيقظ من نومه، أو لإزالة الأكل الباقي فيكون باليسار، لأنّه لإزالة الأذى.
وإن تسوَّك لتحصيل السُّنّة فباليمين، لأنّه مُجرّد قُربة، كما لو توضّأ قرِيباً واستاك عند الوضوء، ثمّ حضر إلى الصّلاة، فإنّه يستاك لتحصيل السُّنّة. وحكاه الحافظ العِراقيّ عن بعض الشّافعية، فقال:" وسمعتُ بعضَ مشايخنا الشّافعية يَبني ذلك على أنّ السِّواك هل هو من باب التَّطهير والتَّطيُّب، أو من باب إزالة القَاذورات؟ فإن جعلناه من باب التّطييب استُحبّ أن يَليه بيمينه، وإن جعلناه من باب إزالة القاذورات استُحبّ أن يَليه بشماله لحديث عائشة:" كانت يدُ رسول الله لِطهوره، وطعامه، وكانت يدُه اليُسرى لخلائه، وما كان من أذى ". رواه أبو داود بإسناد صحيح ". (طَرح التَّثريب ج1/71)
قال العُثيمين " والأمر في هذا واسع لعدم ثُبوت نصّ واضح ". (الشّرح الممتع ج1/127)
4- ثمّ يغسل كفّيه ثلاثاً، يأخذ الإناء بيده اليُمنى ويُفرغ على يده اليُسرى، لحديث عثمان ، وفيه:"... فأفرغ على كفّيه ثلاث مرّات فغسلهما...". رواه البخاريّ برقم 159، ومسلم برقم 226، قال بعضُ العلماء: الظّاهر أنّه غسلهما معاً، ويحتمل أنّ غسل كلّ واحدة منهما على حِدَتها. قال ابن دقيق العيد :" قوله:"غسلهما" قَدرٌ مُشترك بين كونه غسلهما مجموعتين، أو مُفترِقتين ِ، والفُقهاء اختلفوا أيُّهما أفضل ". (الإحكام مع العُدّة ج1/125) ولحديث عليّ ﵁:"... فأخذ الإناء بيده اليُمنى فأفرغ على يده اليُسرى وغسل كفّيه ثلاثاً...". رواه أبو داود برقم 112، والنّسائيّ برقم 91، وأحمد برقم 1133، وابن خزيمة برقم 147، وابن حبّان برقم 1079، وصحّحه الألبانيّ في أبي داود برقم 103، ومحمّد عليّ الإتيوبيّ في ذخيرة العُقبى ج2/323. قال ابن المُلقِّن :" والذي يظهر أنّه إن أمكن غسلهما معاً، فهو أفضل، وإلّا قدّم الكفَّ اليُمنى ". (الإعلام بفوائد عُمدة الأحكام ج1/327) قال الصَّنعاني :" إذ غسلهما مجموعتين أعون على إذهاب ما عساه فيهما لقوّة الدَّلك، وغَسلُ كلّ واحدة على حِدَة فيه زيادة عمل بإفراد كلّ واحدة بطهارة، والأظهر أنّ الوجهين مُتكافِئان، والمُكلّف مُخيَّر ". (الإحكام مع العُدّة ج1/125)
5- ثمّ يُدخل يَده اليُمنى في الإناء فيُمَضْمِض ثلاثاً ويستنشق ثلاثاً من كفّ واحدة، لحديث عبد الله بن زَيْد أنّه رأى النّبيّ
:" توضّأ فمضمض واستنشق من كفّ واحدة، فعل ذلك ثلاثاً ". رواه البخاريّ برقم 191، ومسلم برقم 235، وأبو داود برقم 119، والتّرمذيّ برقم 28. قال النوويّ :" فيه دلالة ظاهرة للمذهب الصّحيح المختار أنّ السُّنّة في المضمضة والاستنشاق أن يكون بثلاث غَرفات يتمضمضُ ويستنشق من كلّ واحدة منها ". (شرح مسلم ج3/116) وقال :" والصّحيح الوجه الأوّل، وبه جاءت الأحاديث الصّحيحة في البخاريّ ومسلم وغيرهما، وأمّا حديث الفصل فضعيف فيتعيّن المصير إلى الجمع بثلاث غَرفات كما ذكرنا، لحديث عبد اللّه بن زيد ". (شرح مسلم ج3/106) وقال ابنُ القيّم :" ولم يجئ الفصل بين المضمضة والاستنشاق في حديث صحيح البتّة ". (زاد المعاد ج1/185) وقال ابن حجر :" وهو صريح في الجمع كلّ مرّة ". (الفتح ج1/390) وقال محمّد المُباركفوريّ :" حديث عبد اللّه بن زيد هذا دليلٌ صحيحٌ صريحٌ لمن قال إنّ المستحبّ في المضمضة، والاستنشاق أن يجمع بينهما بثلاث غَرفات، بأن يتمضمض ويستنشق من غَرفة، ثمّ يتمضمض ويستنشق من غَرفة، ثمّ يتمضمض ويستنشق من غَرفة، وإليه ذهب طائفةٌ من أهل العلم، وإليه ذهب الشّافعيّ، كما هو المشهور عنه ". (التّحفة ج1/110) وقال ابن القيّم :" فيأخذ نصفَ الغَرفة لفمه، ونِصفَها لأنفه، ولا يمكن في الغرفة إلّا هذا ". (زاد المعاد ج1/185) وبه قال مالك في رواية ذكرها عنه عِيّاض، كما في شرح مسلم للأُبّي ج2/29، ورواية عن أحمد نصّ عليها، كما في الإنصاف للمَرداويّ ج1/117.
وأمّا الاستنثار فيستنثر باليد اليُسرى، لحديث عليّ :"... ونَثَر بيده اليُسرى فَعلَ هذا ثلاث مرّات...". رواه النّسائيّ برقم 89، وصحّحه الألبانيّ فيه، وقال النوويّ :" ويستنثر بيده اليُسرى، للحديث الصّحيح:" كانت يده اليٌسرى لخلائه وما كان من أذى..."، وروى البيهقيّ بإسناده الصّحيح عن عليّ ﵁ في صفة وُضوء رسول اللّه قال بعد غسل الكفّ: فأدخل يده اليُمنى في الإناء فملأ فمه فتمضمض واستنشق ونثر بيده اليُسرى يفعل ذلك ثلاثاً ". (المجموع ج1/397) وقال ابنُ قُدامة :" ويُستحبّ أن يُمضمض ويَستنشق بيُمناه، ثمّ يستنثر بيُسراه، لِما رُويَ عن عثمان ، أنّه توضّأ فدعا بماء فغسل يديه، ثمّ غرف بيمينه، ثمّ رفعها إلى فيه، فمضمض واستنشق بكفّ واحدة، واستنثر بيُسراه، فَعل ذلك ثلاثاً...". (المُغني ج1/169) وقال ابن القيّم :" وكان يستنشق بيده اليُمنى، ويستنثر باليُسرى ". (زاد المعاد ج1/186)
ويُستحبّ أن يُبالغ في المضمضة والاستنشاق، إلّا أن يكون صائماً، فيكره له ذلك، لحديث لَقيط بن صَبِرة ، أنّ النّبيّ قال:"... وبالغ في الاستنشاق إلاّ أن تكون صائماً ". رواه أبو داود برقم 142، والنّسائيّ برقم 87، وابن ماجه برقم 407، وصحّحه النوويّ في شرح مسلم ج3/105، والبغويّ، وابن القطّان، كما في ذخيرة العقبى ج2/285، والألبانيّ في أبي داود برقم 129، وابن باز في حاشيته على البلوغ ص 80. وفي لفظ آخر رواه الدُّولابيّ في حديث الثّوريّ من جَمعِه، من طريق ابن مَهدي، ذكره الحافظ في تلخيص الحبير ج1/265، وصحّحه ابن القطّان في الوَهم والإيهام برقم 2810:" وبالغ في المضمضة والاستنشاق إلاّ أن تكون صائماً ". فال ابنُ سَيّد النّاس :" قال أبو الحسن ابن القَطّان: وهذا صحيح ": (نيل الأوطار ج1/179) قال أحمد شاكر :" قال ابن القطّان: وهذا سند صحيح، ورجّحه على الرّواية الأخرى التي ليس فيها ذكر المضمضة ". (التّعليقات الرّضيّة ج1/150)
ومعنى "بالغ في الاستنشاق:" أي أتمّه بجذب الماء إلى الأنف، وبامتخاطه في كلّ مرّة. (ذخيرة العقبى ج2/285) وبهذا قال جمهور العلماء، وذهبت طائفةٌ إلى وجوب المُبالغة في المضمضة والاستنشاق عملاً بظاهر الحديث.
6- ثمّ يغسل وجهَه ثلاثاً، لقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصّلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ المائدة:6، ولحديث عثمان :"... ثمّ غَسل وجْهه ثلاثاً ". رواه البخاريّ برقم 159، و164، و1934، ومسلم برقم 226، وأبو داود برقم 106، ولحديث عبد اللّه بن عمرو :" ثمّ غسل وجهه ثلاثاً ". رواه أبو داود برقم 135، قال ابن حَجر في بلوغ المرام حديث رقم 33:" وصحّحه ابن خُزيمة "، وصحّحه الألبانيّ في أبي داود برقم 123. قال النوويّ:" غسل الوجه واجب في الوضوء بالكتاب، والسّنن المُتظاهرة، والإجماع ". (المجموع ج1/405).
وحدّ الفقهاءُ الوجه من مَنابت شعر الرّأس المُعتاد إلى ما نزل من اللّحية والذّقن طُولاً، ومن الأُذن إلى الأُذن عرضاً. (المجموع ج1/405، ومِنحة العلاّم ج1/146) واختلف الفقهاء منه في ثلاث مواضع: في غسل البياض الذي بين العِذار والأُذن، وفيما انسدل من اللّحية، وفي تخليل اللّحية. قال ابن رُشد :" فالمشهور من مذهب مالك أنّه ليس البياض الذي بين العِذار - هو جانب اللّحية - والأذن من الوجه، وقد قيل في المذهب بالفرق بين الأمرد والمُلتحي، فيكون في المذهب ثلاثة أقوال. وقال أبو حنيفة، والشّافعيّ: هو من الوجه، وأمّا ما انسدل من اللّحية، فذهب مالك إلى وُجوب إمرار الماء عليه، ولم يوجبه أبوحنيفة، ولا الشّافعيّ في أحد قوليه. وسبب اختلافهم في هاتين المسألتين هو خَفاءُ تَناوُل اسم الوجه لهذين المَوضعين، أعني: هل يتناولهما أو لا يتناولهما؟ ". (بداية المجتهد ج1/ 27-28)
7- ثمّ يُخلِّلُ لِحيته إذا كانت كثيفة استحباباً، فيأخذ كَفّاً من ماءٍ فيُدخله تحت حَنكه ويُخلِّل به لحيته، أو يأخذ كفّاً من ماء ويخلّلها بأصابعه كالمُشط، لحديث أنس أنّ رسول اللّه كان إذا توضّأ أخذ كفّاً من ماء فأدخله تحت حَنكه فخلّل به لحيته، وقال " هكذا أمرني ربّي ". رواه أبو داود برقم 145، وقال النوويّ:" إسناده حسن أو صحيح ". (المجموع ج1/410) وصحّحه الألبانيّ في صحيح الجامع برقم 4680، ولحديث عثمان :" أنّ النّبيّ كان يخلّل لحيته في الوضوء ". رواه الترمذيّ برقم 31، وقال حديث حسن صحيح، وصحّحه ابن خزيمة برقم 151، وابن حِبّان ج3/362، والحاكم ج1/149، وحسّنه ابن المُلّقن في البدر المُنير ج3/394. وبه قال الجمهور. قال ابنُ رُشد :" فمذهب مالك أنّه ليس واجباً، وبه قال أبو حنيفة، والشّافعيّ، في الوضوء:" (بداية المجتهد ج1/28)
قال ابن القيّم :" وكان يُخلّل لحيته أحياناً، ولم يكن يُواظب على ذلك ". (زاد المعاد ج1/190)
وذهب إلى وجوب تخليلها بعض العلماء كابن عبد الحكم من أصحاب مالك، والشّوكانيّ في السّيل الجرّار ج1/82، والألبانيّ كما في الموسوعة الفقهية ج1/133، ومحمّد عليّ الإثيوبيّ في البحر المحيط ج6/119. قال ابن رُشد :" سبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في صحّة الآثار التي ورد فيها الأمر بتخليل اللّحية، والأكثر على أنّها غير صحيحة، مع أنّ الآثار الصِّحاح التي ورد فيها وضوؤه ليس في شيءٍ منها التّخليل ". (بداية المجتهد ج1/28) وقال ابن المُنذر -عن حديث عثمان :" لو ثبت هذا لم يدلّ على وجوب تخليل اللّحية، بل يكون ندباً كسائر السُّنن في الوضوء ". (الأوسط ج1/386)
وأمّا اللّحية الخفيفة التي لا تستر البَشرة، فهذه يجب غسلها، وما تحتها من البَشرة، لأنّها في حكم الظّاهر، فيدخل في قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} المائدة: 6. والوجه ما تحصُل به المُواجهة، وما تحت اللّحية إذا كان بادياً تحصل به المُواجهة، فيدخل في حكم الوجه.
8- ثمّ يغسل يديه، يبدأ باليُمنى ثم اليُسرى إلى المرفقين ثلاثاً، لقوله تعالى: ﴿وأيديَكم إلى المرافق﴾ المائدة: 6، ولحديث عثمان :"... وغَسل يدَه اليُمنى إلى المرفق ثلاثاً ثم اليُسرى مِثل ذلك...". رواه البخاريّ برقم 159، ومسلم برقم 226، ولحديث نُعيم بن عبد اللّه بن المُجمِر قال:" رأيت أبا هريرة يتوضّأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثمّ غسل يده اليسرى حتّى أشرع في العَضُد... ثمّ قال: هكذا رأيت رسول اللّه يتوضّأ ". رواه البخاريّ برقم 136، ومسلم برقم 246، وأحمد برقم 362، وقال صدّيق خان:" وفي رواية الدّارقطنيّ من حديث عثمان :" أنّه غسل وجهه ويديه حتّى مسّ أطراف العَضُدَين ". قال الحافظ: وإسناده حسن ". (التّعليقات الرّضيّة ج1/154)
واختلف العلماءُ في إدخال المرفقين في الغَسل، فذهب الجمهورُ، أبو حنيفة، ومالك، والشّافعيّ، وأحمد في المشهور، إلى وجوب إدخال المرفقين، وهو الحقّ للأحاديث المتقدّمة.
وذهب بعض أهل الظّاهر، وبعض مُتأخريّ أصحاب مالك، والطّبريّ، إلى أنّه لا يجب إدخالهما في الغَسل.
قال النوويّ :" وجوب غَسل المرفقين مذهب العلماء كافّة، إلّا ما حكاه أصحابُنا عن زُفر، وأبي بكر بن داود أنّهما قالا: لا يجب غسل المرفقين والكعبين ". (المجموع ج1/419)
وقال ابن قُدامة :" وأكثرُ العلماء على أنّه يجب إدخالُ المرفقين في الغَسل، منهم عطاء، ومالك، والشّافعيّ، وإسحاق، وأصحاب الرّأي، وقال بعضُ أصحاب مالك، وابن داود: لا يجب، وحُكي ذلك عن زُفر...». (المغني ج1/172)
ويُخلّل أصابع اليدين، لحديث لَقيط بن صَبِرة قال: قال رسول اللّه :" أسبِغ الوضوء، وخلِّل بين الأصابع...". رواه أبو داود برقم 142، والتّرمذيّ برقم 38، والنّسائيّ برقم 87، و114، وابن ماجه برقم 448، وابن خُزيمة برقم 150، و168، وقد تقدّم، ولحديث ابن عبّاس أنّ رسولَ اللّه قال:" إذا توضّأت فخلِّل بين أصابع يديك ورِجليك ". رواه التّرمذيّ برقم 39، وحسّنه البخاريّ كما في عِلل التّرمذيّ ص 34، وتلخيص الحبير ج1/94، ونيل الأوطار ج1/195.
والتّخليل: تفريق شعر اللّحية، وأصابع اليدين، والرّجلين في الوضوء، وأصلُه من إدخال الشّيء في خَلل الشّيء، وهو وسطه. (تهذيب اللّسان ج1/364) والمُراد هنا: أدخل الماء بين الأصابع. قال ابنُ كَجّ:" وعلى هذا يكون تخليلهما بالتّشبيك بينهما ". (المجموع ج1/456) وقال الجَزولي :" وصفة تخليلها أن يدخل بعضَها في فُروج بعض من ظاهر لا من باطن، لأنّه أبلغ بخلاف أصابع الرّجلين إنّما يخلّلها من أسفلها، لأنّه أمكن ". (عُمدة الطّالبين ص 118) وقال عبد اللّه بن صالح الفَوزان:" وأمّا أصابع اليدين، فالأصلُ في تخليلها أن يضع بطنَ الكفّ اليُمنى على اليُسرى ويدخل الأصابع بعضها في بعض ". (مِنحة العلاّم ج1/176)
واختلف العلماء في حُكم تخليل الأصابع على قولين:
ذهب المالكيةُ في المشهور إلى أنّ تخليلَ أصابع اليدين واجب، بخلاف أصابع الرِّجلين فإنّ تخليلَها مندوب، لشدّة اتّصالها، فاعتُبرت كعضو واحد، فلا يلزم تخليلُها.
وذهب جمهورُ العلماء إلى أنّ تخليلَ أصابع اليدين والرِّجلين مَسنون، وحملوا أحاديث الباب على النّدب جمعاً بينها وبين سائر الرِّوايات التي حُكي فيها صفة وُضوئه ، فإنّها لم يذكر فيها التّخليل، وقد سِيقت لِبيان صفة الوضوء. واختاره محمود محمّد خطّاب السُّبكِيّ في المنهل العذب المورودج2/89-90.
ومحلّ هذا كلّه إذا وصل الماءُ إلى ما بين الأصابع بدون تخليل، وإلّا فيجب اتّفاقاً. واختار الشّوكانيُّ وجوب التّخليل مُطلقاً، ولا فرق بين إمكان وصول الماء بدون تخليل وعدمه، ولا بين أصابع اليدين والرّجلين، حيث اعتبر التّقييدَ بأصابع الرّجلين، أو بعدم وصول الماء لا دليل عليه. (نيل الأوطار ج1/196). وقال محمّد المُباركفوريّ :" الأمر كما قال الشّوكانيّ ". (التُّحفة ج1/134)، واختاره الألبانيّ كما في الموسوعة الفقهية الميسّرة ج1/133، ومحمّد عليّ الإتيوبيّ في ذخيرة العُقبى ج3/57، وهو رواية عن مالك رجَّحها اللَّخميُّ، وابنُ بَزِيزة، وابنُ عبد السّلام.
وهل يُحرّك الخاتم في غسل اليدين؟ خلافٌ بين العلماء. قال ابن المنذر :" اختلف أهل العلم في تحريك الخاتم في الوضوء، فمِمّن رُوي عنه أنّه حرّك خاتمه في الوضوء: عليّ بن أبي طالب، وعبد اللّه بن عمرو، ومحمّد بن سيرين، وعمرو بن دينار، وعُروة بن الزُّبير، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وهو قول ابن عُيَينة، وأبي ثور.
ورخّصت فيه طائفة، فمِمّن رخّص فيه: مالك، والأوزاعيّ، وقال خالد بن أبي بكر: رأيت سالم بن عبد اللّه يتوضّأ، وخاتمه في يده، فلا يحرّكه.
وفيه قول ثالث، وهو أن يُحيله بحركة إن كان ضيّقاً، ويدعه إن كان واسعاً سلِساً، هكذا قال عبد العزيز بن عبد اللّه بن أبي سلمة، وبه قال أحمد بن حنبل، وكذلك نقول ". (الأوسط ج1/388-389) والأقوال الثّلاثة في مذهب مالك. قال ابن جُزيّ :" وفي إجالة الخاتم -أي تحريكه- ثلاثة أقوال، يفرّق في الثّالثة فيُجال الضَيّق دون الواسع، وبه قال ابنُ حنبل ". (القوانين الفقهية ص 23) والقول بالتّفريق أقرب إلى الصّواب.
9- ثمّ يَمسح جميع رأسه مرّةً واحدة، لقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ المائدة: 6، ولحديث عبد خير :" فمَسح برأسه واحدة ". رواه أبو داود برقم 111، و115، والتّرمذيّ برقم 49، وقال: حديث حسن صحيح، والنّسائيّ برقم 92، و95، وصحّحه الألبانيّ في صحيح أبي داود برقم 102، وحديث الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ أنّ رسول الله توضّأ عندها فمسح الرّأس كلّه من قَرن الشّعر كلّ ناحية لمُنصبِّ الشّعر، لا يحرّك الشّعر عن هيئته ". رواه أحمد برقم 26484، وأبو داود برقم 128، والتّرمذيّ برقم 33، وحسّنه الألبانيّ في أبي داود برقم 118. معنى "قرن الشّعر": أي أعلى الشّعر. ومعنى "لِمُنصبّ الشّعر": أي المكان الذي ينحدر إليه وهو أسفل الرّأس. ومعنى "لا يحرّك الشّعر عن هيئته": أي التي هو عليها
ويبدأ بمُقدَّم رأسه الذي يلي الوجه ويذهب إلى القَفا، لحديث عبد اللّه بن زَيْد بن عاصِم في صفة الوضوء، قال:"... بدأ بمُقدّم رأسه حتى ذهب بهما إلى قَفاه ثم ردّهما إلى المكان الذي بدأ منه ". رواه البخاريّ برقم 192، ومسلم برقم 235، ولحديث المِقدام بنِ مَعْدِيكَرِب قال:" فلمّا بلغ مَسح رأسه وضع كفّيه على مُقدّم رأسه فأمرّهُما حتى بلغ القَفا، ثمّ ردّهما إلى المكان الذي بدأ منه ". رواه أبو داود برقم 122، وصحّحه الألبانيّ في صحيح أبي داود برقم 113، ولحديث الرُّبيّع بنت مُعوّذ :" فمسح رأسه ومسح منه ما أقبل وما أدبر وصُدغيه وأُذُنيه مرّة واحدة ". رواه التّرمذيّ برقم 34، وصحّحه الألبانيّ في صحيح التّرمذيّ برقم 31.
وبه قال مالك، وأحمد في المشهور، وهو المُوافق لفعل النّبيّ. قال ابن القيّم :" وكان يمسح رأسه كلّه ". (زاد المعاد ج1/186) وقال صدّيق خان:" وفي سِفر السّعادة: وكان يمسح جميع رأسه أحياناً، وأحياناً يمسح على العِمامة، وأحياناً يمسح على النّاصية والعِمامة، ولم يقتصر على مسح بعض الرّأس أبداً، وكان يمسح الآذان ظاهراً وباطناً، ولم يثبت في مسح الرّقبة حديث ". وقال محمّد بن عليّ الإتيوبيّ :" والحاصل أنّ الأرجح وُجوب استيعاب الرّأس بالمسح ". (البحر المحيط ج6/104)
وهل يكرّر مسح الرّأس؟ ذهب أكثر العلماء إلى أنّه يُسنّ مسحةٌ واحدة. قال ابن القيّم :" بل كان إذا غسل الأعضاء، أفرد مسح الرّأس، هكذا جاء عنه صريحاً، ولم يصحّ عنه خلافه البتّة ". (زاد المعاد ج1/186) وقال الشّوكانيّ:" والإنصاف أنّ أحاديث الثّلاث لم تبلغ درجة الاعتبار حتّى يلزم التمسُّك بها، لِما فيها من الزِّيادة، فالوُقوف على ما صحّ من الأحاديث الثّابتة في الصّحيحين وغيرهما من حديث عثمان، وعبداللّه بن زيد، وغيرهما هو المُتعيّن، لا سيّما بعد تقييده في تلك الرّوايات بالمرّة الواحدة ". (النّيل ج1/201) قال الحافظ :" قال أبو داود:" أحاديث عُثمان الصِّحاح كلّها تدلّ على أنّ مسح الرّأس مرّة واحدة. وكذا قال ابن المنذر: إنّ الثّابتَ عن النّبيّ في المسح مرّة واحدة، وبأنّ المسح مَبنيّ على التّخفيف فلا يُقاس على الغَسل المراد منه المُبالغة في الإسباغ، وبأنّ العدد لو اعتُبر في المسح لصار في صورة الغَسل، إذ حقيقة الغَسل جريان الماء ". (الفتح ج1/349) وقال محمّد عليّ الإتيوبيّ :" وأمّا الأحاديث الواردة في التّثليث فكلّها معلُولة...". (البحر المحيط ج6/106) وقال الحافظ ابن حَجر :" ويُحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح -إن صحّت- على إرادة الاستيعاب بالمسح، لا أنّها مسحات مُستقلّة لجميع الرّأس، جمعاً بين الأدلّة ". (الفتح ج1/399)
وقال الشّافعيّ : يُستحبّ التّثليث في المسح. قال النوويّ :" ومذهب الشّافعيّ وأصحابه استحباب الثّلاث، وهو مذهب داود، ورواية عن أحمد، وحكاه ابن المُنذر عن أنس بن مالك، وسعيد بن جُبير، وعطاء، وزادان، ومَيسرة... وقال أكثر العلماء: إنّما يُسنّ مسحة واحدة، هكذا رواه عن أكثر العلماء التّرمذيّ وآخرون ". (المجموع ج1/462) واختار الصّنعانيُّ في سُبل السّلام ج1/82، والألبانيُّ في تمام المِنّة ص 91، أن يمسَحه ثلاثاً أحياناً.
والمرأة كالرّجل في صِفة مسح الرّأس، لأنّ الأصل في الأحكام أنّ ما ثبت في حقّ الرّجال ثبت في حقّ النّساء إلّا بدليل يخصِّص. قال سعيد بن المُسيِّب :" المرأة بمنزلة الرَّجُل تمسح على رأسها ". رواه البخاريّ مُعلّقاً، ووصله ابنُ أبي شيبة. (الفتح ج1/387) ولحديث أبي عبد اللّه سالم سَبَلان، قال: فأرتني عائشة كيف كان رسول اللّه يتوضّأ، وفيه:"...ووضعت يدها في مُقدّم رأسها، ثمّ مسحت رأسها مسحة واحدة إلى مُؤخّره، ثمّ أمّرت يديها بأُذُنيها...". رواه النّسائيّ برقم 100، وصحّحه الألبانيّ في صحيح النّسائيّ برقم 97، وحسّنه محمّد عليّ الإتيوبيّ في ذَخيرة العُقبى ج2/357. وقال أبو داود :" سمعت أحمد سُئل، كيف تمسح المرأةُ رأسها في الوضوء؟ فقال: هكذا، ووضع يده على وسط رأسه ثمّ جرّها إلى مُقدّمه، ثمّ دفعها فوضعها حيث منه بدأ، ثمّ جرّها إلى مُؤخّره ". (مسائل الإمام أحمد لأبي داود ص7، والمُغني ج1/178)
وقال النوويّ :" والمرأة كالرّجل في صفة مسح الرّأس على ما سبق، نصّ عليه الشّافعيُّ في البُوَيطي، وذكره الأصحاب، ونقله البخاريُّ في صحيحه عن سعيد بن المُسيِّب...". (المجموع ج1/440) وقال ابن أبي زيد في الرِّسالة:" وتمسح المرأةُ كما ذكرنا -أي في صفة الرّجل- ". (مسالك الدّلالة ص 25)
10- ثمّ يَمسح أُذنيه بماء رأسه، يُدخل إصبعيه السَّبّاحتين في أُذُنيه ويَمسح بإبهامَيْه ظاهرهما، لحديث عبد الله بن عمرو في صِفة الوُضوء قال:" ثمّ مَسح برأسه وأدخل إصبَعَيه السّبّاحتين في أُذنيه ومَسح بإبهامَيْه ظاهر أُذُنيه ". رواه أبو داود برقم 135، وابن ماجه برقم 422، وصحّحه ابن خُزيمة كما قال ابن حَجر في البلوغ حديث رقم 33، وابن دقيق في شرح الإلمام ج4/5، والألبانيّ في صحيح أبي داود برقم 123، ولحديث ابن عبّاس :" ثمّ مسح برأسه وأذنيه، باطنهما بالسّبّاحتين وظاهرهما بإبهاميه ". رواه التّرمذيّ برقم 36، وقال: حديث حسن صحيح، والنّسائيّ برقم 102، واللّفظ له، وقال الألبانيّ : حسن صحيح، وفي لفظ:" ومسح برأسه وأذنيه مرّة ". رواه النّسائيّ برقم 101، ولحديث الصُّنابِحيّ:"...فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتّى تخرج من أُذنيه...". رواه النّسائيّ برقم 103، وقوّاه ابن عبد البرّ، وصحّحه الألبانيّ في ابن ماجه برقم 282، ومحمّد عليّ الإتيوبيّ في ذخيرة العُقبى ج2/375.
ومعنى "السّبّاحة، والمُسبِّحة والدَّعّاءة، والسَّبّابة": الإصبع التي تلي الإبهام، سُمّيت مُسبِّحة، لرفعها في التّسبيح، وبالسّبّابة للإشارة بها عند السّبّ إلى المسبوب. (شرح الإلمام ج4/27). والمراد بظاهر الأذنين: أعلاهما والجزء الظّاهر منهما.
قال ابن المُنذر :" رُوِّينا عن ابن عمر أنّه كان يدخل إصبعيه بعدما يمسح برأسه في الماء، ثمّ يدخلهما في الصِّماخ، وكان مالك، والشّافعيّ يَريان أن يأخذ المتوضِّئ ماءً جديداً، وكذلك قال أحمد.
قال ابن المُنذر :" وغير موجود في الأخبار الثّابتة التي فيها صفة وضوء رسول اللّه أخذه ماء جديداً، بل في حديث ابن عبّاس أنّه غرف غرفة، فمسح برأسه وأذنيه داخلهما بالسّبّابتين، وخالف بإبهاميه إلى ظاهر أُذنيه، فمسح ظاهرهما وباطنهما. وقد كان ابن عُمر يُشدِّد على نفسه في أشياء، من أمر وضوئه، من ذلك أخذه لأُذنيه ماءً جديداً، ونضحه الماء في عَينيه، وغَسل قدميه سبعاً سبعاً، وليس على النّاس ذلك ". (الأوسط ج1/404 – 405)
وقال ابنُ القيّم :" لم يثبت عنه أنّه أخذ لأُذنيه ماءً جديداً، وإنّما صحّ ذلك عن ابن عمر ". (زاد المعاد ج1/187) وقال محمّد المُباركفوريّ :" لم أَقِف على حديثٍ مَرفوع صحيح خالٍ من الكلام يدُلّ على مَسح الأُذنين بماءٍ جديد ". (تحفة الأَحوذيّ ج1/132)
وممّن قال بعدم تجديد الماء لمسح الأُذنين: الثّوريّ، وأبو حنيفة. قال المَرغينانيّ :" ومسح الأذنين، وهو سُنّة بماء الرّأس عندنا، خلافاً للشّافعيّ ، لقوله :" الأُذنان من الرّأس ". والمُراد بيان الحكم دون الخِلقة ". (الهداية ج1/13)
وقال القاضي عبد الوهّاب :" وتجديد الماء لهما أفضل، خلافاً لأبي حنيفة ". (الإشراف ج1/122)
والأوّل أصحّ، لعدم ثُبوت حديث عبد اللّه بن زيد:" أنّه رأى النّبيّ يأخذ لأُذنيه ماءً خلاف الماء الذي أخذه لرأسه ". أخرجه البيهقيّ ج1/39، وقال إسناده صحيح. قال الحافظ:" وهو عند مسلم برقم 236 من هذا الوجه بلفظ: ومسح برأسه بماء غير فضل يديه. وهو المحفوظ". (بلوغ المرام حديث رقم 39) وكذلك قال الشّوكانيّ في نيل الأوطار ج1/204.
11- ثمّ يغسل رجليه يبدأ باليُمنى ثلاثاً، ثمّ اليُسرى مثل ذلك إلى الكعبين، لقوله تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ المائدة: 6، ولحديث عثمان قال:"... ثمّ غسل رِجله اليُمنى إلى الكعبين ثلاث مرّات، ثمّ اليُسرى مثل ذلك ". رواه البخاريّ برقم 159، و164، و1934، ومسلم برقم 226، ولحديث عليّ ﵁:" ثمّ غسل رجله اليُمنى إلى الكعبين ثلاثاً، ثمّ اليُسرى كذلك". رواه النّسائيّ برقم 95، وصحّحه الألبانيّ في صحيح النّسائيّ برقم 93، وفي لفظ:" ثمّ غسل رجليه إلى الكعبين ". رواه أبو داود برقم 116، وصحّحه الألبانيّ في صحيح أبي داود برقم 107. قال ابن المُنذر :" قد أجمع عوامُّ أهل العلم على أنّ الذي يجب على من لا خُفّ عليه غَسلُ القدمين إلى الكعبين، وقد ثبتت الأخبار بذلك عن رسول الله ، وعن أصحابه... «. (الأوسط ج1/413) قال النوويّ :" فقد أجمع المسلمون على وجوب غسل الرّجلين، ولم يخالف في ذلك من يُعتدّ به، كذا ذكره الشّيخ أبو حامد وغيره". (المجموع ج1/447) وقال:" واتّفق الجماهير على وجوب غسل الكعبين، والمرفقين، وانفرد زُفر، وداود الظّاهريّ بقولهما: لا يجب". (شرح مسلم ج3/107) وقال ابن جُزيّ :" ويجب غسل المرفقين والكعبين على المشهور، وِفاقاً لهم ". (القوانين الفقهية ص 23) ويجب إدخال الكعبين في الغسل لقوله تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾ المائدة: 6، قال أهل التّفسير: مع الكعبين، والكعبان هما العظمان النّاتئان عند مفصل السّاق والقدم. (المجموع ج1/451) قال النوويّ :" واتّفق العلماء على أنّ المراد بالكعبين العظمان النّاتئان بين السّاق والقدم، وفي كلّ رجل كعبان ". (شرح مسلم ج3/107) وقال ابن حجر :" والمشهور أنّ الكعب هو العظم النّاشز عند مُلتقى السّاق والقدم...». (الفتح ج1/392)
ويستحبّ تثليثُ غسل الرّجلين، كسائر الأعضاء، قال ابن دقيق العيد :" وهذا يدلّ على استحباب التّكرار في غسل الرّجل ثلاثاً، وبعض الفُقهاء لا يرى هذا العدد في الرِّجل كما في غيرها من الأعضاء، وقد ورد في الرّوايات:" فغسل رجليه حتّى أنقاهما "، ولم يذكر عدداً، فاستُدلّ به لهذا المذهب، وأكِّد من جهة المعنى بأنّ الرّجل لِقُربها من الأرض في المشي عليها تكثر فيها الأوساخ والأدران، فيُحال الأمر فيه على مجرّد الإنقاء من غير اعتبار العدد، والرّوايةُ التي فيها ذكر العدد زائدة على الرِّواية التي لم يذكر فيها، فالأخذ بها مُتعيّن، والمعنى المذكور لا يُنافي اعتبار العدد، فليُعمل بما دلّ عليه لفظ الحديث ". (العُدّة مع إحكام الأحكام ج1/138- 139)، ورواية مسلم برقم 236:" وغسل رجليه حتّى أنقاهما "، لا تُنافي التّثليث، فالسُّنّةُ التَّثليث مع الإنقاء. (البحر المحيط ج6/230) والرِّوايتان في مذهب مالك، واختار القول بالتَّثليث ابنُ أبي زَيد في الرِّسالة، فقال:" يُوعِبها بذلك إلى الكعبين ثلاثاً ". (مسالك الدّلالة ص 26)
ويُخلّل أصابع رِجليه بِخِنْصره، لحديث المُسْتَوْرِد بِن شدّاد ، قال:" رأيت رسول اللّه إذا توضّأ خَلّل أصابع رِجليه بِخِنْصره ". رواه أبو داود برقم 148، والتّرمذيّ برقم 40، وصحّحه ابن القطّان، والألبانيّ في ابن ماجه برقم 447، ومحمّد عليّ الإتيوبيّ في ذخيرة العُقبى ج3/58، ولحديث ابن عبّاس :" إذا توضّأت فخلّل بين أصابع يديك ورجليك ". رواه التّرمذيّ برقم 39، وحسّنه البخاريّ، وصحّحه الألبانيّ في الصّحيحة برقم 1306، ولحديث عُثمان :" أنّه خلّل أصابع قدميه ثلاثاً، وقال رأيت رسول اللّه فَعل كما فعلت ". رواه الدّارقطنيّ في السّنن برقم 286، والبيهقيّ في السُّنن الكُبرى ج1/63، وقال النوويّ :" بإسناد جيّد ". (المجموع ج1/454) وصحّحه شُعيب الأرناؤوط في تخريج سُنن الدّارقطنيّ.
واختلف العلماء في كيفية التّخليل على أقوال، كلّها روايات في مذهب الشّافعيّ. قال النوويّ :" وحَصل من مجموع هذا أنّ التّخليل من أسفل بالرِّجل ويبدأ من خِنصر اليمين، وفي الإصبع التي يخلِّل بها أوجه: الأشهر أنّها خِنصر اليُسرى، والثّاني: خِنصر اليُمنى، قاله القاضي أبو الطيّب، والثّالث: قول أبي الطّاهر أن يخلّل ما بين كُلّ إصبعين من أصابع رِجليه بإصبع يده، والرّابع: أنّه لا يتعيّن في استحباب ذلك يد، وهو الرّاجح المختار ". (المجموع ج1/455) قال محمّد عليّ الإتيوبيّ :" ما رجّحه الإمامُ النوويُّ هو الذي لا يترجّح غيره عندي، لعدم نَصٍّ قاطع بتَعيين اليمين، أو اليسار، بل هو أمرٌ مُوسَّعٌ فيه كما قال إمام الحرمين. وأمّا ما أخرجه أبو داود في سُننه برقم 148 بإسناد صحيح عن المُستورد بن شدّاد قال: رأيت النّبيّ إذا توضّأ يَدلك أصابع رِجليه بخِنصره، فإنّه وإن عَيّن الخِنصر لكنّه لم يُبيّن هل هي من اليُمنى، أو اليُسرى، فَتنبَّه". (ذخيرة العقبى ج3/57-58)
12- ويدلُك أعضاءه: والدّلك: هو إمرار اليّد على العضو المغسول مع الماء، فيُشرع دَلكُ الأعضاء في الوضوء. وهل هو واجب أو مُستحبّ؟ قولان للعلماء:
أحدهما: أنّه واجب، وبه قال المالكيةُ في المشهور، والمُزنيّ. قال القاضي عبد الوهّاب:" ولا يجزئ مجرّدُ الاغتماس أو صبّ الماء على البدن دون إمرار اليّد في الوضوء والغُسل، خلافاً لأبي حنيفة، والشّافعيّ ". (الإشراف ج1/125)
الثّاني: أنّه سُنّة، وبه قال الجمهور، الحنفية، والشّافعية، والحنابلة، وهو رواية عند المالكية.
قال النوويّ :" واتّفق الجمهور على أنّه يكفي في غَسل الأعضاء في الوضوء والغُسل جَريانُ الماء على الأعضاء، ولا يُشترط الدّلك، وانفرد مالك، والمُزنيّ باشتراطه ". (شرح مسلم ج3/107)
وقالوا: إنّ الغَسل لا يُشترط فيه إمرار اليّد، كما قال جماعةٌ من أهل اللُّغة، لأنّه إسالةُ الماء على العضو، وليس من مُسمَّى الغَسل الدَّلك، ولأنّ الدّلك أمرٌ زائدٌ على ظاهر القرآن، وما ورد في السُّنّة فهو مجرّد فِعل لا ينهض على الوجوب، بل هو مستحبّ.
وقال بعضُ العلماء: هو واجب إن كان إتمام الوضوء يتوقّف عليه، لكون الماء الذي يتوضّأ به قليلاً، وإلاّ فهو سُنّة، كما في حديث عبد اللّه بن زيد أنّ النّبيّ أُتي بثُلُثَي مُدٍّ، فجعل يَدلُك ذِراعيه. رواه أحمد برقم 15846، وابن خُزيمة برقم 118، وصحّحه، وابن حِبّان برقم 1083، وصحّحه، وصحّحه الألبانيّ، كما في الموسوعة الفقهية ج1/101، وهو في أبي داود برقم 94، والنّسائيّ برقم 74، من حديث أُمّ عُمارة ، وصحّحه أبو زُرعة، وحسّنه النوويّ، وصحّحه الألبانيّ في صحيح أبي داود برقم 84. وهو قولٌ عند المالكية، اختاره ابنُ تيمية، والعُثيمين، حيث قال :" أمّا إذا كان الماء قليلاً، لا يُمكن أن يجري على الأعضاء إلاّ بذلك، فالدّلكُ واجبٌ، وهذا القولُ وَسطٌ بين القَولين...". (فتح ذي الجلال والإكرام ج1/294)
والمُدّ: هو مِلءُ كفِّ الإنسان المُعتدل إذا ملأهما ومَدّ يده بهما، وهو رُبع الصّاع، وهو رِطل وثُلث. وهو حوالي 550 إلى 600 غراماً بحسب المكيل.
13- ويُرتّب الوضوء: على ما ورد في القرآن، والأحاديث في وصف وضوء النّبيّ وهل هو على سبيل الوجوب أو الاستحباب؟ قولان للعلماء:
الأوّل: الوجوب، وبه قال الشّافعيّ، وأحمد، وإسحاق، أبو عُبَيد، وهو رواية عند المالكية.
الثّاني: الاستحباب، وبه قال أبو حنيفة، ومالك في المشهور، والأوزاعيّ، وداود الظّاهريّ، ورواية عن أحمد، والمُزنيّ، واختاره ابن المنذر، والبَندنيجيّ من الشّافعية.
قال النوويّ :" إنّ مذهبنا أنّه واجب، وحكاه أصحابُنا عن عثمان بن عفّان، وابن عبّاس، ورواية عن عليّ بن أبي طالب ، وبه قال قَتادة، وأبو ثَور، وأبو عُبيد، وإسحاق بن راهويه، وهو المشهور عن أحمد، وقالت طائفة: لا يجب حكاه البَغَوِيُّ عن أكثر العلماء، وحكاه ابن المنذر عن عليّ، وابن مسعود، وبه قال سعيد بن المُسيِّب، والحسن، وعطاء، ومكحول، والنّخعيّ، والزُهريّ، وربيعة، والأوزاعيّ، وأبو حنيفة، ومالك، وأصحابهما، والمُزنيّ، وداود، واختاره ابنُ المنذر، وقال صاحب البَيان: واختاره أبو نصر البَندَنيجيّ من أصحابنا ".(المجموع ج1/471)
والقول الرّاجح وجوب التّرتيب، لحديث جابر قال: قال النّبيّ:" نبدأ بما بدأ اللّهُ به ". رواه أبو داود برقم 1905، والتّرمذيّ برقم 862، والنّسائيّ برقم 2964، وابن ماجه برقم 3074، وفي روايةٍ للنَّسائيّ برقم 2965: " ابدأوا بما بدأ اللّهُ به". ولأنّ جميع الواصفين لوضوء النّبيّ لم يذكروه إلاّ مُرتّباً، وفِعلُه بيان للوضوء المأمور به، ولو جاز تَركُ التّرتيب لَتركه في بعض الأحوال، لِبيان الجواز، كما ترَك التّكرار في أوقات. قال إمامُ الحَرمين:" لم يُنقَل قَطّ أنّه نكّس وُضوءه فاطّرد الكتابُ والسُّنّةُ على وجوب التّرتيب ". (الإعلام بفوائد عمدة الأحكام ج1/332)
قال الشّوكانيّ :" نعم حديث جابر عند النّسائيّ في صفة حجّ النّبيّ :" ابدأوا بما بدأ اللّهُ به "، بلفظِ الأمر، وهو عند مسلم بلفظ الخبر، يَصلُح للاحتجاج به على وجوب التّرتيب، لأنّه عامٌّ لا يقصر على سَببه عند الجمهور، كما تقرّر في الأُصول، وآية الوضوء مُندرجة تحت العُموم". (النّيل ج1/183)
تنبيه: قال ابن رُشد :" وهذا كلّه في ترتيب المفروض مع المفروض، وأمّا ترتيب الأفعال المفروضة مع الأفعال المسنونة فهو عند مالك مُستحبّ، وقال أبو حنيفة: هو سنّة ". (بداية المجتهد ج1/36)
14- ويُوالي بين غَسل الأعضاء، ولا يُفرِّق، والمُوالاة: معناها التّتابُع، ومُوالاةُ الوضوء تتابُعه، وهي أن يكون الشّيءُ مُوالياً للشّيء بدون تأخير، فلا يؤخّر غَسل عضو من أعضاء الوضوء حتّى ينشف الذي قبله، بشرط أن يكون ذلك في زمن مُعتدل.
وقد اختلف العلماءُ في حُكمها على ثلاثة أقوال:
الأوّل: أنّ المُوالاةَ واجبة مُطلقاً، وبه قال أحمد، والحنابلة، والأوزاعيّ، وهو قول الشّافعيّ القَديم.
الثّاني: عدمُ الوجوب مُطلقاً، وبه قال أبو حنيفة، والشّافعيّ في الجديد، وهو رِواية عن أحمد.
الثّالث: أنّها واجبة مع الذِّكر والقُدرة، ساقطة مع العَجز والنِّسيان، وبه قال المالكية في المشهور. قال خليل في مختصره :" وهل المُوالاةُ واجبةٌ إن ذَكر وقَدر، وبَنى بنِيّة إن نَسِي مُطلقاً، وإن عَجز مالم يَطُل بِجَفاف أعضاء ٍ بزَمن اعتدلا، أو سُنّةٌ خِلاف ". (التّسهيل لمعاني مختصر خليل ج1/156) قال ابن جُزيّ :" وأمّا الفَورُ فواجبٌ مع الذِّكر والقُدرة في المشهور، وعلى ذلك لو فرّق ناسياً أو عاجزاً بَنى، أو عامِداً ابتدأ، وقيل هو سُنّة ". (القوانين الفقهية ص 23)
قال ابن تَيمية :" وهذا القولُ الثّالث، هو الأظهرُ والأشبهُ بأُصول الشّريعة، وبأُصول مذهب أحمد وغيره، وذلك أنّ أدلّة الوجوب لا تتناول إلاّ المُفرِّط، لا تتناول العاجِز عن المُوالاة...». (مجموع الفتاوى ج21/135)
هذا كلّه في التّفريق الكثير، وهو بقَدر ما يجفّ العُضوُ في زمان مُعتدل، وأمّا التّفريقُ اليسير فلا يضرّ. قال النوويّ :" فالتّفريقُ اليسيرُ بين أعضاء الوضوء لا يضرّ بإجماع المسلمين، نقلَ الإجماعَ فيه الشّيخُ أبو حامد، والمَحامليّ، وغيرُهما ". (المجموع ج1/478)
15- ويبدأ بغسل اليمين من اليدين والرِّجلين، لحديث أبي هريرة أنّ النّبيّ قال:" إذا لبستم، وإذا توضّأتم فابدءوا بأيامنكم ". رواه أبو داود برقم 4141، وابن ماجه برقم 402، أحمد برقم 8637، وصحّحه ابن خزيمة برقم 178، وابن حِبّان برقم 1090، وصحّحه ابن المُلقِّن في البدر المُنير ج3/418، والألبانيّ في صحيح ابن ماجه برقم 328، والصّحيح الجامع برقم 787، ولحديث عائشة قالت:" إن كان رسول اللّه ليُحِبّ التيمُّن في طُهوره إذا تطهّر، وترجُّله إذا ترجّل، وفي انتعاله إذا انتعل ". رواه البخاريّ برقم 166، و416، و5060، و5516، و5582، ومسلم برقم 268، وأبو داود برقم 4140، والتّرمذيّ برقم 608، والنّسائيّ برقم 112، وابن ماجه برقم 401.
والتَّرجّلُ: تسريح الشّعر وتمشيطه. (شرح الإلمام ج4/342)
وهو سُنّة باتّفاق العلماء. قال النوويّ :" أجمع العلماء على أنّ تقديم اليمين على اليسار من اليدين والرّجلين في الوضوء سنّة، لو خالفها فاته الفَضل، وصحّ وضوؤه ". (شرح مسلم ج3/160) وقال ابن المنذر :" ثابت عن رسول اللّه أنّه كان يُعجبه التَّيمُّن ما استطاع في ترجّله، ونَعله، ووضوئه، ورُوِّينا عنه أنّه قال: إذا توضّأتم، فابدءوا بميامنكم. قال: وقد ثبتت الأخبارُ عن رسول اللّه أنّه بدأ فغسل يده اليُمنى، ثمّ اليُسرى، في الوضوء، وكذلك يفعل المُتوضّىءُ إذا أراد اتّباع السُّنّة. قال: وممّن مذهبه أنّ المتوضّىءَ يبدأ بيمينه قبل يساره: مالك، وأهلُ المدينة، وسُفيان الثّوريّ، وأهلُ العراق، والأوزاعيّ، والشّافعيّ، وأصحابُه، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو عُبيد، وأبو ثور، وأصحابُ الرّأي. قال: وأجمعوا على أن لا إعادة على من بدأ بيساره قبل يمينه، وقد ورُوِّينا عن عليّ بن أبي طالب، وابن مسعود أنّهما قالا: لا تُبالي يأيّ يديك بدأت ". (الأوسط ج1/386-387)
وقال ابن قُدامة :" ولا يجب التّرتيبُ بين اليُمنى واليُسرى، ولا نعلم فيه خِلافاً...". (المغني ج1/190) وكذلك نقله عن بعض الشّارحين ابنُ دقيق العيد في شرح الإلمام ج4/345.
تنبيه: قال النوويّ :" ثمّ اعلم أنّ من أعضاء الوضوء ما لا يُستحبّ فيه التّيامن، وهو الأُذُنان، والكفّان، والخَدّان، بل يُطهّران دَفعة واحدة، فإن تعذّر ذلك كما في حقّ الأقطع ونحوه، قدّم اليمين ". (شرح مسلم ج3/160-161)
16- وقد أجمع العلماءُ على أنّ الواجب في غسل الأعضاء مرّة مرّة، وعلى أنّ الثّلاثَ سُنّة. وجاءت الأحاديثُ الصّحيحة بالغَسل مرّة مرّة، وثلاثاً ثلاثاً، وبعض الأعضاء ثلاثاً، وبعضها مرّتين، وبعضها مرّة. قال النوويّ :" قد أجمع المسلمون على أنّ الواجب في غسل الأعضاء مرّةً مرّةً، وعلى أنّ الثّلاثَ سُنّة، وقد جاءت الأحاديثُ الصّحيحة بالغَسل مرّةً مرّةً، وثلاثاً ثلاثاً، وبعض الأعضاء ثلاثاً، وبعضها مرّتين، وبعضها مرّةً.
قال العلماء: فاختلافها دليل على جواز ذلك كلّه، وأنّ الثّلاثَ هي الكمال، والواحدة تُجزىء، فعلى هذا يُحمل اختلافُ الأحاديث. وأمّا اختلافُ الرُّواة فيه عن الصّحابيّ الواحد في القصّة الواحدة، فذلك مَحمولٌ على أنّ بعضهم حَفِظَ، وبعضهم نسِي، فيؤخذ بما زاد الثِّقةُ الضّابط ". (شرح مسلم ج3/106)
17- ثُمَّ يَدعُو بعد الوضوء فيقول:" أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحدَه لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبدُه ورسولُه"، لحديث عُمر بن الخطاب قال: قال ر سول اللّه :" ما منكم من أحد يتوضّأ فيُبلِغ الوضوء - أو- فيُسبغ الوضوء، ثمّ يقول: أشهد أن لا إله إلّااللّه، وأشهد أنّ محمّدا عبد اللّه ورسوله. زاد التّرمذيّ:" اللّهمّ اجعلني من التّوّابين، واجعلني من المتطهِّرين، فُتحت له ثمانيةُ أبواب الجنّة، يدخلُ من أيِّها شاء ". رواه مسلم برقم 234، والزِّيادة رواها التّرمذيّ برقم 55، وصحّحها الألبانيّ في صحيح التّرمذيّ برقم 48، وفي صحيح ابن ماجه برقم 470، أو يقول:" سُبحانك اللّهمّ وبحمدك أشهد أن لاإلٰه إلّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك "، لحديث أبي سعيد الخُدري الذي رواه النّسائي في عمل اليوم واللّيلة ص 173، وصحّح وقفه، وكذلك صحّح وقفه الدّارقطنيّ، ومحمّد عليّ الإتيوبيّ في البحر المحيط ج6/199 غير أنّه قال: " إلّا أنّه في مثل هذا له حُكم الرّفع، لأنّ مقادير الثّواب لا تُعرف إلّا بالتّوقيف من النّبيّ ، فالظّاهرُ أنّ الصّحابيّ سمِعه منه ". (البحر المحيط ج6/200) والحديث صحّحه الألبانيُّ مرفوعاً في الصّحيحة برقم 2333، وصحيح الجامع برقم 6170
قال ابن القيّم :" كلُّ حديث في أذكار الوضوء الذي يُقال عليه، فكذِبٌ مُختلَق، لم يقُل رسول اللّه شيئاً منه، ولا علَّمه لأمّته، ولا ثبت عنه غير التّسمية في أوّله، وقوله: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، اللّهمّ اجعلني من التّوّابين، واجعلني من المُتطهّرين في آخره، وفي حديث آخر عند النّسائيّ في "عمل اليوم واللّيلة"، ممّا يُقال بعد الوضوء أيضاً: سُبحانك اللّهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلّا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك ". (زاد المعاد ج1/188-190)
18- كيف يُسمِّي إذا توضّأَ داخل الحمّام: ذهب بعض أهل العلم الى أنه يسمّي بقَلبه من غير أن يتلّفظَ بلسانه. قال العُثيمين :" وإذا كان في الحمّام فقد قال أحمد: إذا عَطس الرّجلُ حمد اللّه بقلبه، فيخرج من هذه الرِّواية أنّه يُسمِّي بقلبه ". (الشّرح المُمتع ج1/130)
و قال آخرون له أن يسمّي لفظاً، لأنّ التّسميةَ واجبة. قال ابنُ باز :" الذِّكرُ بالقلب مشروع في كلّ زمان ومكان في الحمّام وغيره، وإنّما المكروهُ في الحمّام ونحوه، ذِكرُ اللّه باللّسان تعظيماً للّه سبحانه، إلّا التّسمية عند الوضوء فإنّه يأتي بها إذا لم يتيسّر الوضوءُ خارج الحمّام، لأنّها واجبة عند بعض أهل العلم، وسُنّة مؤكّدة عند الجمهور".(مجموع فتاوى ومقالات ج10/32) وجاء في فتاوى اللّجنة الدّائمة ج5/94:" يُكرهُ أن يذكر اللّهَ تعالى نُطقاً داخل الحمّام الذي تُقضى فيه الحاجة تنزيهاً لاسمه، واحتراماً له، لكن تُشرع له التّسميةُ عند بدء الوضوء، لأنّها واجبة مع الذّكر عند جَمع من أهل العلم ".
19- أمّا الدُّعاء بعد الوضوء، إذا توضّأ داخل الحمّام، فأمرُه واسع، لأنّه بإمكانه أن يخرج ويتشهّد خارج الحمّام. قال ابنُ باز :" وأمّا التّشهُّدُ فيكون بعد الخروج من الحمّام -وهو محلّ قضاء الحاجة- فإذا فرغ من وضوئه يخرج، ويتشهّد في الخارج. أمّا إذا كان الحمّام لمجرّد الوضوء ليس للغائط والبول، فهذا لا بأس أن يأتي بها فيه، لأنّه ليس مَ
حلاًّ لقضاء الحاجة ". (مجموع فتاوى ومقالات ج10/28)
ثامناً: نواقض الوضوء
معنى النّواقض لُغةً واصطلاحاً:
النَّواقض لغةً: جمع ناقض، لأنّ ناقض اسم فاعل لغير العاقل، وجمع اسم الفاعل لغير العاقل على فواعل. والنَّاقض للشّيء: هو المُفسدُ له، قال ابنُ المَنظور :" النَّقضُ: إفسادُ ما أَبرَمتَ من عَقد أو بِناء. والنِّقضُ: اسم البِناء المنقُوض، إذا هُدِم ". (تهذيب لسان العرب ج2/642) وقال الفَيوميّ :" واقتصر الأزهريُّ على الضَّمّ، قال: النُّقضُ: اسم البِناء المنقوض إذا هُدِم. وبعضُهم يقتصر على الكسر، ويمنع الضَّمّ ". (المصباح المُنير ص 326) وقال البُهوتيّ :" يُقال: نقضت الشَّيء إذا أفسدته. والنّضقضُ حقيقة في البناء، واستعماله في المعاني مَجاز، كنقض الوضوء، ونقض العِلَّة، وعلاقتُه الإبطال ". (كشّاف القناع ج1/112) وقال عبدُ الله البَسّام :" النّواقض: جمع ناقض، والنَّقضُ في الأجسام إبطالُ تركيبها، وفي المَعاني إخراجها عن إفادة ما هو المطلوب منها ". (توضيح الأحكام
ج1/223) وقال عبدُ الله بن صالح الفَوزان:" واستعمالُه في الوضوء من باب المجاز، حيث إنّ حقيقته في البِناء، واستُعمِل في المعاني، لعلاقة الإبطال ". (مِنحة العلّام ج1/279)
واصطلاحاً: مُفسدات الوضوء التي إذا طرأت عليه أفسدته. قال أحمد الصّاوي:" ناقضُ الوضوء: أي مُبطل حُكمه ممّا كان يُباح به من صلاة أو غيرها، ولذلك قال شيخُنا في حاشية مجموعه: أي ينتهي حكمُه، لا أنّه بطل من أصله، وإلّا لوجب قضاءُ العبادة التي أُدِّيت به ". (الشّرح الصّغير مع حاشية الصّاوي ج1/209) وقال زكريا الأنصاريّ :" نواقضُ الوضوء: يعني ما يَنتهي به الوضوء ". (أسنى المطالب ص 93)
والنّواقض قسمان:
أحدهما: أحداث تنقض الوُضوء بنفسها، والثّاني: أسباب وهي ما كان مَظِنَّة لخُرُوج الحَدَث كالنَّوْم والمسّ ونحوه.
1- خروج البَول والغائط من المخرج المُعتاد:
معنى الغائط، والبول: قال الفَيوميّ :" الغائط: في الأصل المُطمئنُّ الواسع من الأرض، والجمع غيطان، وأَغواط وغُوط، ثمّ أُطلِق الغائط على الخارج المُستقذَر من الإنسان كراهةً لتسميته باسمه الخاصّ، لأنّهم كانوا يَقضُون حَوائجهم في المواضع المُطمئنّة، فهو من مجاز المُجاوَرة، ثمّ توسّعوا فيه حتّى اشتَقُّوا منه، وقالوا: تغوَّط الإنسان، وقال ابنُ القُوطِيَّة: غاط في الماء غَوطاً: دخل فيه، ومنه الغائط ". (المصباح المُنير ص 242)
وقال :" البَولُ فهو في الأصل مصدر، يُقال: بال الإنسانُ، والدَّابّة، يَبول بَولاً ومَبالاً، فهو بائِل
، ثمّ استُعمِل البَولُ في العين-أي في الماء الخارج من القُبُل- وجُمع على أبوال ". (المصباح المُنير ص 41)
فأمّا الغائط: فقد ثبت بالكتاب، والسُّنّة، والإجماع أنّه ناقض من نواقض الوضوء.
أمّا الكتاب: فقوله تعالى: ﴿أو جاء أحدٌ منكم من الغائط﴾ المائدة: 6
وأمّا السُّنّة: فحديث صَفْوَان بنِ عَسَّال :" كان يأمُرنا إذا كُنّا سَفْراً أو مُسافرين ألّا ننزع خِفافَنا ثلاثة أيّام ولياليهنّ إلّا من جَنابة، لكن من غائطٍ وبَوْلٍ ونومٍ ". رواه التّرمذيّ برقم 96، وقال حديث حسن صحيح، والنَّسائيّ برقم 158و159، وابن ماجه برقم 478، وأحمد برقم 18116، وحسّنه البخاريّ كما رواه عنه التِّرمذيّ، وذكره الحافظ في تلخيص الحبير ج1/414، والألبانيّ.
وأمّا الإجماع: فقد نقله غيرُ واحد من العُلماء. قال ابنُ المُنذر :" أجمع أهلُ العلم على أنّ خُروج الغائط من الدُّبُر حَدَثٌ يَنقُض الوضوء ". (الأوسط ج1/113)
قال ابن حزم :" أمّا البولُ، والغائطُ فإجماعٌ مُتيقّن ". (المُحلّى ج1/218)
وقال النوويّ :" أمّا الغائط فبِنصّ الكتاب، والسُّنّة، والإجماع ". (المجموع ج1/5)
وقال ابنُ قُدامة :" وجملةُ ذلك أنّ الخارج من السَّبيلين على ضربين: مُعتاد، كالبول، والغائط، والمنيّ، والمَذي، والوَدي، والرِّيح، فهذا يَنقُض الوضوء إجماعاً ". (المغني ج1/230)
وقال ابنُ رُشد :" واتَّفقوا في هذا الباب على انتِقاض الوضوء من البول، والغائط، والرّيح، والمذي، والوَدي لصحّة الآثار في ذلك إذا كان خُروجُها على وَجه الصّحّة ". (بداية المُجتهد ج1/68)
قال المَرغيناني الحنفيّ :" المعاني النّاقضة للوضوء كلُّ ما يخرج من السَّبيلين، لقوله تعالى: ﴿أو جاء أحدٌ منكم من الغائط﴾ المائدة: 6، وقيل لرسول الله : ما الحَدث؟ قال:" ما يخرج من السَّبيلين "، وكلمة ما عامّةٌ فتتناول المُعتاد وغيرَه ". (الهداية ج1/14)
قال بدر الدّين العَيني الحنفيّ :" ولكن هذا الحديث بهذه العبارة لا يُعرف له أصل ". (البِناية ج1/257) وقال :" الحاصل أنّه أجمع العلماءُ على أنّ الخارج من أحد السَّبيلين كالغائط، والرِّيح من الدُّبُر، والبول، والمذي من القُبُل ناقض للوضوء ". (البناية ج1/ 257)
وقال أحمد الدّردير المالكيّ :" ناقضُ الوضوء: إمّا حدثٌ، وهو الخارجُ المُعتادُ من المَخرَج في الصِّحّة، من ريحٍ، وغائطٍ، وبولٍ، ومَذيٍ، وَوديٍ، ومَنيٍّ بغير لذَّة مُعتادة، وهادٍ-ماء أبيض يخرج من الحامل عادةً قُرب الوِلادة، أو عند حَمل شَيءٍ ثقيل، أو عند شَمِّ رائحة- ". (الشّرح الصّغير ج1/209-210)
وقال النوويّ :" أمّا الغائط فبِنصّ الكتاب، والسُّنّة، والإجماع ". (المجموع ج1/5)
وقال منصور البهوتيّ :" أحدُها: الخارج من سَبيل، وأشار إليه بقوله: يّنقُض الوضوء ما خرج من سَبيلٍ، أي: مَخرَجِ بولٍ أو غائطٍ، ولو نادِراً أو طاهراً كولدٍ بلا دَم...". (الرَّوض المُربع ج1/113)
وأمّا البَول: فبِنصِّ السُّنّة، والإجماع، والقِياس على الغائط. أمّا السُّنّة: فبحديث صَفوان بن عسّال المُتقدّم، وحديث المُهاجر بن قُنفد : أنّه أتى النّبيّ وهو يبول، فسلّم عليه، فلم يَرُد عليه حتّى توضّأ، ثمّ اعتذر إليه، فقال:" إنّي كرهت أن أذكرَ اللهَ إلّا على طُهر ". رواه أبو داود برقم 17، والنّسائيّ برقم 38، والحاكم برقم 592، وصحّحه الألبانيّ في صحيح أبي داود برقم 13.
وأمّأ الإجماع فقد نقله ابنُ حزم، وابنُ المنذر، والنوويُّ، وابنُ قُدامة.، وابن رُشد، وقد تقدّم. قال ابنُ قُدامة :" قال ابن المُنذر : أجمع أهلُ العلم على أنّ خُروج الغائط من الدُّبُر، وخُروجَ البَول من ذَكر الرَّجُل وقُبُلِ المرأة، وخُروج المَذي، وخُروج الرِّيح من الدُّبُر، أحداثٌ يَنقُضُ كلُّ واحدٍ منها الطّهارة، ويُوجب الوضوء، ودمُ الاستحاضة يَنقُضُ الطّهارة في قَول عامّة أهل العِلم إلّا في قول ربيعة ". (المُحلّى ج1/218، والمجموع ج1/6، والمغني ج1/230، وبداية المُجتهد ج1/68)
2- خروج الرّيح:
لحديث أبي هُريرة: :" لا يقبل اللّهُ صلاة أحدكم إذا أحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضّأ ". رواه البخاريّ برقم 135، ومُسلم برقم 225. ولحديث عبد الله بن زيد - قال: شُكِي إلى النّبيّ الرَّجلُ يُخيَّل إليه، أنّه يجد الشَّيءَ في الصّلاة، قال:" لا ينصرِفُ حتّى يسمعَ صَوتاً، أو يَجِدَ ريحاً ". رواه البخاريّ برقم 137، و177، ومسلم برقم 361. ولحديث أبي هُريرة :" لا وضوء إلّا من صوت أو ريح ". رواه التّرمذيّ برقم 74، وابن ماجه برقم 515، وأحمد برقم 10093، وصحّحه الألبانيُّ في صحيح التّرمذيّ برقم64.
ولإجماع العلماء المُتقدّم. قال ابن المُنذر :" وأجمع أهلُ العلم على أنّ خُروج الرّيح من الدُّبُر حَدثٌ يَنقُض الوضوء ". (الأوسط ج1/137):" هذا في الرّيح الخارج من الدُّبُر، وأمّا الرِّيحُ الخارج من قُبُل الرّجل أو المرأة، فقد اختلف فيه العلماءُ على قولين:
أحدهما: يَنقض الوضوء، وهو مذهب الشّافعية، ومذهب الحنابلة، وأبي ثور.
قال النوويّ :" فالخارجُ من قُبُل الرَّجل، أو المرأة، أو دُبرهما يَنقض الوضوء، سواء كان غائطاً، أو رِيحاً، أو دُوداً، أو قَيحاً، أو دَماً، أو حَصاة، أو غير ذلك، ولا فرق في ذلك بين النَّادر والمُعتاد، ولا فرق في خُروج الرّيح بين قُبل المرأة والرّجُل ودُبُرهما. نصَّ عليه الشّافعيّ في الأمّ، واتّفق عليه الأصحاب ". (المجموع ج1/4)
وقال ابنُ قُدامة :" وقد نَقل صالحٌ، عن أبيه، في المرأة يَخرجُ من فَرجها الرّيح، ما خرج من السَّبيلين ففيه الوضوء. وقال القاضي: خُروجُ الرِّيح من الذَّكر وقُبُل المرأة يَنقُضُ الوضوء ". (المُغني ج1/230) وقال المرداويّ ، -على قول ابن قدامة: الخارج من السّبيلين قليلاً كان أو كثيراً، نادراً أو مُعتاداً-:" هذا المذهب مُطلَقاً ". (الإنصاف ج1/145)
واحتجّوا:
بعُموم الأدلّة، وقالوا: هي شامِلة لكُلِّ خارجٍ من قُبُل أو دُبُر.
وأنّه خارجٌ من أَحدِ السَّبيلين، فَنَقَض، قِياساً على سائر الخوارج.
الثّاني: خروجُ الرِّيح من قُبُل الرّجل أو المرأة لا يَنقُض الوضوء، وهو مذهب الحنفية في الأصحّ، ومذهب المالكية، ورِواية عند الحنابلة. قال الشُّرُنبُلاليّ :" يَنقُض الوضوء اثنا عشرَ شَيئاً: ما خَرج من السَّبيلين، إلّا ريح القُبُل، في الأصحّ ". وقال في الشّرح:" إلّا ريحَ القُبُل، الذَكر والفَرج، في الأصحّ، لأنّه اختِلاجٌ لا ريح، وإن كان ريحاً لا نجاسة فيه، وريحُ الدُّبُر ناقِضة بِمرورها على النَّجاسة ". (مراقي الفلاح ص 53)
وقال النَّفراويّ المالكيُّ :" من بول أوغائط أو ريح من الدُّبُر، لا إن خرج من فَرج المرأة أو ذكَر الرّجُل، فلا يَنقُض، لأنّه لم يخرج من مَحلّه المُعتاد ". (الفواكه الدَّواني ج1/111)
وقال المَرداويّ :" وقيل: لا يَنقض خروجُ الرّيح من القُبُل ". (الإنصاف ج1/145)
3- خروج المَذي:
قال النوويّ :" وفي المذي ثلاث لُغات: والمَذي بإسكان الذَّال، وتخفيف الياء، والمَذِيّ بكسر الذَّال، وتشديد الياء، وهاتان مشهورتان، قال الأزهريُّ، وغيرُه: التَّخفيف أفصح، وأكثر.
والثّالثة: المَذِي بكسر الذَّال، وإسكان الياء، حكاها أبو عمر الزَّاهد في"شرح الفَصيح"، عن ابن الأعرابيّ، ويُقال: مَذَى بالتّخفيف، وأمذَى ومذَّى بالتّشديد، والأُولى أفصح ". (المجموع ج2/160)
وعرَّفه محمود خطّاب السُّبكيّ بأنّه:" ماءٌ رَقيق لَزِج، يضرب إلى البَياض، يَخرُجُ من القُبُل عند مُلاعبة من تُشتَهى، أو تذكُّر الجماع وإرادته، وقد لا يشعر بخُروجه، ويكون من الرَّجُل والمرأة، ومن المرأة أكثر ". (المنهل العذب ج2/257)
ودليله حديث عَليّ قال:" كُنت رَجُلاً مَذّاء -أي كثير المَذْي- فأمَرْتُ المِقداد أن يَسأل النّبيّ ، فقال: فيه الوُضوء ". رواه البخاريّ برقم 132، و178، ومسلم برقم 303، وأبو داود برقم 206، والتِّرمذيّ برقم 115، والنَّسائيّ برقم 435، وابن ماجه برقم 505. وفي رواية للبخاريّ برق 269:" فقال: توضّأ، واغسل ذكرَك ".
وفي رِواية لأبي داود برقم 208:" ليغسَل ذَكره وأُنْثَيَيه ". -أي خَصْيتَيْه-، وصحّحها الألبانيّ برقم 192، ومحمّد عليّ الإتيوبيّ في البحر المُحيط ج7/439. وفي رواية عند التِّرمذيّ برقم 114، وصحّحها الألبانيّ:" من المَذْي الوُضوء ومِن المَنيّ الغُسْلُ ".
وقد أجمع العلماءُ على ذلك. قال ابنُ عبد البرّ:" لا رُخصة عند أحدٍ من علماء المسلمين في المذي الخارج على الصِّحّة، كلُّهم يوجِب الوضوء منه، وهي سُنّةٌ مُجمعٌ عليها، لا خلاف ". (الاستذكار ج1/242)
وقالوا: لأنّه خارج غير مُعتاد، ولم يَرِد دليلٌ صريح بكونه ناقِضاً، وبأنّ الأصل بقاءُ الطّهارة. والمسألةُ من مسائل الاجتهاد.
وقال ابنُ قُدامة :" وجملةُ ذلك أنّ الخارج من السَّبيلين على ضربين: مُعتاد، كالبَول، والغائِط، والمنيّ، والمَذي، والوَدي، والرِّيح، فهذا يَنقُض الوضوء إجماعاً ". (المغني ج1/230)
وقال ابنُ رُشد :" واتَّفقوا في هذا الباب على انتِقاض الوضوء من البول، والغائط، والرّيح، والمَذي، والوَدي لصحّة الآثار في ذلك إذا كان خُروجُها على وَجه الصّحّة ". (بداية المُجتهد ج1/68)
وقال ابن المُنذر :" ثبتَت الأخبارُ عن رسول الله بإيجابه الوضوء من المَذي، وقد رُوِّينا عن عمر بن الخطّاب، وعن عبد الله بن عبّاس، وعن عبد الله بن عمر، وجماعة من التّابعين، أنّهم أوجبوا الوضوء من المَذي، وبه قال مالك بن أنس، وأهل المدينة، والأوزاعيّ، وأهل الشّام، وسُفيان الثّوريّ، وأهل العراق، وكذلك قال الشّافعيّ، وأصحابه، ولستُ أعلم في وجوب الوضوء اختلافاً بين أهل العلم ". (الأوسط ج1/133-134)
وهل يجب غسلُ جميع الذَّكر من خروج المذي أو لا؟
ذهب المالكية، والحنابلة إلى إيجاب استيعاب الذَّكر بالغَسل، عملاً بالحقيقة. قال أحمد الدَّردير :"ومذي بلَذّة مع غسل كلّ ذكره بنيّة ". (الشّرح الصّغير ج1/165) وقال المرداويّ :" فعلى القول بالنّجاسة-أي في المذي-: يُغسل الذّكرُ والأنثَيين إذا خرج، على الصّحيح من المذهب، نصّ عليه ". (الإنصاف ج1/237) وزاد أحمد فأوجب غَسلَ الأُنثيين.
واحتجّوا بما تقدّم من روايات للحديث عند البخاريّ، وأبي داود.
وذهب الجمهور إلى أنّ الواجب غسل محلّه فقط، نظراً إلى المعنى، فإنّ الموجب لغَسله هو خُروج الخارج، فلا يجب المُجاوزة إلى غير محلّه. قال الحافظ:" ويؤيِّدُه ما عند الإسماعيليّ في رواية:" فقال توضّأ واغسله " فأعاد الضّمير على المَذي ". (الفتح ج1/506)
قال محمود خطّاب السُّبكيّ -على حديث عليّ -:" وهو بظاهره يدلّ على أنّ الواجب غَسلُ جميع الذَّكر من خُروج المذي، وإليه ذهبت المالكية، قالوا: لأنّ اسم الذّكر حقيقة في العُضو كلّه، وبَنوا عليه أنّه هل يحتاج إلى نيّة في غَسله، فذكروا في ذلك قولين، أشهرها وجوب النّيّة لأنّها تعبُّدية، والطّهارة التَّعبُّدية تحتاج إلى نيّة.
وعن أحمد رِوايتان: إحداهما غَسل الذّكر وحده، والأُخرى غَسله مع الأُنثيين، ويدُلُّ له حديث ابن سعد الآتي، وفيه:" فتغسِل فرجك وأُنثَييك ". قال النوويُّ: وهو محمول على ما إذا أصاب المذي الأُنثيين، أو على الاستحباب.
وذهبت الحنفية، والشّافعية إلى وجوب غَسل موضع النّجاسة فقط. قال النوويُّ: وهو مذهب الجمهور ". (المنهل العذب ج2/258-259) واختاره عُبيد الله المُباركفوريّ في المِرعاة ج2/147.
والقول بغسل جميعه مع الأُنثَيين أظهر، وهو ظاهراختيار ابن تيمية في شرح العُمدة ج1/57، لحديث المَقداد :" يغسل ذكره وأُنثييه ". رواه أبو داود برقم 208. ولحديث عبد الله بن سعد الأنصاريّ: قال النّبيّ :" ذاك المَذيُ، وكلُّ فَحلٍ يَمذي، فتغسِلُ من ذلك فرجك، وأُنثَيَيك، وتَوضّأ وُضوءك للصّلاة ". رواه أبو داود برقم 211، وصحّحه الألبانيّ برقم 196، ومحمّد عليّ الإتيوبيّ في البحر المُحيط ج7/439.
قال محمود خطّاب السُّبكيّ -على حديث عليّ -:" وهو بظاهره يدلّ على أنّ الواجب غسل جميع الذّكر من خُروج المذي، وإليه ذهبت المالكية، قالوا: لأنّ اسم الذّكر حقيقة في العُضو كُلّه، وبَنوا عليه أنّه هل يحتاج إلى نيّة في غسله، فذكروا في ذلك قولين، أشهرُها وُجوب النّيّة لأنّها تعبُّدية، والطّهارة التَّعبُّدية تحتاج إلى نيّة.
وعن أحمد روايتان: إحداهما غَسل الذّكر وحده، والأُخرى غَسله مع الأُنثيين، ويدُلُّ له حديث ابن سعد الآتي، وفيه:" فتغسِل فرجك وأُنثَييك ". قال النوويُّ : وهو محمول على ما إذا أصاب المذي الأُنثيين، أو على الاستحباب.
وذهبت الحنفية، والشّافعية إلى وجوب غَسل موضع النّجاسة فقط. قال النوويُّ : وهو مذهب الجمهور ". (المنهل العذب ج2/258-259)
ولأنّه خارج بشهوة، فجاز أن يجب بغَسله أكثرُ من محلّه كالمنيّ، وذلك لأنّ الأُنثَيين وِعاؤه، فغسلهما يقطعه ويُزيل أثره. (شرح العمدة ج1/56)
4- خُروج الودي:
قال ابنُ منظور :" الوَدي: بِسكون الدّال وبِكَسرها، وتشديد الياء، البَلل اللَّزِج الذي يخرج من الذَّكر بعد البول، يقال وَدَى ولا يُقال أَودى ". (تهذيب اللِّسان ج2/727)
وقال محمود خَطّاب السُّبكيّ :" بخلاف الودي فإنّه ماء أبيضُ ثَخين لَزِج يخرج من القُبُل بعد البول غالباً ". (المنهل العذب ج2/257)
دليله الإجماع، وقد نقله غيرُ واحد من أهل العلم. قال ابنُ قُدامة:" وجُملةُ ذلك أنّ الخارج من السَّبيلين على ضربين: مُعتاد، كالبول، والغائط، والمنيّ، والمَذي، والوَدي، والرِّيح، فهذا يَنقُض الوضوء إجماعاً ". (المغني ج1/230)
وقال ابنُ رُشد :" واتَّفقوا في هذا الباب على انتِقاض الوضوء من البول، والغائط، والرّيح، والمذي، والوَدي لصحّة الآثار في ذلك إذا كان خُروجُها على وَجه الصّحّة ". (بداية المُجتهد ج1/68)
وبالقياس على على البول، والمذي، فالكلُّ خارج نجِس من مَجرى واحد. (المجموع ج2/571)
5- خُروج المَنيّ:
قال النوويّ :" أمّا المَنيّ فمُشدَّد، ويُسمّى مَنيّاً، لأنّه يُمنى، أي يُصَبّ، كما سُمِّيت مِنىً، لِما يُراق فيها من الدِّماء، ويُقال: أَمنى، ومَنى بالتَّخفيف، ومَنَّ بالتَّشديد ثلاث لُغات، الأُولى أفصح، وبها جاء القُرآن، قال الله تعالى: {من مَنيٍّ يُمنى} القيامة: 37. (المجموع ج2/160)
وعرّفه محمود خطّاب السُّبكيّ بقوله:" والمنيُّ ماء ثَخين يخرج بِلذَّة دَفقاً غالِباً ". (المنهل العذب ج2/257)
دليله:
حديث عليّ المُتقدّم:" من المَذي الوضوء ومن المَنيّ الغُسل ". رواه التِّرمِذِيّ برقم 114، وصحّحه الألبانيُّ، ومحمّد عليّ الإتيوبيّ في إتحاف الطّالب ج3/53.
والإجماع: قال ابن المُنذر :" وأجمعوا على أنّ خُروج الغائط من الدُّبُر، وخروجَ البول من الذَّكر، وكذلك المرأة، وخروجَ المنيّ، وخروجَ الرّيح من الدُّبُر، وزوالَ العقل بأيّ وجه زال العقل، أحداثٌ يَنقض كلُّ واحدٍ منها الطّهارة، ويُوجب الوضوء ". (الإجماع ص 3)
6- خروج دم الاستحاضة:
لحديث عائشة قالت: جاءَت فاطمةُ بنتُ أبي حُبَيْشٍ إلى النّبيّ فقالت: يا رسول الله إنّي امرأةٌ أُستحاضُ فلا أطهر أفأدَعُ الصَّلاة؟ قال:" لا إنّما ذلك عِرْقٌ وليس بِحَيْضٍ، فإذا أَقْبَلَت حَيْضَيتُك فَدَعِي الصَّلاة، وإذا أدْبَرت فاغْسِلي عَنكِ الدَّم، ثُمَّ صَلّي. رواه البخاريّ برقم 228، و306، و320، و325، و331، ومسلم برقم 333، وأبو داود برقم 282، و298، والتّرمذيّ برقم 125، والنّسائيّ برقم 215، وابن ماجه برقم 624، وفي لفظ للبخاريّ برقم 228:" ثمّ تَوَضّئي لكلِّ صَلاة ". ويؤيِّد هذه الرِّواية لَفظُ التِّرمذيّ برقم برقم 125:" توضَّئي لكلّ صلاة حتّى يجيءَ ذلك الوقتُ ". وصحّحه الألبانيُّ فيه.
معنى "الاستحاضة": قال النوويّ :" قد قدَّمنا أنّ الاستحاضةَ جَرَيانُ الدَّم من فَرج المرأة في غير أوانه، وأنّه يخرج من عِرق، يُقال له العاذِل، بالعين المُهملة، وكسر الذّال المُعجمة، بخلاف دم الحيض، فإنّه يخرج من قَعر الرَّحِم ". (شرح مسلم ج4/17) وقال ابنُ حَجر:" يُقال: استُحيضت المرأةُ: إذا استمرّ بها الدّمُ بعد أيامها المُعتادة، فهي مُستحاضة، والاستحاضةُ: جَريانُ الدّم من فرج المرأة في غير أوانه ". (الفتح ج1/443)
قال الأزهريُّ، والهَرَويّ :" الحَيض: جَريانُ دم المرأة في أوقات مَعلومة، يُرخيه قَعرُ رَحِمها بعد بُلوغها، والاستحاضةُ: جَريانه في غير أوانه يسيل من عِرق في أدنى الرّحم دون قَعرِه ". (إتحاف الطّالب ج3/157)
والعِرق:" بكسر أوّله وإسكان ثانيه، وهذا العِرق، يقال له: العاذِل بالذّال المُعجَمة، قاله الأزهريّ. وحَكى ابنُ سِيده: إهمالها، وبَدَل
اللّام راء ". قاله ابنُ المُلَقِّن في الإعلام بفوائد عُمدة الأحكام ج2/180.
احتجّ بهذا الحديث من قال: إنّ دمَ الاستحاضة حَدَثٌ من الأحداث النّاقضة للوضوء، لأنّ الشَّرع أمر بالوضوء منه، وبه قال جمهور العلماء، الحنفية، والشّافعية، والحنابلة. قال ابن المُنذر :" ودم الاستحاضة ينقض في قول عامّة العلماء، إلّا ربيعة ". (المجموع ج2/6) وقال :" وقد حُكي عن ربيعة بن أبي عبد الرّحمن قَولٌ خامس، وهو أن لا وضوء على المُستحاضة لكلّ صلاة، إلّاأن يُصيبها حدثٌ تُعيد وضوءها من بول، أو ريح، أو ما أشبه ذلك ممّا يَنقض الوضوء ". (الأوسط ج1/163)
وقال النوويّ :" اعلم أنّ مذهبنا أنّ المُستحاضة لا تُصلِّي بطهارة واحدة أكثر من فريضة واحدة، مُؤدّاة كانت أو مَقضية، وتستبيح معها ما شاءت من النّوافل قبل الفريضة وبعدها. ولنا وجه، أنّها لا تستبيح أصلاً، لعدم ضَرورتها إلى النّافلة، والصّواب الأوّل، وحُكِي مثل مذهبنا عن عُروة بن الزُّبير، وسُفيان الثّوريّ، وأحمد، وأبي ثور.
وقال أبو حنيفة: طهارتها مُقدَّرة بالوقت، فتُصلّي في الوقت بطهارتها الواحدة ما شاءت من الفرائض الفائتة.
وقال ربيعة، ومالك، وداود: دم الاستحاضة لا ينقض الوضوء، فإذا تطهَّرت فلها أن تُصلّي بطهارتها ما شاءت من الفرائض إلّا أن تُحدِث بغير الاستحاضة.
قال أصحابُنا: ولا يصحُّ وضوءُ المُستحاضة لفريضة قبل دُخول وقتها، وقال أبو حنيفة: يجوز، ودليلُنا أنّها طهارةُ ضرورة فلا تجوز قبل وقت الحاجة ". (شرح مسلم ج4/18) قال محمّد عليّ الإتيوبيّ :" القَول بعدم جَواز وضوئها قبل الوقت يحتاج إلى دليل، إذ النَّصُّ:" ثمّ توضَّئي لكلّ صلاة "، ولم يُقيّده بكونه في الوقت فقط، فتدبَّر ". (البحر المُحيط ج8/135)
والمشهور من مذهب مالك، أنّ السَّلَس، كالاستحاضة على أربعة أقسام، ذكرها خليل، وحَطّاب وغيرُهما من علماء المالكية، قال حطّاب : الأوّل: أن يُلازم ولا يُفارق، فلا يجب الوضوء، ولا يُستحبّ، إذ لا فائدة فيه، فلا ينتقض وضوءُ صاحبه بالبَول المُعتاد.
الثّاني: أن يكون مُلازمتُه أكثر من مُفارقته فيُستحبّ الوضوء إلّا أن يشُقَّ ذلك عليه لِبرد، أو ضرورة، فلا يُستحبّ.
الثّالث: أن يتساوى إِتيانُه ومُفارَقتُه، ففي وجوب الوضوء واستحبابه قولان: قال ابن رُشد: القَفصي: والمشهور لا يجب. وقال ابنُ هارون: الظّاهر الوجوب.
الرّابع: أن تكون مُفارقتُه أكثر، فالمشهور وجوب الوضوء، خلافاً للعِراقيين فإنّه عندهم مُستحبّ ". (مواهب الجليل ج1/433)
قال مُحنض الدّيماني :" وطريق المغاربة يُقسِّمونه إلى أربعة أقسام، وهي التي ذكرها المُصنِّف-أي خليل- ". (مُيسِّر الجليل ج1/86)
وقال أحمد الدَّردير :" ومن السَّلَس: دَمُ الاستحاضة، فإن لازم أقلّ الزَّمن نَقض وإلّا فلا ". (الشّرح الصّغير ج1/215)
واختار الشّوكانيّ عدم النَّقض بسلس الاستحاضة في السَّيل الجرّار ج1/99، وكذلك رأى ابن عُثيمين أنّ صاحب الحدث الدّائم لا ينتقض وضوؤه ما لم يحدث بحدث آخر. (لقاء الباب المفتوح رقم 214)
ويُقاس عليها كُلّ مَنْ حَدَثُه دائم لا ينقطع كبَول، وريح، ونحو ذلك. (فتح ذي الجلال ج1/412)
7- زوال العَقل، لجنون أو إغمَاء أو سُكر ونحوه:
قال النّوويّ :" أجمعت الأُمّة على انتقاض الوُضوء بالجُنون والإغماء، وقد نقل الإجماعَ ابْنُ المُنْذِر وآخرون ". (المجموع ج2/25) وقال:" اتّفقوا على أن زَوال العَقل بالجُنون والإغماء والسُّكر بالخمر أو النّبيذ أو البَنج أو الدّواء يُنقض الوُضوء سَوَاء قَلَّ أو كَثُرَ، وسواء كان مُمكّن المقعدة أو غير مُمكّنها ". (شرح صحيح مسلم ج4/74)
وقال ابن رُشد :" وينبغي أن تعلم أنّ جمهور العُلماء أوجبوا الوضوء من زوال العقل بأيّ نوع كان: من قبل إغماء، أوجنون، أو سكر، وهؤلاء كلّهم قاسوه على النّوم أعني رأوا أنّه إذا كان النّوم يوجب الوُضوء في الحالة التي هي سبب للحدث غالباً، وهو الاستثقال، فأحرى أن يكون ذهاب العقل سبباً لذلك ". (بداية المجتهد ج1/82)
وقال بدر الدِّين العَينيّ :" قوله: وغلبة العقل بإغماء، وجُنون، وسُكر، لأنّ هذه الأشياء سبب لخروج النّجاسة بواسطة الغفلة، وزوال المِسكة، فيُقام مقام خروج النّجاسة ". (منحة السُّلوك ص65)
وقال أحمد الدَّردير :" وهو زوال العقل، إشارة إلى النّوع الأوّل. وزوالُه يكون بجنون، أو إغماء، أو سكر، أو بنوم ثقيلن ولو قصر زمنه، لا إن خفّ ولو طال، ونُدب إن طال ". (الشرح الصّغير ج1/217)
وقال أحمد الصّاوِيّ :" زوال العقل: ظاهره أنّ زوال العقل بغير النّوم، كالإغماء، والسُّكر، والجنون لا يُفصّل فيه بين طويله وقصيره كما يُفصّل في النّوم، وهو ظاهر المُدوّنة، والرّسالة، فهو ناقض مُطلقاً. قال ابنُ عبد السّلام:" وهو الحقّ خلافاً لبعضهم. وقال ابنُ بَشير: والقليل في ذلك كالكثير ". (حاشية الصّاويّ مع الشّرح الصّغير ج1/216)
وقال منصور البُهوتيّ :" والثّالث: زوالُ العقل، أو تغطيته، قال أبو الخطّاب وغيره: ولو تلجَّم- أي شدّ المخرج بخِرقة- ولم يَخرج شيءٌ، إلحاقاً بالغالب، إلاّ يسير نوم من قاعدٍ وقائمٍ، غيرِ مُحتَبٍ، أو مُتَّكِىءٍ، أو مُستنِد.
وعُلم من كلامه: أنّ الجنون والإغماء والسُّكر يَنقض كثيرُها ويسيرُها، ذكره في المُبدع إجماعاً ". (الرّوض المُربِع ج1/114)
8- مسّ الفرج:
اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
الأول: أن مسّ الفرج ينقض الوضوء مُطلقاً سواء كان بشهوة أو بغير شهوة، وهو قول الشّافعيّ، وقول لمالك في المشهور عنه، والمشهور في مذهب أحمد، لحديث بُسْرَة بِنت صَفوان أنّ النّبيّ قال:"إذا مسَّ أحدُكم ذَكره فليتوضّأ ". رواه مالك برقم 127، وأبو داود برقم 181، والتّرمذيّ برقم 82، وقال حسن صحيح، والنّسائيّ برقم 447، وأحمد برقم 27295، وابن خُزيمة برقم 33، وابنُ حبّان برقم 1112، وصحّحه أحمد، وابنُ مَعين، والتّرمذيّ، وابن خزيمة، وابن حبّان، والحا كم، والدّارقطنيّ، والحازميّ، والبيهقيّ، والذّهبيّ، وابنُ المُلَقِّن، وحسّنه النوويّ في المجموع ج2/39، وصحّحه الألبانيّ في الجامع الصّحيح برقم 6554. (حاشية الرّوض المربع ج1/115)
ولحديث أبي هُريرة عن النّبيّ قال:" إذا أفضى أحدُكم بِيَده إلى فَرْجه وليس بينهما ستْر ولاحجاب فليتوضّأ ". رواه أحمد برقم 8404، وصحّحه ابنُ حِبّان برقم 1118، والحاكم ج1/138، وابن عبد البّر في التّمهيد17/195، والألبانيّ في الصّحيحة برقم 1235، وقال النوويّ:" وفي إسناده ضعف لكنّه يقوى بكثرة طرقه ". (المجموع ج2/40)
قال النوويّ :" قد ذكرنا أنّ مذهبنا انتقاض الوضوء بمسّ فرج الآدميّ بباطن الكفّ، ولا ينتقض بغيره، وبه قال عمر بن الخطّاب، وسعد بن أبي وقّاص، وابن عمر، وابن عبّاس، أبو هريرة، وعائشة، وسعيد بن المُسيّب، وعطاء بن أبي رباح، وأَبان بن عثمان، وعُروة بن الزُّبير، وسُليمان بن يَسار، ومُجاهد، وأبو العالية، والزُّهريّ، ومالك، والأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، أبو ثور، والمُزنيّ ". (المجموع ج2/46)
وقال ابن أبي زيد القيروانيّ :" والقُبلةِ للذّة، ومن مسِّ الذَّكر ". قال عليّ بن محمّد المنُوفيّ:" أي ويجب الوضوء من مسّ الذّكر على المشهور لما في الموطّأ، وغيره:" إذا مسّ أحدُكم ذكره فليتوضّأ "، وأمّا حديث:" هل هو إلّابَضعة منك " فضعيف مُتكلَّم فيه ". (كفاية الطّالب ج1/220-221)
قال عُبيد الله المُبارَكفوريّ :" وهو -أي انتقاض الوضوء بمسّ الذّكر- قول جماعة من الصّحابة، والتّابعين، ومن أئمّة المذاهب أحمد، والشّافعيّ، وهو المشهور من مذهب مالك، وكذلك مسّ المرأة فرجها ". (المرعاة ج2/170)
وقال منصور البُهوتيّ :" والرّابع: مسُّ ذكر آدميٍّ، تعمّده أو لا، مُتّصلٍ، ولو أشلَّ، أو قُلفةً، أو من ميّت، لا الأُنثيين، ولا بائن، أومحلِّه ". (الرّوض المُربع ج1/115)
الثّاني: أن مَسّ الفرج لا ينقض الوضوء مُطلقاً، وهو قَول الحنفية، وبعض المالكية، ورواية عن أحمد، وقول ابن المُنذر، لحديث طَلْقِ بن عَلِيّ ، قال رجل:" مَسَسْتُ ذكري " أوْ قال:" الرَّجُلُ يَمَسُّ ذَكَره في الصّلاة أعليه وُضوء؟ ". فقال النّبيّ :" لا إنّما هو بَضْعَةٌ منك ". -أي القِطعة من اللّحم- رواه أبو داود برقم 182، والتّرمذيّ برقم 85، والنّسائيّ برقم 165، وابن ماجه برقم 484، وابنه حِبّان برقم 1119، وصحّحه الطّحاوي، وابن حزم. (تُحفة الطّالب الأحوذيّ ج2/447-448، ومنحة العلاّم ج1/308-309) وصحّحه الألبانيّ في صحيح أبي داود برقم 167، وصحّحه الطّبرانيّ،
وابن حزم، وقال ابن المَدِيني: هو أحسن من حديث بُسرة. (المنهل العذب ج2/193)
قال النوويّ :" وقالت طائفة: لا ينقض مُطلقاً، وبه قال عليّ بن أبي طالب، وابن مسعود، وحُذيفة، وعمّار، وحكاه ابن المُنذر أيضاً عن ابن عبّاس، وعمران بن الحُصين، وأبي الدّرداء، وربيعة، وهو مذهب الثّوريّ، وأبي حنيفة، وأصحابه، وابن القاسم، وسُحنون قال ابن المنذر: وبه أقول ". (المجموع ج2/46) وقال محمود محمّد خطّاب :" وذهب عليّ، وابن مسعود، وعمّار، والحسن البصريّ، وربيعة، والعترة، والثّوريّ، وأبو حنيفة، وأصحابه إلى أنّ مسّ الذّكر غيرُ ناقض للوضوء. واحتجّوا بحديث طلق الآتي". (المنهل العذب ج2/193)
وقال الحَصكفيّ :" لا ينقضه مسُّ ذكر، لكن يغسل يده ندباً ". (ردّ المُحتار ج1/278)
وقال القَرافيّ :" وقال مالك في العُتبية: لا يجب من مسّه وضوء، كما قاله أبو حنيفة ". (الذّخيرة ج1/216)
وقال :" قال صاحب الاستذكار الذي استقرّ عند المغاربة: أنّ من مسَّ ذكره أُمِر بالوضوء ما لم يُصلّ فإن صلّى أُمر بالإعادة في الوقت، وكذلك قاله ابن القاسم، وابن نافع، وأشهب.
وقال سُحنون، والعُتبي: لا يُعيد مطلقاً ". (الذّخيرة ج1/217)
وقال المرداويّ :" وعنه: لا ينقض مُطلقاً ". (الإنصاف ج1/150)
الثّالث: هو مَسْلَك الجمع بين الأحاديث، واختلف أصحاب هذا المَسْلَك على وجهين:
أحدهما: أن مسّ الذّكر يُستحبّ منه الوضوء مُطلقاَ عملاً بحديث بُسْرة ولا يجب عملاً بحديث طَلْق بن عَليّ، وهذه رِواية عن مالك، وعن أحمد، واختار هذا القول وهو الاستحباب ابنُ المُنْذِر كما في الإشراف ج1/104، وابنُ تيمية، حيث قال:"والأظهر أنّه لايجب الوضوء من مسّ الذّكر...فإنّه ليس مع المُوجبين دليلٌ صحيح، بل الأدلّةُ الرّاجحة تدلُّ على عدم الوجوب، لكن الاستحباب مُتوجّه ظاهر ". (مجموع الفتاوى ج21/241)، وقال المرداويّ :" بل يُستحبّ الوضوء منه، اختاره الشّيخ تقيُّ الدّين في فتاويه". (الإنصاف ج1/150) ومحمّد ابن عُثيمين، حيث قال:" إن مسّ الذّكر ليس بناقض للوضوء، وإنّما يُستحبّ الوضوء منه استحباباً، وهو اختيار شيخ الاسلام ابن تيمية، وهو أقرب إلى الصّواب لا سيّما إن كان عن غير عَمد...". (مجموع فتاوى ورسائل ج11/203). وهو رواية ابن وهب عن مالك، قال القرافيّ :" رواية ابن وهب عن مالك: أنّ الوضوء من مسّ الذّكر سُنّة ". (الذّخيرة ج1/216) وقال النوويّ :" وأُخرى -أي رواية عن أحمد-يُشترط المسّ بشهوة، وهو رواية عن مالك ". (المجموع ج2/46) وقد رواه ابنُ خزيمة عنهما كذلك. (صحيح ابن خزيمة ج1/22)
- الثّاني: أن مسّ الذّكر بشهوة ينقض الوضوء لحديث بُسْرة وإن كان لغير شهوة لم يجب، لحديث طلق بن عليّ، لأنّه يقتضي أن الحكم في مسّ الذّكر، كالحكم في مسّ سائر الأعضاء الذي لا يُقارِن مسّه شهوة، وهو رواية عن مالك، قال القرافيّ:" ولا تُشترط اللّذّة عند المغاربة، وبعض البغداديين وتُشترط عند العِراقيين قياساً على لمس النّساء ". (الذّخيرة ج1/215) وقال النوويّ :" وأُخرى -أي رواية عن أحمد- يُشترط المسّ بشهوة، وهو رواية عن مالك ". (المجموع ج2/46) وقد رواه ابنُ خزيمة عنهما كذلك. (صحيح ابن خزيمة ج1/22) واختاره الألبانيّ كما في الاختيارات الفقهية ص48.
وهذا الوجه الثّاني أقرب إلى الصّواب فيكون مسّ الذّكر بشهوة ناقضاً للوضوء، وأمّا مسّه بغير شهوة فلا ينقض، لحديث طلق بن عليّ. قال ابنُ العُثيمين :" وعلى هذا نقول: إذا مسَّ ذكره بغير شهوة فليس عليه الوضوء، وإذا مسّه بشهوة عليه الوضوء، وأمّا إذا مسّه بغير شهوة فيُستحبّ له الوضوء، وهذا هو الرّاجح عندي، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ". (فتح ذي الجلال ج1/441)
وقال:" وأمّا مسُّ الذّكر فلا يجب الوضوء منه، وإنّما يُستحبُّ ما لم يكن بشهوة، فإن كان بشهوة فإنّ الظّاهر وُجوب الوضوء من مسّه ". (التّعليق على القواعد النّورانية ص 40)
وأمّا مسّ الخّصيتين فلا ينقض الوضوء، وهو قول عامّة أهل العلم، كما حكاه ابنُ قدامة في المغني ج1/246. وحكى ابن المُنذر الخلاف فيه، حيث قال:" فقالت طائفة: عليه الوضوء، هكذا قال عطاء بن أبي رَباح، والزُّهريّ. وقال الأوزاعيّ: بلغني ذلك، وكان الشّافعيّ، وإسحاق يقولان: عليه الوضوء.
وقالت طائفة: لا وضوء عليه، هذا قول مالك بن أنس، وسُفيان الثّوريّ، وأصحاب الرّأي، وهو قول قَتادة ". (الأوسط ج1/212-213)
وأمّا مسُّ المرأة فرجها: ففيه ثلاثة أقوال، كلُّها روايات في مذهب مالك.
الأوّل: لاوضوء على المرأة من مسّ فرجها، وهو مذهب الحنفية، والمذهب عند المالكية كما في المدوّنة، ورواية عن أحمد.
قال حسن الشُّرُنبُلاليّ:" عشرة أشياء لا تنقض الوضوء منها:...ومنها مسّ ذكر، ودُبُر، وفَرج مُطلقاً، وهو مذهب كبار الصّحابة كعمر، وعليّ، وابن مسعود، وابن عبّاس، وزيد بن ثابت، وصُدور التّابعين، كالحسن، وسعيد الثّوريّ ". (مراقي الفلاح مع حاشية الطّحطاويّ ص93)
وقال أحمد الدَّردير :" لا بِمسّ دُبُر أو أُنثيين، ولا بِمسّ امرأة فَرجها ولو أَلطفت ". (الشّرح الصّغير مع حاشية الصّاوي ج1/221.
وقال الصّاويّ :" هذا هو المذهب، وقيل: إن ألطفت فعليها الوضوء ". (الشّرح الصّغير مع حاشية الصّاوي ج1/221)
وقال ابن قُدامة :" والأخرى، لا ينتقِض. (المغني ج1/244)
وقال المرداويّ :" والثّانية: لا ينقض كإسكِتَيها. قال ابن عبيدان: وكلام الشّيخ في المُغني عدم النّقض. قلت: وهو ظاهر كلامه في المنور، والمُنتَخَب ". (الإنصاف ج1/156)
قال ابنُ قُدامة :" قال المَرُّوذيّ: قيل لأبي عب اللّه: فالجارية إذا مسّت فرجها أعليها وُضوء؟ قال: لم أسمع في هذا بشيء. قلتُ لأبي عبد اللّه: حديث عبد اللّه بن عَمرو، عن النّبيّ :" ايُّما امرأة مسّت فرجها فلتتوضّأ ". فتبسّم، وقال: هذا حديث الزُّبيديّ، وليس حديثه بذاك. ولأنّ الحديث المشهور في مسّ الذّكر، وليس مسُّ المرأة فرجَها في معناه، لكونه لا يدعو إلى خروج خارج، فلم يَنقُض ". (المغني ج1/244-245)
الثّاني: عليها الوضوء من مسّ فرجها، وبه قال مالك في رواية، وهو المذهب عند الشّافعية، والحنابلة. واختاره ابن حزم، والشّوكانيّ.
قال القرافيّ:" ورُوي عنه-أي مالك- أنّ عليها الوضوء، لحديث أبي هريرة:" من أفضى بيده إلى فرجه فليتوضّأ ". وعن عائشة، أنّها قالت: قال رسول الله:" ويلٌ للّذين يَمَسُّون فروجهم ثمّ يصلّون، ولا يتوضّؤون "، فقلت بأبي أنت وأُمّي يارسول اللّه، هذا للرّجال فما بال النّساء؟ فقال:" إذا مسّت إحداكنّ فرجها فلتتوضّأ ". رواه الدّراقطنيّ ج1/147-148. (الذّخيرة ج1/218)
وقال النوويّ:"وإذا مسّت المرأة فرجها انتقض وضوؤها عندنا، وعند أحمد، وقال أبو حنيفة، ومالك: لا ينتقض ". (المجموع ج2/49) واختاره ابن حزم، والشّوكانيّ في النّيل ج1/252.
وقال المرداويّ:" إحداهما: ينقض، وهو المذهب. قال في الفروع: ينقض على الأصحّ ". (الإنصاف ج1/156) وقال ابن قُدامة:" إحداهما ينقُضن لعموم قوله:" من مسّ فرجه فليتوضّأ ". وروى عَمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النّبيّ قال:" أيُّما امرأة مسّت فرجها فلتتوضّأ "، ولأنّه أحدُ الفَرجَين، أشبه الذّكر ". (المغني ج1/244) قال التِّرمذيّ في العِلل، عن البخاريّ -أي عن حديث عمرو بن شُعيب-:" وهذا عندي صحيح ". (نيل الأوطار ج1/252)
الثّالث: التّفرقة بين أن تُلطِف وبين ألّا تُلطِف، فيجبُ الوضوء من الأوّل لوجود اللّذّة، والإلطاف: أي إدخال بعض يدها في فرجها، ونقل ابنُ يونس أنّه هو المذهب عند المالكية. قال القرافيّ :" ورُوي عنه: التّفرقة بين أن تُلطف وبين ألّا تُلطف، فيجب الوضوء من الأوّل لوجود اللّذّة، وسأل ابن أبي أُوَيس مالكاً عن الإلطاف، فقال: أن تُدخِل يدها بين شُفرَيها ". (الذّخيرة ج1/218)
والشُّفر: بوزن القُفل: شُفر المرأة، وهو أحد حافتي فَرجها. (الرّوض المربع ج1/116) وقال محمّد بن أحمد السّملاليّ :" ثمّ المذهب عدم النَّقض بمسّها لفرجها ألطفت أم لا، انظر الزُّرقانيّ، ولكن في نقل المُوّاق عن ابن يونس ما يُفيد أنّ المذهب ما قال النّاظم فانظره- أي ابن عاشر- ". (عمدة الطّالبين ص 138)
ويقال في مسّ المرأة فرجها كما قيل في مسّ الرّجل ذكره. والله أعلم.
وهل يشترط في المسّ أن يكون بباطن الكفّ؟ ذهب إلى هذا مالك، واللّيث، والشّافعيّ، وإسحاق لأنّ ظاهر اليد ليس بآلة للَّمس، فأشبه ما لو مسَه بفَخذه. (المغني ج1/242)
قال القرافيّ :" مسُّ الذّكر بباطن الكفّ عند مالك، وبباطن الأصابع أيضاً عند ابن القاسم، كما حكاه في الكتاب-أي المُدوَّنة-، يوجب الوضوء خلافاً لأبي حنيفة ". (الذّخيرة ج1/215)
وقال أحمد الدّردير :" ومسُّ ذكره المُتَّصِل مُطلقاَ ببطن كفّه، أو جَنبه، أو أُصبُع كذلك، ولو زائداً ". (الشّرح الصّغير ج1/221)
وقال النوويّ :" قد ذكرنا أنّ مذهبنا انتقاض الوضوء بمسّ فرج الآدميّ بباطن الكفّ، ولا ينتقض بغيره ". (المجموع ج2/46)
وذهب أحمد، وعطاء، والأوزاعيّ إلى أنّه لا فرق بين الكفّ وظهره. قال ابن قّدامة:" ولا فرق بين الكفّ وظهره، وهذا قول عطاء، والأوزاعيّ ". (المغني ج1/242) واحتجّ أحمدُ بحديث النّبيّ :" إذا أفضى أحدُكُم بيده إلى فرجه ليس بينهما سُترةٌ فليتوضّأ ". وفي لفظ:" إذا أفضى أحدُكم إلى ذكره فقد وجب عليه الوضوء ". رواه الشّافعيّ في مُسنده. قاله ابن قُدامة في المغني ج1/243
وقال :" وظاهر كفّه من يده، والإفضاء: اللَّمس من غير حائل، ولأنّه جُزء من يده تتعلّق به الأحكام المُتعلِّقة على مُطلَق اليد، فأشبه باطن الكفّ ". (المغني ج1/243) وقال الحافظ في التّلخيص:" لكن نازع في دعوى أنّ الإفضاء لا يكون إلّا ببطن الكفّ غيرُ واحد، قال ابنُ سِيدَه في المُحكم: أفضى فُلان إلى فُلان: وصل إليه، والوُصول أعمُّ من أن يكون بباطنها. وقال ابنُ حزم: الإفضاء يكون بظاهر الكفّ كما يكون بباطنها، قال: ولا دليل على ما قالوه-يعني من التَّخصيص بالباطن- من كتاب ولا سُنّة ولا إجماع ولا قول صاحب ولا قياس ولا رأي صحيح ". (نيل الأوطار ج1/252)
والقول الثّاني أظهر لإطلاق اليد، واختاره ابن حزم، والشّوكانيّ في النّيل ج1/252، ومحمّد عليّ الإتيوبيّ في إتحاف الطّالب الأحوذيّ ج2/453.
وهل ينتقض الوضوء بمسّ الدُّبُر؟ قولان:
أحدهما: ينتقض به الوضوء، وبه قال الشّافعية، الحنابلة في المذهب، وعطاء، والزُّهريّ. قال النوويّ:" مسُّ الدُّبُر ناقض عندنا على الصّحيح، وهو رواية عن أحمد ". (المجموع ج2/48)
وقال المرداويّ :" إحداهما: ينقض، زهي المذهب. قال في الفروع: ينقض على الأصحّ. قال في النّهاية: وهي أصحّ ". (افنصاف ج1/155) وقال منصور البُهوتيّ :" ويَنقُض مسُّ حلقة دُبُر، لأنّه فرج، سواء كان منه أو من غيره ". (الرّوض المُربع ج1/117)
واحتجّوا بعموم قوله :" من مسَّ فرجه فليتوضّأ ". ولأنّه أحد الفرجَين. قاله ابن قدامة في المغني ج1/244.
الثّاني: لا ينتقض به الوضوء، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، وداود، وأحمد في رواية. قال حسن الشُّرُنبُلاليّ :" عشرةُ أشياء لا تنقض الوضوء:... منها: مسّ ذكر، ودُبر، وفرج مُطلقاً ". (مراقي الفلاح ص 57) وقال القرافيّ :" لا ينتقض الوضوء بمسّ الدّبر، وانفرد حمديس بإيجاب مسّ حلقة الدّبر الوضوء ". (الذّخيرة ج1/219) وقال أحمد الدّردير :" لا ينقض وضوءه بمسّ دُبره، أي حَلقة الدّبر، ولا بمسّه أُنثييه ". (الشّرح الصّغير ج1/222) قال ابن قُدامة :" فأمّا مسُّ حلقة الدُّبر، فعنه روايتان أيضاً: إحداهما لا يَنقُض الوضوء، وهو مذهب مالك. قال الخَلّال: العملُ والأشيَع في قوله وحُجّته، أنّه لايتوضّأ من مسّ الدُّبر، لأنّ المشهور من الحديث:" من مسَ ذكره فليتوضّأ "، وهذا ليس في معناه، لأنّه لايقصِد مسّه، ولا يُفضي إلى خُروج خارج ". (المُغني ج1/244)
وهذا القول هو الرّاجح، إذ لانصّ عليه.
وفي سبب خلاف العلماء في كون مسّ الذّكر ناقضاً للوضوء، قال ابنُ رُشد :" فذهب العُلماء في تأويل هذه الأحاديث أحدَ مذهبين: إمّا مذهب التّرجيح أو النّسخ، وإمّا مذهب الجمع، فمن رجّح حديث بُسرة أو رآه ناسخاً لحديث طلق بن عليّ، قال بإيجاب الوضوء من مسّ الذّكر، ومن رجّح حديث طلق بن عليّ أسقط وُجوب الوضوء من مسّه، ومن رام أن يجمع بين الحديثين أوجب الوضوء منه في حال، ولم يوجبه في حال، أو حمل حديث بُسرة على النّدب وحديث طلق بن عليّ على نفي الوجوب، والاحتجاجات التي يُحتجّ بها كلُّ واحد من الفريقين في ترجيح الحديث الذي رجّحه كثيرة يطول ذكرُها، وهي موجودة في كُتبهم، ولكن نُكتة اختلافهم ما أشرنا إليه ". (بداية المُجتهد ج1/79)
9- أكل لحم الإبل: قال أبوبكر بن المُنذر :" وقد اختلف أهلُ العلم في هذ الباب، فقالت طائفة كما قُلنا، رُوِّينا عن جابر بن سَمُرة أنّه كان يقول:" كُنّا نتوضّأُ من لُحوم الإبل، ولا نتوضّأ من لحوم الغنم "، ورُوِّينا عن ابن عمر أنّه قال:" توضّؤوا من لُحوم الإبل ولا توضّؤوا من لُحوم الغنم ".
ثمّ ذكر سنده إلى حديث جابر بن سمُرة ، قال:" كنّا نتوضّأ من لُحوم الإبل، ولا نتوضّأ من لُحوم الغنم ". وإلى حديث ابن عمر، قال:" توضّؤوا من لُحوم الإبل، ولا توضّؤوا من لُحوم الغنم ".
قال أبو بكر: وهذا قول محمّد بن إسحاق صاحب المغازي، وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو خيثمة، ويحي.
وقال أحمدبن حنبل: فيه حديثان صحيحان، حديث البراء، وحديث جابر بن سمُرة، وقال إسحاق: قد صحّ عن رسول الله ذلك.
وأسقطت طائفة الوضوء من لحوم الإبل، وممّن كان لايرى ذلك واجباً، مالكبن أنس، وسُفيان الثّوريّ، والشّافعيّ، وأصحاب الرّأي، وقد رُوي ذلك عن سُويد بن غفلة، وعطاء، وطاوس، ومُجاهد ". (الأوسط ج1/140-141)
وقال النوويّ :" أمّا أحكام الباب فاختلف العُلماء في أكل لحوم الجَزور، فذهب الأكثرون إلى أنّه لا ينقض الوضوء، ممّن ذهب إليه الخلفاءُ الأربعة الرّاشدون، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وابن مسعود، وأُبيّ بن كعب، وابن عبّاس، وأبو الدّرداء، وأبو طلحة، وعامر بن ربيعة، وأبو أُمامة، وجماهير التّابعين، ومالك، وأبو حنيفة، والشّافعيّ، وأصحابهم.
وذهب إلى انتقاض الوضوء به أحمدُ بن حنبل، وإسحاقُ بن راهويه، ويحي بن يحي، وأبو بكر بن المُنذر، وابنُ خُزيمة، واختاره الحافظ أبو بكر البَيهقيّ، وحُكي عن أصحاب الحديث مُطلقاً، وحُكي عن جماعة من الصّحابة.
واحتجّ هؤلاء بحديث الباب-أي جابر بن سمُرة- وقوله :" نعم فتوضّأ من لحوم الإبل ". رواه مسلم برقم 360، وعن البراء بن عازب ، قال: سُئل النّبيّ عن الوضوء من لُحوم الإبل، فأمر به. رواه التّرمذيّ برقم 81.
قال أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه صحّ عن النّبيّ في هذا حديثان، حديث جابر، وحديث البراء، وهذا المذهب أقوى دليلاً، وإن كان الجمهور على خلافه.
وقد أجاب الجمهورُ عن هذا الحديث بحديث جابر:" كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء مِمّا مسَّت النّار "، لكن هذا الحديث عام، وحديث الوضوء خاصّ، والخاصّ مُقدّم على العام، والله أعلم. وأمّا اباحته الصّلاة في مرابض الغنم دون
مبارك الإبل، فهو متّفق عليه، والنّهي عن مَبارك الإبل، وهي أعطانها نهي تنزيه، وسببُ الكراهة ما يُخاف من نفارها وتهويشها على المصلّى. والله أعلم ". (شرح مسلم ج4/48-49)
وقال ابنُ رُشد :" اختلف الصّدرُ الأوّل في إيجاب الوضوء من أكل ما مسّته النّار لاختلاف الآثار الواردة في ذلك عن رسول الله ، واتّفق جمهورُ فقهاء الأمصار بعد الصّدر الأوّل على سُقوطه، إذ صحّ عندهم أنّه عمل الخلفاء الأربعة، ولِما ورد من حديث جابر أنّه قال:" كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء مِمّا مسَّت النّار ". خرّجه أبو داود بذلك عنه ". (بداية المُجتهد ج1/79-80)
وقال الموفَّق بن قُدامة :" إنّ أكل لحم الإبل ينقض الوضوء على كلّ حال نيِئاً ومطبوخاً عالماً كان أو جاهلاً، وبهذا قال جابر بن سَمُرة، ومحمّد بن إسحاق، وإسحاق، وأبو خَيثمة، ويحي بن يحي، وابن المُنذر، وهو أحد قولي الشّافعيّ، قال الخطّابيّ: ذهب إلى هذا عامّةُ أصحاب الحديث.
وقال الثّوريّ، ومالك، والشّافعيّن وأصحاب الرّأي: لا ينقض الوضوء بحال، لآنّ رُوي عن ابن عبّاس، عن النّبيّ أنّه قال:" الوضوء مِمّا يخرج، لا ممّا يدخل "، ورُوي عن جابر، قال:" كان آخر الأمرينن ترك الوضوء ممّا مسّت النّار "، رواه أبو داود.
ولنا ما روى البراء بن عازب ، قال: سئل رسول الله عن لحوم الإبل؟ فقال:" توضّؤوا منها "، وسُئل عن لحوم الغنم؟ فقال/: لا يتوضّأ منها "، رواه أبو داود برقم 184، وروى جابر بن سمرة عن النّبيّ مثله، أخرجه مسلم.
وروى الإمامُ أحمد بإسناده، عن أُسَيد بن حُضَير، قال: قال رسول الله :" توضّئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضّؤوا من لحوم الغنم "، وروى ابنُ ماجه، عن عبد الله بن عمرو، عن النّبيّ مثل ذلك.
قال أحمد، وإسحاق بن راهويه: فيه حديثان صحيحان عن النّبيّ : حديث البراء، وحديث جابر بن سمرة.
وحديثهم عن ابن عبّاس لا أصل له، وإنّما هو قول ابن عبّاس موقوفاً عليه، لو صحّ لوجب تقديم حديثنا عليه، لكونه أصحّ منه وأخصّ، والخاصّ يُقدّم على العام، وحديث جابر متأخّر، فيكون ناسخاً.
قلنا: لا يصحّ النّسخ به، لوجوه أربعة:
أحدها: أنّ الأمر بالوضوء من لحوم الإبل مُتاخّر عن نسخ الوضوء مِمّا مسّت النّار، أو مُقارن له بدليل أنّه قرَن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل بالنّهي عن الوضوء من لحوم الغنم، وهي مِمّا مسّت النّار.
فإمّا أن يكون النّسخ حصل بهذا النّهي، وإمّا أن يكون بشيء قبله، فإن كان به، فالأمر بالوضوء من لحوم الإبل مُقارن لنسخ الوضوء ممّا غيّرت النّار، فكيف يجوز أن يكون مَنسوخاً به، ومن شرط النّاسخ تأخُرّه، وإن كان النّسخ قبله لم يجُز أن يُنسخ بما قبله.
الثّاني: أنّ أكلَ لُحوم الإبل إنّما نقض، لكونه من لحوم الإبل، لا لكونه مِمّا مسّت النّار، ولهذا ينقض وإن كان نيِّئاً، فنسخُ إحدى الجهتين لا يثبت به نسخ الجهة الأُخرى، كما لو حُرّمت المرأة للرَّضاع، ولكونها رَبيبة، فنسخُ التَّحريم بالرّضاع، لم يكن نسخاً لتحريم الرّبيبة.
الثّالث: أنّ خبرهم عامّ، وخبرنا خاصّ، والعام لا يُنسخ به الخاصّ، لأنّ من شرط النّسخ تعذُّر الجمع، والجمعُ بين العام والخاصّ مُمكن بتنزيل العام على ما عدا محلّ التّخصيص.
الرّابع: أنّ خبرَنا صحيح مُستفيض، ثبتت له قُوّة الصحّة والاستفاضة والخُصوص، وخبرهُم ضعيف، لعدم هذه الوُجوه الثّلاثة فيه، فلا يجوز أن يكون ناسخاً له.
فإن قيل: الأمر بالوضوء في خبركم يحتمل الاستحباب، فنحمله عليه، ويحتمل أنّه أراد بالوضوء غسل اليدين، لأنّ الوضوء إذا أُضيف إلى الطّعام، اقتضى غسل اليد، كما كان يأمر بالوضوء قبل الطّعام وبعده، وخصَّ ذلك بلحم الإبل، لأنّ فيه من الحرارة والزُّهومة ما ليس في غيره.
قُلنا: أمّا الأوّل فمُخالف للظّاهر من ثلاثة أوجُه:
أحدُها: أنّ مُقتضى الأمر الوجوب.
الثّاني: أنّ النّبيّ سُئِل عن حُكم هذا اللّحم، فأجاب بالأمر بالوضوء منه، فلا يجوز حمله على غير الوجوب، لأنّه يكون تلبيساً على السّائل، لا جواباً.
الثّالث: أنّه قَرَنه بالنّهي عن الوضوء من لحوم الغنم، والمُراد بالنّهي ها هُنا نَفي الإيجاب لا التّحريم، فيتعيّن حملُ الأمر على الإيجاب، ليحصُل الفرق.
وأمّا الثّاني فلا يصحّ، لوجوه أربعة:
أحدُها: أنّه يلزم منه حمل الأمر على الاستحباب، فإنّ غسل اليد بمُفرده غير واجب، وقد بيّنا فساده.
الثّاني: أنّ الوضوء إذا جاء في لسان الشّرع وجب حَملُه على الوضوء الشّرعيّ، دون اللّغويّ، لأنّ الظّاهر منه أنّه إنّما يتكلّم بموضوعاته.
الثّالث: أنّه يَخرج جواباً لسؤال السّائل عن حُكم الوضوء من لحومها، والصّلاة في مباركها، فلا يُفهم من ذلك سِوى الوضوء المراد للصّلاة.
الرّابع: أنّه لو أراد غَسل اليد لمّا فرّق بينه وبين لحم الغنم، فإنَّ غَسل اليد منها مُستحبّ، ولهذا قال:" من بات وفي يده ريح غَمَر، فأصابه شيءٌ فلا يَلومنّ إلّا نفسه "، وما ذكروه من زيادة الزُّهومة فأمرٌ يَسير لا يقتضي التّفريق. والله أعلم.
ثمّ لا بُدّ من دليل نَصرف به اللّفظ عن ظاهره، ويجب أن يكون الدّليل له من القوّة بقدر قُوّة الظّواهر المتروكة وأقوى منها، وليس لهم دليل، وقياسهم فاسد، فإنّه طرديّ لا معنى فيه، وانتفاء الحُكم في سائر المأكولات لانتِفاء المُقتضِي، لا لكونه مأكولاً، فلا أثر لكونه مأكولاً، ووجوده كعدمه.
ومن العجب أنّ مُخالفينا في هذه المسألة أوجبوا الوضوء بأحاديث ضعيفة، تخالف الأصول، فأبو حنيفة أوجبه بالقهقهة في الصّلاة دون خارجها بحديث من مراسيل أبي العالية، ومالك والشّافعيّ أوجباه بمسّ الذّكر بحديث مُختلف فيه، مُعارَض بمثله، دون مسّ بقيّة الأعضاء، وتركوا هذا الحديث الصحيح الذي لا مُعارض له، مع بُعده عن التّأويل، وقُوّة الدَّلالة فيه، لمُخالفته لقياس طَرديّ ". (المغني ج1/250-254)
وقال ابنُ حِبّان :" في سُؤال السّائل عن الوضوء من لحوم الإبل، وعن الصّلاة في أعطانها، وتفريق النّبيّ بين الجوابين، أرى البيان أنّه أراد الوضوء المفروض للصّلاة، دون غَسل اليدين، ولو كان ذلك غَسل اليدين من الغَمَر لاستوى فيه لحوم الإبل والغنم جميعاً، وقد كان تركُ الوضوء ممّا مسّت النّار، وبقي المسلمون عليه مُدّة، ثمّ نُسِخ ذلك، وبقي لحوم الإبل مُستثنىً من جُملة ما أُبيح بعد الحظر الذي تقدّم ذِكرُنا له ". (صحيح ابن حبّان ج3/410-411)
واحتجّ من قال بالنّقض بحديث جابر بن سَمُرَة :" أنّ رجلاً سأل الرّسول :" أأتوضأُ من لُحوم الغنم؟ " قال: " إن شئت فتوضّأ، وإن شئت فلا توضّأ ". قال:" أتوضّأ من لُحوم الإبل؟ " قال: " نعم فتوضّأ من لحوم الإبل ". رواه مسلم برقم 360.
وبحديثه أيضاً، قال: " كُنّا نتوضّأ من لحوم الإبل ولا نتوضّأ من لُحوم الغنم ". رواه ابن أبي شَيْبَة وصحّحه الألبانيّ في تمام المنّة ص 106. وبحديث البراء بن عازب قال:"سُئل رسول اللّه عن الوضوء من لحوم الإبل؟ فقال: توضّؤوا منها. وسُئل عن الوضوء من لحوم الغنم فقال: لا توضّؤوا منها ". رواه التّرمذيّ برقم 81، وقال وفي الباب عن جابر بن سَمُرة، وأُسَيد بن حُضَير. (جامع التّرمذيّ مع موسوعة الحديث ص 1639) والحديث صحّحه ابنُ خُزيمة كما ذكر الحافظ في التّلخيص ج1/328، وصحّحه أحمد، وإسحاق، كما ذكر النوويُّ في شرح مسلم ج4/49.
وقال البيهقيّ :" حَكى بعضُ أصحابنا عن الشّافعيّ، قال: إن صحّ الحديث في لحوم الإبل قُلت به. قال البيهقيّ: قد صحّ فيه حديثان: حديث جابر بن سمرة، وحديث البراء، قاله أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه ". (تلخيص الحَبير ج1/328-329)
قال التّرمذيّ :" وهو قول أحمد وإسحاق ". (جامع التّرمذيّ مع موسوعة الحديث ص1639).
ومشهور مذهب الحنابلة، أنّ الحكم خاصّ باللّحم فقط وهو الهَبر، بخلاف الكَرش، والكبد، والشّحم، والأمعاء، ونحوها، لأنّ النّصّ لم يتناولها، ولأنّها لاتدخل تحت مُسمّى اللّحم، وهو اختيار الأكثرين من الحنابلة، كما قال الزَّركشيّ. قال منصور البُهوتيّ :" والسّابع: أكل اللَّحم خاصّةً من الجَزور، أي: فلا تَنقُض بقيّةُ أجزائها كالكبد، وشُربُ لبنها، ومَرَقُ لحمها، وسواءٌ كان نِيّاً أو مطبوخاً ". (الرّوض المربع ج1/118)
وذهب آخرون منهم إلى أنّ الكلّ ينقُض، واختاره عبد الرّحمن السّعدي، كما في المُختارات الجلِيّة ص17، وابن باز، والعُثيمين، حيث قال :" الصّحيح أنّه لا فرق بين الهَبر وبقية الأجزاء". (الاختيارات ص35).
ودليله: أنّ اللّه-تعالى- لمّا حرّم لحم الخنزير، كان تحريماً لجُملته، فهكذا هُنا، ولو كان الحكم يختلف لبيّنه الرّسول وهو يعلم أنّ النّاس يأكلون من هذا وهذا، فلمّا لم يُفصِّل دلّ هذا على العُموم، وهو أقوى.
يتبيّن ممّا سبق من الأدلّة أنّ المذهب الصحيح هو مذهب جابر بن سمُرة، وأحمد، وإسحاق، ومحمّد بن إسحاق، وأبو خَيثمة، ويحي بن يحي، وابن خزيمة، والبيهقيّ، وابن المنذر، وابن حزم، والنوويّ، والقاضي ابن العربيّ المالكيّ، وعامّة أهل الحديث.
10- النّوم: واختلف العلماء فيه على أقوال: قال النوويّ :" اختلف العلماء فيها على مذاهب:
أحدها: أنّ النّوم لاينقض الوضوء على أيّ حال كان، وهذا مَحكيّ عن أبي موسى الأشعريّ، وسعيد بن المُسيّب، وأبي مِجلَز، وحميد الأعرج، وشُعبة.
والمذهب الثّاني: أنّ النّوم ينقض الوضوء بكلّ حال، وهو مذهب الحسن البصريّ، والمُزنيّ، وأبي القاسم بن سلام، وإسحاق بن راهويه، وهو قول غريب للشّافعيّ، قال ابن المُنذر: وبه أقول، قال: ورُوي معناه عن ابن عبّاس، وأنس، وأبي هريرة.
والمذهب الثّالث: أنّ كثير النوم ينقُض بكل حال، وقليله لا ينقُض بحال، وهذا مذهب الزُّهريّ، وربيعة، والأوزاعيّ، ومالك، وأحمد في إحدى الرِّوايتين عنه.
والمذهب الرّابع: أنّه إذا نام على هيئة من هيئات المصلّين، كالرّاكع، والسّاجد، والقائم، والقاعد، لا ينتقض وضوؤه، سواءٌ كان في الصّلاة أو لم يكن، وإن نام مُضطجِعاً أو مُستلقِياً على قَفاه انتقض، وهذا مذهب أبي حنيفة، وداود، وهو قول للشّافعيّ غريب.
والمذهب الخامس: أنّه لا ينقض إلّا نوم الرّاكع والسّاجد، رُوي هذا عن أحمد بن حنبل .
والمذهب السّادس: أنّه لا ينقض إلّا نوم السّاجد، ورُوي أيضاً عن أحمد .
والمذهب السّابع: أنّه لا ينقض النّومُ في الصّلاة بكلّ حال، وينقض خارج الصّلاة، وهو قول ضعيف للشّافعيّ .
والمذهب الثّامن: أنّه إذا نام جالساً مُمَكِّناً مقعدته من الأرض لم ينتقض، وإلّا انتقض، سواءٌ قلّ أو كثُر، وسواء كان في الصّلاة أو خارجها، وهذا مذهب الشّافعيّ، وعنده أنّ النّوم ليس حَدَثاً في نفسه، وإنّما هو دليلٌ على خروج الرّيح، فإذا نام غير مُمَكِّن المقعدة غلب على الظنّ خُروج الرّيح، فجعل الشَّرعُ هذا الغالب كالمُحقَّق، وأمّا إذا كان مُمَكِّناً، فلا يغلب على الظنّ الخروج، والأصلُ بقاء الطّهارة، وقد وردت أحاديث كثيرة في هذه المسألة يُستدلُّ بها لهذه المذاهب ". (شرح مسلم ج4/73-78)
قال النوويّ :" احتجّ لأبي موسى ومُوافقيه بقوله تعالى {إذا قمتم إلى الصّلاة فاغسلوا وجوهكم} المائدة: 6 إلى آخر الآية، فذكر سُبحانه نواقض الوضوء ولم يذكر النّوم، وبحديث أبي هريرة المُتقدّم:" لاوضوء إلّا من صوت أو ريح "، قالوا: ولأنّا أجمعنا نحن وأنتم على أنّ النّوم ليس حَدثاً في عينه، وأنتم أوجبتم الوضوءَ لاحتمال خُروج الرّيح، والأصلُ عدمه فلا يجب الوضوء بالشّكّ.
واحتجّ أصحابنا بحديث عليّ :" العَينان وِكاءُ السَّه فمن نام فليتوضّأ "، وهو حديث حسن كما سبق بيانه، وبحديث صفوان:" لكن من غائط أو بول أو نوم "، وفي المسألة أحاديث كثيرة، ولأنّ النّائم غير المُمكِّن يخرج منه الرّيح غالباً، فأقام الشّرعُ هذا الظّاهر مقام اليقين، كما أقام شهادة الشّاهدين التي تُفيد الظّنّ مقام اليقين في شُغل الذمّة.
وأمّ الجواب عن احتجاجهم بالآية فمن وجهين: أحدهما: أنّ جماعة المفسّرين قالوا وردت الآية في النّوم، أي إذا قمتم إلى الصّلاة من النّوم فاغسلوا وجوهكم. حكاه الشّافعيّ في الأُمّ عن بعض أهل العلم بالقرآن قال: ولا أراه إلّا كما قال.
الثّاني: أنّ الآية ذُكر فيها بعض النّواقض وبيّنت السُّنّة الباقي، ولهذا لم يذكر البول وهو حَدَث بالإجماع.
وأمّا الجواب عن حديث أبي هريرة فهو أنّه ورد في دفع الشّكّ لا في بيان أعيان ةالأحداث وحصرها، ولهذا لم يذكر فيه البول والغائط وزوال العقل، وهي أحداث يلإجماع، ونظيره حديث عبد الله بن زيد الذي قدّمناه في شرح أوّل الفصل:" لاينصرف حتّى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ".
وأمّا قولهم: خُروج الخارج مَشكوك فيه، فجوابه ما قدّمناه أنّ الشّرع جعل هذا الظّاهر كاليقين، كما جعل شهادة الشّاهدين كاليقين. والله أعلم.
واحتجّ من قال: ينقض بكلّ حال بعُموم حديثي عليّ، وصفوان، وبالقياس على الإغماء.
واحتجّ أصحابُنا بحديث أنس:" كان أصحاب رسول الله يناغمون ثمّ يصلّون ولا يتوضّأون "، وهو صحيح ذكرناه بطُرُقه في أوّل الفصل.
وعن أنس ﵁ قال:" أُفيمت صلان العشاء. فقال رجل: لي حاجة فقام النّبيّ يُناجيه حتّى نام القوم أو بعض القوم، ثمّ صلّوا "، وفي رواية:" حتّى نام أصحابه، ثمّ جاء فصلّى بهم "، رواهما مسلم في صحيحه، وعن ابن عمر :" أنّ النّبيّ شُغِل ليلة عن العشاء فأخّرها حتّى رقدنا في المسجد، ثمّ استيقظنا، ثمّ خرج علينا ".
وعن ابن عبّاس :" أعتم رسول الله بالعشاء حتّى رقدنا ورقد النّاس واستيقظوا ورقدوا واستيقظوا "، روى البخاريُّ في صحيحه هذين الحديثين بهذا اللّفظ، وظاهرهما أنّهم صلّوا بذلك الوضوء. وروى مالك، والشّافعيّ، بإسناد صحيح أنّ ابن عمر كان ينام، وهو جاس، ثمّ يُصلِّي، ولا يتوضّأ. وروى البيهقيّ، وغيره معناه عن ابن عبّاس، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة، وأبي أُمامة ، فهذه دلائل ظاهرة من الأحاديث الصّحيحة والآثار.
وأمّا الجواب عن حديث عليّ، وصفوان فهو أنّه محمول على نوم غير المُمكّشن، وهذا يتعيّن المصير إليه للجمع بين الأحاديث الصّحيحة.
وأمّا قياسهم على الإغماء، فالفرق ظاهر، لأنّ المُغمَى عليه ذاهب العقل لا يحسّ بشيء أصلاً، والنّائم يحسُّ، ولهذا إذا صِيح به تنبَّه.
واحتجّ من قال: ينقض كثيرُ النّوم كيف كان دون قليله بحديث أنس :" أنّهم كانوا ينامون فتَخفِق رؤوسُهم "، وهذا يكون في النّوم القليل، ولأنّه مع الاستثقال يغلب خروج الخارج بخلاف القليل.
واحتجّ أصحابُنا بالأحاديث السّابقة وليس فيها فرق بين القليل والكثير.
والجواب عن حديث أنس أنّ قد بيّنا أنّه حُجّة لنا وليس فيه فرق بين قليله وكثيره، ودعواهم أنّ خَفقَ الرُّؤوس إنّما يكون في القليل لا يُقبل، وأمّا المُغمى عليه الذي ذكروه فلا نُسّلمه، لأنّ النّوم إمّا أن يُجعل حدثاً في عينه كالإغماء، وهم لا يقولون به، وإمّا دليلاً على الخارج، وحينئذ إنّما تظهر دلالتُه إذا لم يكن المحلُّ مُمكِّناً، وأمّا المُتمكِّن فيبعد خروجه منه، ولا يحسُّ به، فلا ينتقض بالوهم.
واحتجّ من قال لا ينقض النّوم على هيئة من هيئات الصّلاة بما رواه أبو خالد الدَّالاني، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عبّاس، قال: قال النّبيّ :" إنّما الوضوء على من نام مُضطجِعاً، فإنّه إذا اضطجع استرخت مَفاصِلُه "، وبحديث حُذيفة الذي قدّمناه أنّه نام جالساً، فقال: يا رسول الله أمن هذا الوضوء؟ قال:" لا حتّى تضع جَنبك على الأرض ".
واحتجّ أصحابنا بالأحاديث الصّحيحة السّابقة كحديث عليّ، وصفوان، وغيرهما من غير تعرُّض لهذا الفرق الذي زعموه، ولا أصلَ له، ولأنّه نام غير ممكَّن مقعده من الأرض فأشبه المُضطجع، ولأنّا اتّفقنا نحن وهم على أنّ النّوم ليس حَدثاً في عينه، وإنّما هو دليل للخارج، فضبطناه نحن بضابط صحيح جاءت به السُّنّة، ومُناسبته ظاهرة، وضبطوه بما لا أصل له ولا معنى يقتضيه، فإنّ السّاجدَ والرّاكعَ كالمُضطجع، ولا فرق بينهما في خُروج الخارج.
وأمّا حديثُ الدّالاني فجوابه أنّه حديثٌ ضعيف باتّفاق أهل الحديث، ومِمّن صرّح بضعفه من المُتقدّمين أحمد بن حنبل، والبخاريّ، وأبو داود، قال أبو داود، وإبرهيم الحربيّ: هو حديث مُنكر، ونقل إمامُ الحرمين في كتابه الأساليب إجماعَ أهل الحديث على ضعفه، وهو كما قال، والضّعفُ عليه بيِّن.
وأمّا حديث حُذيفة فضعيف أيضاً كما سبق بيانه.
واحتجّ من قال: لا ينتقض وضوءُ النّائم في الصّلاة كيف كان بحديث المُباهاة، وهو مارُوي عنه أنّه قال:" إذا نام العبدُ في صلاته باهَى اللهُ به ملائكته، يقول انظروا إلى عبدي روحُه عندي وجسدُه بين يدي "، ولأنّ الحاجة تدعو إليه ولا يُمكن لمجتهد ونحوه الاحترازُ منه إلّا بعُسر، فعُفي عنه كما عُفي عن أشياء كثيرة في الصّلاة للحاجة.
واحتجّ أصحابنا بما احتجّوا به على القائلين: لا ينقض النّوم على هيئة المصلّي، وأجابوا عن حديث المُباهاة بما سبق من الاتّفاق على ضعفه، ولو صحّ لكان تسميته ساجداً باسم ما كان عليه، فمَدَحه على مُكابدة العبادة.
وأمّا المعنى الذي ذكروه فلا يُقبل، لأنّ الأحداث لا تثبت إلّا توقيفاً، وكذا العفو عنها.
فحصل في هذه المسألة جُمل من الأحاديث جمعنا بَينَها ولم نرُدَّ منها صحيحاً، ولله الحمد، وهو أعلم بالصّواب ". (المجموع ج 2/20-24 بتصرُّف)
وأيّد النوويَ الشّوكانيُّ في نيل الأوطار، فقال:" وهذا أقرب المذهب عندي، وبه تجتمع الأدلّة. وقوله: إنّ النّوم ليس حدثا في نفسه هو الظّاهر. وحديث الباب-أي صفوان- وإن أشعر بأنّه من الأحداث باعتبار اقترانه بما هو حَدث بالإجماع فلا يخفى ضعفُ دلالة الاقتران وسُقوطها عن الاعتبار عند أئمّة الأصول، والتّصريح بأنّ النّوم مَظِنّة استطلاق الوِكاء، كما في حديث مُعاوية، واسترخاء المفاصل كما في حديث ابن عبّاس مُشعر أتمّ إشعار بنفي كونه حدثاً في نفسه، وحديث" إنّ الصّحابة كانوا على عهد رسول الله ينامون ثمّ يصلّون ولا يتوضّؤون " من المُؤيِّدات لذلك، ويَبعُد جَهلُ الجميع منهم كونه ناقضاً.
والأصل أنّ الأحاديث المُطلقة في النّوم تُحمل على المُقيَّدة بالاضطجاع، وقد جاء في بعض الرِّوايات بلفظ الحصر، والمَقال الذي فيه مُنجبر بما له من الطُّرُق والشّواهد وسيأتي. ومن المؤيّدات لهذا الجمع حديث ابن عبّاس الآتي بلفظ:" فجعلتُ إذا أغفيت يأخذ بشَحمة أُذني "، وحديث:" إذا نام العبد في صلاته باهى الله به ملائكته " أخرجه الدّارقطنيُّ، وابنُ شاهين، من حديث أبي هريرة، والبيهقيُّ من حديث أنس، وابنُ شاهين أيضاً من حديث أبي سعيد، وفي جميع طُرقه مقال، وحديث:" من استحقّ النّوم وجب عليه الوضوء " عند البيهقيّ من حدبث أبي هريرة بإسناد صحيح، ولكنّه قال البيهقيُّ: رُوي ذلك مرفوعاً ولا يصحّ، وقال الدّراقطنيُّ: وقفه أصحّ، وقد فُسِّر استحقاق النّوم بوضعالجَنب ". (نيل الأوطار ج1/242)
وأيّده أيضاً محمّد عليّ الإتيوبيّ في ذخيرة العُقبى ج3/348، والبحر المُحيط ج8/536.
وقال عُبيد الله المُبارَكفوريّ :" واعلم أنّه اختلف النّاسُ في انتقاض الوضوء بالنّوم على أقوال ثمانية، ذكرها النوويّ في شرح مسلم، وتبعه غيره، وهذه الأقوال ترجع إلى ثلاثة:
الأوّل: أنّ النّوم ينقض الوضوء مطلقاً على كلّ حال قليله وكثيره.
والثّاني: أنّه لاينقض مُطلقاً.
والثّالث: الفرق بين قليل النّوم وكثيره، وهو قولُ فقهاء الأمصار، والصّحابة الكبار، والتّابعين، وهو قول الأئمّة الأربعة، وهذا هو الحقّ، فالنّوم ليس بحدث، أي: ليس بناقض للوضوء بنفسه، بل لأنّه سبب لاسترخاء المفاصل الدّاعي للخُروج عادة. ثُمّ اختلف هؤلاء في بيان قَدر القليل والكثير، وتحديد النّوم المُعتبر في نقض الوضوء، وتعيين المقدار الذي يكون سبباً لاسترخاء المفاصل، ولا يبقى فيه الشُّعور والإحساس ويُغلب فيه العقل، على أقوال كثيرة ليس هذا محلّ بسطها، إن شئت الوقوف عليها فارجع إلى شرح مسلم للنوويّ، وشرح التّرمذيّ لابن العربيّ، والمُغني لابن قُدامة المقدسيّ.
والرّاجح عندي: أنّ النّومَ المُستغرق الذي لا يبقى معه إدراكٌ ناقضٌ سواء كان من المُضطجع والمُستلقي أو غيرهما، فالاستغراقُ والغَلبة على العقل هو المَلاك عندي، فإذا حصل ذلك انتقض الوضوء على أيّ هيئة كان النّائم، ولا يُقصر الحكمُ على هيئة الاضطجاع كما يدلُّ عليه حديثُ ابن عبّاس، فإنّه ضعيف، ولا ينتقض الوضوء بنوم المُضطجع إن كان النّوم غير مُستغرق ". (المِرعاة ج2/167-168)
وهذا التّفريق بين النّوم المُستغرق وغير المُستغرق، سواء كان من قاعد، أو قائم، أو مُضطجع، هو اختيار ابن تيمية، كما في الاختيارات ص37، وابنُ باز، حيث قال :" النُّعاسُ لاينتقض به الوضوء، وإنّما ينتقض بالنّوم الذي لا يبقى مع صاحبه شعور بمن حوله ". (مجموع الفتاوى ج10/143) وابن عُثيمين، حيث قال :" أمّا النّومُ اليسير الذي لو أحدث النّائمُ لأحسّ بنفسه، فإنّ هذا النّوم لا ينقض الوضوء، سواء كان من مُضطجعٍ أو قاعدٍ أو مُتكِّئٍ أو أيّ حال من الأحوال ". (مجموع فتاوى ورسائل ج11/200)
قال ابنُ قُدامة :" واختلف أصحابُنا في تحديد الكثير من النّوم الذي ينقُض الوضوء، فقال القاضي: ليس للقليل حدٌّ يُرجع إليه، وهو على ما جرت به العادة. وقيل: حَدُّ الكثير ما يتغيَّر به النّائمُ عن هيئته، مثل أن يسقُط على الأرض، ومنها أن يرى حُلماً. والصّحيح: أنّه لا حدَّ له، لأنّ التّحديد إنّما يُعلم بتوقيف، ولا توقيف في هذا، فمتى وجدنا ما يدلّ على الكثرة، مثل سقوطِ المُتمكِّن وغيره، انتقض وضوؤه، لأنّ الطّهارة مُتيَقَّنةٌ، فلا تزول بالشَّكّ ". (المغني ج1/237)
وقال المازَرِيّ :" النّوم الخفيف: هو الذي لا يُذهب العقل ويشعر صاحبه بأدنى سبب، والثَّقيل هو الذي يُذهب العقل، ولا يشعر صاحبه بالصّوت المُرتفع ". (منح العَليّ في شرح كتاب الأخضريّ ص 139)
وقال القرافيّ :" الفرق بين السِنة، والغَفوة، والنّوم: أنّ الأبخِرة مُتصاعدة على الدَّوام من الجسد إلى الدِّماغ، فمتى صادفت منه فُتوراً أو إعياءً استولت عليه، وهو مَعدن الحسّ والحركة، فيحصل فيه فُتور، وهو السِنة، فإن عمَّ الاستيلاءُ حاسّة البصر فهو غفوة، وإن عمَّ جميع الجسد فهو نوم مُستثقل.
والأوّلان لا وُضوء فيهما، لما في مُسلم: كان أصحاب النّبيّ ينامون، ثمّ يُصلّون، ولا يتوضّؤون. ومنه-أيضاً-: أعتم النّبيُّ ذات ليلة بالعشاء حتّى رقد النّاس، واستيقظوا، ورقدوا واستيقظوا، فقام عمرُ ﵁ وقال: الصّلاة، والأحاديث الصّحيحة في هذا كثيرة ". (الذّخيرة ج1/226-227)
واختار الإمام ناصر الدّين الألبانيّ أنّ النّوم ناقض مُطلقاً، وهو مذهب أبي عُبيد، وإسحاق، وابن المنذر، وابن حزم، حيث قال :" فالحقُّ أنّ النّومَ ناقضٌ مُطلقاً، ولا دليل يصلح لتقييد حديث صفوان، بل يؤيّده حديث عليّ مرفوعاً:"...وكاء السَّه العَينان، فمن نام فليتوضّأ "، وإسناده حسن، كما قال المُنذريّ، والنوويّ، وابن الصّلاح، وقد بيّنته في صحيح أبي داود 198، فقد أمر كلَّ نائم أن يتوضّأ.
ولا يُعكّر على عمومه-كما ظنّ البعضُ- أنّ الحديث أشار إلى أنّ النّوم ليس ناقضاً في نفسه، بل هو مَظِنَّة خُروج شيء من الإنسان في هذه الحالة فإنّا نقول: لمّا كان الأمر كذلك، أمر كلَّ نائم أن يتوضّأ، ولو كان مُتمكّناً، لأنّه أخبر أنّ العَينين وِكاءُ السَّه، فإذا نامت العينان انطلق الوِكاء، كما في حديث آخر، والمُتمَكِّنُ نائم، فقد ينطلق وِكاؤه، ولو في بعض الأحوال، كأن يميل يميناً أو يساراً، فاقتضت الحكمةُ أن يُؤمرَ بوضوء كلّ نائم، والله أعلم.
وما اخترناه هو مذهب ابن حزم. (الموسوعة الفقهية ج1/124)
بل هناك أدلّة كثيرة تردّ هذا القول كحديث أنس :" كان أصحاب رسول الله ينامونه، ثمّ يصلّون، ولا يتوضّؤون ". رواه مسلم برقم 376، وفي رواية أبي داود برقم 200:" حتّى تَخفِق رؤوسُهم ". وحديثه عند مسلم برقم 376:" أُقيمت الصّلاة، ورسول الله يُناجِي الرّجُلَ، فما قام إلى الصّلاة حتّى نام القوم ".
وحديث أنس، قال:" لقد رأيت أصحاب رسول الله يوقظون للصّلاة، حتّى إنّي لأسمع لأحدهم غطيطاً، ثمّ يُصلّون، ولا يتوضّؤون ". رواه الدّارقطنيُّ برقم 474، وصحّحه، وصحّحه الأرناؤوط. ولا يعكر هذا الحديث على أصحاب مذهب التّفريق، لأنّنا نقول إنّ الإيقاظ والغطيط قد يوجد ممّن هو في مبادئ نومه، ولا يلزم من ذلك أن يكون مُستغرقاً.
فمذهب التّفريق بين النّوم المسغرق وغير المُستغرق، تجتمع فيه الأدلّة، وبالتّالي يترجّح على غيره من المذاهب الأخرى.
فائدة: قال النوويّ :" كان من خصائص النّبيّ أنّه لا ينتقض وضوؤه بالنّوم مُضطجعاً للأحاديث الصّحيحة، منها حديث ابن عبّاس في الصّحيحين:" أنّه نام حتّى سُمع غَطيطه، ثمّ صلّى ولم يتوضّأ "، وقال :" إنّ عيني تنامان ولا ينام قلبي ".
فإن قيل: هذا مُخالفٌ للحديث الصّحيح:" أنّ النّبيّ نام في الوادي عن صلاة الصُّبح حتّى طلعت الشّمسُ، ولو كان غيرَ نائم القلب لما تَرك صلاة الصُّبح، فجوابه من وجهين: أحدُهُما: وهو المشهور في كُتب المُحدِّثين، والفقهاء، أنّه لا مُخالفة بينهما، فإنّ القلبَ يَقظان يحُسُّ بالحدث، وغيره مِمّا يتعلّقُ بالبدن ويشعُر به القلب، وليس طُلوع الفجر والشّمس من ذلك، ولا هو مِمّا يُدركُ بالقلب، وإنّما يُدرك بالعين، وهي نائمة.
والجواب الثّاني: حكاه الشّيخ أبو حامد في تعليقه في هذا الباب عن بعض أصحابنا، قال: كان للنّبيّ نومان: أحدُهما: ينام قلبُه وعينُه، والثّاني: عينه دون قلبه، فكان نومُ الوادي من النّوع الأوّل. الله أعلم ". (المجموع ج2/24) وكذا ذَكر بدر الدّين العَينيّ في البِناية ج1/284-285.
11- مسائل اختلف فيها العُلماء والرّاجح أنّها لا تنقض الوضوء:
لـمس الـمرأة إن لم يخرج منه شيء: ودليله حديث عائشة :" أنّ النّبيّ قبّلها ولم يتوضّأ ". رواه أبو داود برقم 178 وصحّحه الألبانيّ في أبي داود برقم 164.
وحديث عائشة :" أنّ النّبيّ قبّل بعض أزواجه ثمّ خرج إلى الصّلاة ولم يتوضّأ «. رواه أبو داود برقم 179، والتّرمذيّ برقم 86، والنَّسائيّ برقم 170، وصحّحه أحمد شاكر، والألبانيّ في صحيح الجامع برقم 4997، ومحمّد عليّ الإتيوبيّ في ذخيرة العقبى ج4/23.
وحديث عائشة :" فقدتُ رسول الله ليلة من الفِراش فالتَمستُه فوقعت يَدي على بطن قَدمه، وهو في المسجد، وهُما منصوبتان، وهو يقول: اللّهمّ أعوذ برضاك من سخطك، إلى آخر الدُّعاء "، رواه مسلم برقم 486. قال الشّوكانيّ:" والاعتذارُ عن حديث عائشة في لمسها لقدمه ، بما ذكره ابنُ حجر في الفتح من أنّ اللَّمسَ يحتمِل أنّه كان بحائل أو على أنّ ذلك خاصّ به تَكلُّفٌ ومُخالفةٌ للظّاهر". (نيل الأوطار ج 1/246) وقال عُبيدُ الله المُبارَكفوريّ:" واعتذارُ الحافظ في الفتح عن حديثها هذا، بأنّه يحتمِل أنّه بحائل، أو أنّه خاصٌّ به تكلُّفٌ ومُخالَفةٌ للظّاهر، لأنّ الخُصوصية لا تَثبُت إلّا بدليل، واحتمال الحائل لا يُفكّر فيه إلّا مُقلِّدٌ مُتعصِّبٌ لإمامه ". (المِرعاة ج2/177) وبه قال عليّ، وابن عبّاس ، وعطاء، وطاوُس، والحسن، ومسروق، وسُفيان الثّوريّ، وأبو حنيفة، ورواية عن أحمد، اختارها ابنُ تيميةكما في مجموع الفتاوى ج2/235، وابن باز، حيث قال :"مسّ المرأة لا ينقض الوضوء، سواء كان عن شهوة، أو غير شهوة" (الاختيارات ص 33)، وابنُ عُثيمين، حيث قال :" الصّحيح أنّ مسَّ المرأة لا ينقض الوضوء مُطلقاً إلّا إذا خرج منه شيء..". (مجموع فتاوى ورسائل ج11/201) وقيل: ينقض إن مَسّها بلا حائل. وقيل: ينقض إن مسّها بشهوة، وهو قول مالك، والمذهب عند الحنابلة. وقيل: إن لَـمسَ من يحلُّ له لم ينقض وإن لـمس من تحَرُم عليه انتقض. وقيل: ينقض مُطلقاً، وهو المذهب عند الشّافعية، ورواية عن أحمد.
قال النوويّ :" في مذاهب العلماء في اللّمس قد ذكرنا أنّ مذهبنا أنّ التقاء بَشرَتي الأجنبيّ والأجنبيّة ينقض الوضوء، سواء أكان بشهوة أم لا، ولاينتقض مع وجود حائل وإن كان رقيقاً. وبهذا قال عمر بن الخطّاب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وزيد بن أسلم، ومكحول، والشَّعبيّ، والنَّخَعيّ، وعطاء بن السّائب، والزُّهريّ، ويحي بن سعيد الأنصاريّ، وربيعة، وسعيد بن عبد العزيز، وهي إحدى الرِّوايتين عن الأوزاعيّ.
والمذهب الثّاني: لاينتقض الوضوء باللّمس مُطلقاً، وهو مَرويّ عن ابن عبّاس، وعطاء، وطاوس، ومسروق، والحسن، وسُفيان الثّوريّ، وبه قال أبو حنيفة، لكنّه قال: إذا باشرها دون الفَرج وانتشر فعليه الوضوء.
المذهب الثّالث: إن لَمَس بشهوة انتقض وإلّا فلا، وهو مَرويّ عن الحَكَم، وحمّاد، ومالك، واللّيث، وإسحاق، ورواية عن الشَّعبيّ، والنّخعيّ، وربيعة، والثّوريّ، وعن أحمد ثلاث روايات كالمذاهب الثّلاثة.
المذهب الرّابع: إن لَمس عمداً انتقض وإلّا فلا، وهو مذهب داود، وخالفه ابنه فقال: لا ينتقض بحال.
والخامس: إن لَمس بأعضاء الوضوء انتقض وإلّا فلا، حكاه صاحب الحاوِي عن الأوزاعيّ، وحكى عنه أنّه لا ينقض إلّا اللّمس باليد.
السّادس: إن لَمس بشهوة انتقض، وإن لَمس فوق حائل رقيق، حُكي عن ربيعة، ومالك في رواية عنهما.
السّابع: إن لَمس من تحِلُّ له لم ينتقض، وإن لمس من تَحرُم عليه انتقض، حكاه ابن المنذر، وصاحب الحاوِي عن عطاء، وهذا خلاف ما حكاه الجمهور عنه، ولا يصِحُّ عن أحد إن شاء الله ". (المجموع ج2/34)
قال ابنُ قُدامة :" ولأنّ الوُجوب من الشّرع، ولم يرِد بهذا شرعٌ، ولا هو في معنى ما ورد الشّرعُ به، وقوله: {أو لامستُم النّساء} المائدة:6، أراد به الجماع، بدليل أنّ المسّ أُريد به الجماع فكذلك اللّمس، ولأنّه ذكره بلفظ المُفاعلة، والمُفاعلة لا تكون من أقلّ من اثنين ". (المغني ج1/257)
وقال بدر الدّين العَينيّ :" قلنا إنّ معنى لامستُم: جامعتُم، لأنّه هو المُتعارف بين أهل اللُّغة ". (مِنحة السُّلوك ص67)
وقال عُبيد الله المُبارَكفوريّ :" وما رواه النّسائيّ عنها قالت: إن كان رسول الله ليُصلّي، وإنّي لمُعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، حتّى إذا أراد أن يوتِر مَسَّني برِجله. قال الحافظ في التّلخيص: إسناده صحيح، وقال الزّيلَعِيُّ في نَصب الرّاية: إسناده على شرط الصّحيح. زما رواه مسلم، والتِّرمذيّ عنها: قالت: فقدتُ رسول الله ليلة من الفِراش فالتمستُه، فوضعتُ يدي على باطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان...الحديث.
وفي الباب أحاديث أُخرى ذكرها الزَّيلَعيّ في نصب الرّاية، وهذه الأحاديث تدُلُّ على أنّ لبمُراد بالمُلامسة من قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿أو لامستم النّساء فلم تجدوا ماء﴾ المائدة: 6 الجِماع دون غيره من معاني اللّمس، وبه فَسَّر ابنُ عبّاس، وعليٌّ ، ورجَّحه ابنُ جَرير في تفسيره حيث قال: هو أولى القولين في ذلك بالصّواب، لصِحّة الخبر عن رسول الله : أنّه قَبل بعض نِسائه ثمّ صلّى ولم يتوضّأ ". (المِرعاة ج2/177-178)
خروج الدّم لجُرح أو حِجامة أو رُعاف: دليله: حديث جابر أنّ النّبيّ كان في غزوة ذات الرِّقاع فرُمي رجلٌ بسهمٍ فنزفه الدّم فركع وسجد ومضى في صلاته ". رواه أبو داود برقم 198، وأحمد برقم 15026، والدّارقطنيّ برقم 869، وابنُ خُزيمة برقم 36، وابن حِبّان برقم 1096، وحسّنه النوويُّ في المجموع ج2/63، قال الشّوكانيُّ:" وصحّحه ابنُ خُزيمة، وابنُ حِبّان، والحاكم ". (السَّيل الجرّار ج1/98) وحسّنه الألبانيُّ في الصّحيحة برقم 300.
وما رواه البيهقيّ، عن ابن مسعود، وابن عبّاس، وابن عمر في ترك الوضوء من ذلك. (المجموع ج2/63)
وما رواه مالك:" أنّ عمر ﵁ صلّى وجُرحه يثْعبُ دماً ". - أي يجري دماً-. وصحّحه ابنُ حجر في الفتح ج1/287.
وقال ابن عبّاس :" فيمن يحتجم ليس عليه إلّا غسل محاجِمه ". رواه الشّافعيّ. (نيل الأوطار ج1/240).
وما رواه البُخاريُّ عن الحسن:" ما زال الـمسلمون يصلُّون في جراحاتهم ". باب من لم ير الوضوء إلّا من المَخرجين ". (صحيح البخاريّ مع موسوعة الحديث ص 17).
وللبراءة الأصلية، لأنّ الأصل بقاء الطّهارة ما لم يثبت ضدّها.
وبه قال ابن عُمر، وابنُ عبّاس، وابنُ أبي أوفى، وجابر، وأبو هريرة، وعائشة، وابنُ المُسيِّب، وسالم بن عبداللّه بن عمر، والقاسم بن محمّد، وطاوس، وعطاء، ومكحول، وربيعة، ومالك، والشّافعيّ، وأبوثور، وداود. قال البَغويُّ: وهو قول أكثر الصّحابة والتّابعين. (المجموع ج2/62)
وقالت الحنفيّة، والحنابلة، وسُفيان الثّوريّ، والأوزاعيّ، وإسحاق، إنّ الدّم الكثير ينقض الوضوء. قال الخطّابيّ : وهو قول أكثر الفُقهاء. (المجموع ج2/62) واحتجّوا بحديث عائشة أنّ رسول اللّه قال:" من أصابه قيءٌ، أو رُعافٌ، أو قَلَسٌ -أي القيء الذي لا يزيد على مِلْءِ الفم أو دونه-، أو مَذيٌ فلينصرف فليتوضّأ...". رواه ابن ماجة برقم 1221. والحديث ضعّفه أحمد، والشّافعيّ وابنُ مَعين، والدّارقطنيّ، والبوصَيريّ، وغيرُهم. قال الشّوكانيّ :" الحديث أعَلّه غيرُ واحد بأنّه من رِواية إسماعيل بن عَيّاش، عن ابن جُريج وهو حِجازيٌّ، ورواية إسماعيل عن الحِجازيين ضعيفة ". (نيل الأوطار ج1/238) وقال عُبيد الله المُباركفوريّ :" وفيه أنّ الحديث ضعيف، ضعّفه أحمد وغيره ". (المِرعاة ج2/191) وقال :" واستدلّوا بأحاديث أخرى كلّها ضعيفة ساقطة، لا تقوم بها حُجّة ". (المِرعاة ج2/191)
قال النوويّ :" وأحسن ما أعتقده في المسألة أنّ الأصل ألّا نقض حتّى يثبت بالشّرع، ولم يثبت، والقياسُ مُمتنع في هذا الباب، لأنّ علّة النّقض غيرُ معقولة ". (المجموع ج2/62) وقال ابن تيمية :" والأظهر في جميع هذه الأنواع: أنّها لا تنقض الوضوء، ولكن يُستحبّ الوضوءُ منها، فمن صلّى ولم يتوضّأ صحّت صلاتُه، ومن توضّأ منها فهو أفضل ". (مجموع الفتاوى ج21/222)
وقال الشّوكانيُّ :" ومعلوم أنّ النّبيّ قد اطّلع على ذلك، ولم يُنكِر عليه الاستمرار في الصّلاة بعد خروج الدّم، ولو كان الدّمُ ناقِضاً لبيَّن له ذلك ولمن معه في تلك الغزوة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وقد كان الصّحابة يخوضون المعارك حتّى تتلوّث أبدانُهم وثيابهُم بالدّم، ولم يُنقل أنّهم كانوا يتوضّؤون لذلك، ولا سُمِع عنهم أنّه ينقضُ الوضوء ". (السَّيل الجرّار ج1/191)
وقال محمّد المُباركفوريّ :" وذكر العلّامةُ العَينيُّ حديث جابر هذا في شرح الهداية من رواية سُنن أبي داود، وصحيح ابن حبّان، والدّارقطنيّ، والبيهقيّ، قال: وزاد فبلغ ذلك رسول الله فدعا لهما، قال: ولم يأمره بالوضوء ولا بإعادة الصّلاة ". (جامع التّرمذيّ مع التُّحفة ج1/258)
القيء قلّ أَوْ كثُر: قال أبو عيسى :" وقد رأى غيرُ واحد من أهل العلم من أصحاب النّبيّ وغيرهم من التّابعين: الوضوءَ من القَيءِ والرُّعاف. وهو قول سُفيان الثّوريّ، وابن المُبارك، وأحمد، وإسحاق.
وقال بعضُ أهل العلم: ليس في القَيء والرُّعاف وُضوء. وهو قول مالك، والشَّافعيّ ". (جامع التّرمذيّ مع التُّحفة ج1/256-257) وقال ابن تيميه :" قد تنازع العُلماءُ في خُروج النّجاسة من غير السّبيلين، كالجُرح والفِصاد والحِجامة والرُّعاف والقيء فمذهب مالك، والشّافعيّ: لا ينقض الوضوء، ومذهب أبي حنيفة، وأحمد: ينقض، لكن أحمد يقول: إذا كان كثيراً ". (مجموع الفتاوى ج21/222)
واحتجّ القائلون بالنّقض بحديث عائشة، وقد بيَّنا ضعفه، وبحديث مَعدان بن أبي طلحة، عن أبي الدَّرداء، وفيه:" أنّ رسول الله قاء فأفطر فتوضّأ، فلَقِيتُ ثَوبان في مسجد دِمشقَ، فذكرت ذلك له فقال: صدق، أنا صَبَبتُ له وَضوءَه ". رواه أبو داود برقم 2381، والتّرمذيّ برقم 87، وصحّحه الألبانيُّ في الإرواء برقم 111.
وقال عُبيد الله المُباركفوريّ :" واستدلّوا أيضاً بحديث أبي الدّرداء عند التّرمذيّ، وفيه:" قاءَ، فتوضّأ ". ولا حُجّة لهم فيه، لاحتمال أن تكون الفاءُ للتّعقيب فقط لا للسَّبَبِية، كما في قوله:" قاءَ فأفطرَ ". ولو سلِم أنّ الفاءَ للسّببية، لم تدلّ أيضاً على نقض الوضوء بالقَيء، لأنّه قد يتوضّأُ الإنسانُ بعده من أجل النّظافة وإزالة القَذر الذي يبقى في الفَم والأنف وعلى بعض الأعضاء، فالقيءُ سببٌ له، ولكنّه سببٌ عادِيٌّ طبيعيٌّ، ولا يكون سبباً شرعيّاً إلّا بنصٍّ صريحٍ من الشّارع.
والحاصل: أنّ وُجوب الوضوء أو نقض الوضوء لا يثبُتُ بالفعل فقط، لأنّ الفعل لا يدلُّ على الوجوب إلّا أن يفعله ويأمر النّاس بفعله، أو ينُصّ على أنّ هذا الفعل ناقض للوضوء ". (المِرعاة ج2/190-191)
وقال ناصر الدّين الألبانيُّ :" فالحديثُ لا يدلُّ على النَّقض إطلاقاً، لأنّه مُجرّد فعل منه ، والأصلُ أنّ الفِعل لا يدلُّ على الوجوب وغايته أن يدلَّ على مشروعية التّأسِّي به في ذلك، وأمّا الوجوب فلا بُدَّ له من دليل خاصٍّ، وهذا مِمّا لا وجود له هُنا. ولذلك ذهب كثيرٌ من المُحقّقين إلى أنّ القيءَ لا ينقض الوضوء، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى له وغيرها ". (الإرواء ج1/148)
فالرّاجح أنّ القيءَ والقَلَس لا ينقض الوضوء، لعدم وُجود دليل واضح يُعوّل عليه، فيبقى الأصلُ وهو عدمُ النَّقض إلّا بدليلٍ شرعيٍّ.
الضَّحك في الصّلاة: إن كان بقهقهة، لا ينتقض به الوضوء على الرّاجح من قولي أهل العلم. قال النوويُّ :" واختلف العُلماء في الضّحِك في الصّلاة إن كان بقهقهة، فمذهبُنا ومذهب جمهور العلماء أنّه لا ينقُض، وبه قال ابن مسعود، وجابر، وأبو موسى الأشعريّ، وهو قول جمهور التّابعين فمن بعدهمهم.
وروى البيهقيّ عن أبي الزِّناد قال: أدركتُ من فُقهائنا الذين يُنتهى إلى قولهم سعيد بن المُسيِّب، وعُروة بن الزُّبير، والقاسم بن محمّد، وأبابكر بن عبد الرّحمن، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبد الله بن عُبيد الله بن عُتبة، وسُليمان بن يَسار، ومَشيخة جُلَّة سواهم يقولون: الضّحكُ في الصّلاة ينقضها ولا ينقُضُ الوضوء. قال البيهقيّ: ورُوِّينا نحوه عن عطاء، والشّعبيّ، والزُّهريّ، وحكاه أصحابُنا عن مكحول، ومالك، وأحمد، وإسحاق، أبي ثور، داود.
وقال الحسنُ البصريّ، وإبراهيم النّخعيّ، وسُفيان الثّوريّ، وأبو حنيفة: ينقض الوضوء. وعن الأوزاعيّ روايتان، وأجمعوا أنّ الضّحكَ إذا لم يكن في قهقهة لا يبطل الوضوء، وعلى أنّ القهقهة خارجُ الصّلاة لا تنقض الوضوء.
واحتجّ القائلون بالنَّقض في الصّلاة بما رُوي عن أبي العالية، والحسن البصريّ، ومَعبد الجُهنيّ، وإبراهيم النّخعيّ، والزُّهريّ:" أنّ رجُلاً أعمى جاء والنّبيّ في الصّلاة فَتردَّى بماء في بئر، فضحِك طوائف من الصّحابة، فأمر النّبيّ مَن ضَحِك أن يُعيد الوضوء والصّلاة ".
وعن عِمران بن الحُصين، عن النّبيّ :" الضّحكُ في الصّلاة قَرقَرةٌ تُبطِل الصّلاة والوضوء ". ولأنّها عبادة يُبطِلُها الحَدَثُ فأبطلها الضّحكُ كالصّلاة.
واحتجّ أصحابُنا بحديث جابر-موقوفاً عنه- المذكور في الكتاب-وهو-:" الضّحك ينقض الصّلاة ولا ينقض الوضوء " وقد بيَّناه، وبأنّ الضّحك لو كان ناقضاً لنقَضَ في الصّلاة وغيرها كالحدث، لأنّها صلاة شرعيّة فلم ينقض الضّحكُ فيها الوضوء، كصلاة الجنازة فقد وافقوا عليها.
وذكر الأصحابُ أقيسةً كثيرة ومعاني، والمُعتمد أنّ الطّهارة صحيحة ونواقضُ الوضوء محصورة، فمن ادَّعى زيادة فليُثبِتها، ولم يثبُت في النّقض بالضّحك شيءٌ أصلاً.
وأمّا ما نقلوه عن أبي العالية ورُفقته، وعن عِمران وغير ذلك ممّا روَوه فَكلُّها ضعيفة واهية باتّفاق أهل الحديث. قالوا ولم يصحّ في هذه المسألة حديث. وقد بيَّن البيهقيُّ وغيرُه وُجوه ضَعفها بياناً شافِياً، فلا حاجةَ إلى الإطالة بتفصيله مع الاتّفاق على ضعفها.
وأمّا قياسهم فلا يصحُّ لأنّ الأحداثَ لا تَثبُتُ قياساً، لأنّها غيرُ مَعقولة العِلّة كما سبق، ولو صحّ لكان مُنتقِضاً بغُسل الجنابة فإنّه يُبطله خروجُ المَنيّ ولا يُبطله الضّحِكُ في الصّلاة بالإجماع. قال ابن المنذر-بعد أن ذكر اختلاف العلماء فيه-: وبقَول من قال لا وضوء نقول، لأنّا لا نعلمُ لمن أوجب الوضوء حُجّة. قال: والقَذف في الصّلاة عند من خالفنا لا يُوجب الوضوء فالضّحكُ أولى. والله أعلم ". (المجموع ج2/70-71)
قال بدر الدّين العَينيّ :" قوله: والقهقهةُ في كلّ صلاة ذات ركوع وسجود: لقوله :" من ضَحِك منكم قهقهةً فليُعِد الوضوء والصّلاة "، رواه الشّيخ الإمام الحافظ أبو موسى المَدِينيّ في كتاب الأمالي.
القهقهة هي: أن يُسمَع لضحكه صوتٌ، بدت أسنانه أو لا، وهي تنقض الوضوء والصّلاة جميعاً، خِلافاً للشّافعيّ.
والضَّحك: وهو أن يُسمِع نفسه فقط: لا ينقض الوضوء، بل ينقض الصّلاة.
والتبسُّم: وهو ألّا يُسمِع نفسَه ولا غيرَه، لا ينقض الوضوء والصّلاة. قيَّدّ بقوله: ذات ركوع، وسجود، لأنّها لا تكون ناقضة في صلاة الجنازة ". (مِنحة السُّلوك ص 65)
والحديث الذي احتجّ به العَينيُّ ضعَّفه ابنُ حجر في الدِّراية تخريج أحاديث الهداية ج1/34
وقال ابن رُشد :" شذَّ أبو حنيفة فأوجب الوضوء من الضّحك في الصّلاة لِمُرسَل أبي العالية، وهو أنّ قوماً ضحكوا في الصّلاة فأمرهم النّبيّ بإعادة الوضوء والصّلاة، وردّ الجمهور هذا الحديث لكونه مُرسلاً، ولمُخالفته للأصول، وهو أن يكون شيءٌ ما ينقض الطّهارة في الصّلاة ولا ينقضها في غير الصّلاة، وهو مُرسلٌ صحيح ". (بداية المُجتهد ج1/80-81)
فائدة: قال النوويُّ :" قال ابنُ المُنذر في كتابه الإشراف، والإجماع، وابنُ الصبّاغ-أي في الشّامل-: أجمع العُلماء على أنّه لا يجب الوضوء من الكلام القَبيح، كالغيبةِ والقَذفِ وقولِ الزُّور وغيرِها ". (المجموع ج2/73)
الشَّكُّ في الحدث: الشّكُّ في الحدث مع تيقُّن الطّهارة، لاينقض الوضوء. قال النوويُّ :" في الفصل ثلاث مسائل:
إحداها: إذا تيقّن الحدث وشكَّ هل تطهَّر أم لا؟ فيلزمه الوضوء بالإجماع، ودليله مع الإجماع ما ذكره المصنِّفُ.
الثّانية: تيقَّنَ الطّهارة، وشكَّ في الحدث بنى على يقين الطّهارة، ولا يلزمه الوضوء، سواء حصل الشّكُّ، وهو في صلاة أو غيرها، هذا مذهبنا، وبه قال جمهور العُلماء.
وحكى أصحابُنا عن الحسن البصريّ إن شكَّ وهو في صلاة فلا وضوء عليه، وإن كان في غيرها لزمه الوضوء، وحكى المُتَولِّي، والرّافعيّ وجهاً لأصحابنا مثله، وعن مالك ثلاث روايات، إحداها: مثله، والثّانية: يلزمه الوضوء بكلّ حال، والثّالثة: يُستحبُّ.
ودليل الجمهور ما ذكره المُصنِّفُ مع قوله :" لا ينصرف حتّى يسمع صوتاً أو يجِد ريحاً ". رواه البخاريّ، ومسلم، وسبق في لاأوّ الباب ". (المجموع ج2/74)
وقال ابنُ قُدامة:" يعني: إذا علِم أنّه توضّأ، وشكّ هل أحدث، أو لا، بنى على أنّه مُتطهّر. وإن كان مُحدثاً فشكَّ، هل توضّأ، أو لا، فهو مُحدث. يَبني في الحالتين على ما عَلِمه قبل الشّكّ، ويُلغِي الشّكّ. وبهذا قال الثّوريّ، وأهلُ العراق، والأوزاعيّ، والشّافعيّ، وسائر أهل العلم، فيما علمنا، إلّا الحسن ومالكاً، فإنّ الحسن قال: إن شكَّ في الحدث في الصّلاة، مضى فيها، وإن كان قبل الدُّخول فيها، توضّأ. وقال مالك: إن شكَّ في الحدث، إن كان يستنكِحه كثيراً، فهو على وضوئه، وإن كان لا يستنكِحه كثيراً، توضّأ، لأنّه دخل في الصّلاة مع الشّكّ.
ولنا: ما روى عبدُ الله بن زَيد قال: شُكِي إلى النّبيّ الرَّجلُ يُخيَّلُ إليه وهو في الصّلاة أنّه يجد الشّيء، قال:" لا ينصرف حتّى يسمعَ صوتاً أو يجد ريحاً ". ولمسلم، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله:" إذا وجد أحدُكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه، أخَرَج منه شيءٌ أم لا، فلا يخرج من المسجد حتّى يسمع صوتاً أو يجد رِيحاً ". ولأنّه إذا شكَّ تَعارض عنده الأمران، فيجب سُقوطُهما، كالبَيِّنَتين إذا تعارضتا، ويرجع إلى اليقين، ولا فَرقَ بين أن يَغلِبَ على ظنّه أحدهُما، أو يتساوى الأمران عنده، لأنّ غَلبةَ الظنّ إذا لم تكن مضبوطةً بضابطٍ شرعيٍّ، لا يُلتفتُ إليها، كما لا يَلتفِتُ الحاكمُ إلى قَول أحد المُتَدَاعِيَين إذا غلب على ظنّه صدقه بغير دليل ". (المغني ج1/262-263)
قال خليل في المُختصر في النّواقض:" وبرِدَّةٍ وبشّكٍّ في حَدثٍ بعد طُهر عُلِم، إلّا المُستنكِح ". (منح الجليل ج1/84)
وقال الصّاويّ:" هذا هو المشهور من المذهب. وقيل لا ينتقض الوضوءُ بذلك، غايةُ الأمر أنّه يُستحبُّ منه الوضوء فقط مُراعاةً لمن يقول بوُجوبه. والأوّلُ نَظرَ إلى أنّ الذِّمّةَ عامِرةٌ فلا تبرأ إلّا بيقين، والثّاني: نظر إلى استصحاب ما كان فلا يرتفع إلّا بيقين ". (حاشية الصّاويّ مع الشّرح الصّغير ج1/222)
وقال أبو داود:" سمعت أحمد سُئِل عن رجل يشُكُّ في وضوئه؟ قال: إذا توضّأ فهو على وُضوئه حتّى يستيقن الحدث، وإذا أحدث في وُضوئه فهو مُحدِث حتّى يستيقن أنّه توضّأ ". (مسائل الإمام أحمد لأبي داود ص 12)
وهذه قاعدةٌ من قواعد الفقه، وهي أنّ الأشياء يُحكمُ ببقائها على أُصولها، حتّى يُتيَقَّن خلاف ذلك، ولا يضرُّ الشّكُّ الطّارِئ عليها. قال القَرافيُّ:" هذه قاعدة مُجمَعٌ عليها، وهي أنّ كُلَّ مَشكوك فيه يُجعل كالمعدوم الذي يُجزمُ بعدمه ". (الفُروق ج1/111)
وعليه فالرّاجح ما ذهب إليه الجمهور.
لا ينتقض الوضوء بغَسل الميِّت: وبه قال جمهور الفقهاء، خلافاً للحنابلة في المشهور، وإسحاق، والنّخعيّ.
قال منصور البُهوتيّ:" ويَنقُضُ غَسلُ مَيِّت، مُسلماً كان أو كافراً، ذكراً كان أو أُنثى، صغيراً أو كبيراً، رُوِي عن ابن عمر، وابن عبّاس:" أنّهما كانا يأمران غاسلَ الميِّت بالوضوء ".
والغاسلُ: هو من يُقلِّبه ويُباشره ولو مرّةً، لا من يَصبُّ عليه الماء، ولا من يَمَّمه، وهذا هو السّادس ". الرّوض المُربع ج1/117-118)
وقال ابنُ قُدامة:" اختلف أصحابُنا في وُجوب الوضوء من غَسل الميِّت، فقال أكثرُهم بوجوبه، سواء كان المغسولُ صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو أُنثى، مُسلماً أو كافراً. وهو قول إسحاق، والنّخعيّ، ورُوي ذلك عن ابن عمر، وابن عبّاس أنُهما كانا يأمران غاسِلَ الميّت بالوضوء.
وعن أبي هريرة، قال: أقلُّ ما فيه الوضوء. ولا نعلم لهم مُخالِفاً في الصّحابة. ولأنّ الغالب فيه أنّه لا يَسلَم الغاسِلُ أن تقع يده على فرج الميّت، فكان مَظِنّة ذلك قائماً مَقام حقيقته، كما أُقيم النّومُ مَقام الحدث.
وقال أبو الحسن التَّمِيميُّ: لا وضوءَ فيه. وهذا قولُ أكثر الفُقهاء، وهو الصّحيح إن شاء الله، لأنّ الوجوب من الشّرع، ولم يرِد في هذا نصٌّ، ولا هو في معنى المنصوص عليه، فبَقِيَ على الأصل، ولأنّه غَسلُ آدميٍّ، فأشبه غَسلَ الحيِّ. وما رُوي عن أحمد في هذا يُحملُ على الاستحباب دون الإيجاب، فإنّ كلامه يقتضي نفيَ الوجوب، فإنّه ترك العملَ بالحديث المروِيِّ عن النّبيّ:" من غسَّل ميّتاً فليغتسِل ". وعلّل ذلك بأنّ الصّحيح أنّه موقوفٌ على أبي هريرة. فإذا لم يوجب الغَسل بقول أبي هريرة، مع احتمال أن يكون من قَول رسولِ الله، فلأن لا يوجب الوضوء بقوله، مع عدم ذلك الاحتمال، أولى وأَحرَى ". (المُغني ج3/256)
والرّاجحُ ما ذهب إليه الجمهور. قال ابنُ عُثيمين:" فالرّاجحُ: أنّ تغسيلَ الميّت لا ينقض الوضوء، وهذا اختيار المُوَفَّق، وشيخ الإسلام، وجماعة من أهل العِلم ". (الشّرح المُمتع ج1/247)
وقال أصحابُ الفقه المُيسّر:" والصّحيح: هو ما ذهب إليه جمهورُ أهل العلم، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، والشّيخ محمّد بن صالح العُثيمين، وهو أنّ الوضوء من تغسيل الميّت لا يجب، لأنّ النّقضَ يحتاج إلى دليل شرعيّ، ولا دليل على ذلك لا من الكتاب، ولا من السُّنّة، أمّا ما جاء عن الصّحابة في ذلك فهو محمولٌ على الاستحباب ". (الفقه المُيسّر ج1/75-76)
الرِّدّة: لا تَنقُض الوضوء في أظهر قولي العُلماء. وبه قال أبو حنيفة، ومالك في قول، والشّافعيّ، ونسبه النوويُّ إلى الجهور، واختاره ابنُ حزم في المُحلّى ج1/235، وابن عُثيمين كما في تعليقاته على كتاب الكافي لابن قُدامة، في الموقع الرّسميّ له.
وقال أحمد، والأوزاعيّ، وأبو ثور، وأبو داود، وهو وجه عند الشّافعية: تنقض الوضوء، واختاره ابنُ تيمية كما في الاختيارات ج1/392، وابنُ باز كما في مجموع الفتاوى ج3/294.
قال النوويّ:" قدّمنا في أوّل الباب أنّ الرِّدّة لا تَنقُض الوضوء عندنا على الصّحيح، وبه قال جُمهور العلماء.
وقال الأوزاعيّ، وأحمد، وأبو ثور، وأبو داود: تنقض.
واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عَملُه﴾. المائدة: 5. ودليلُنا قوله:" لا وضوء إلّا من صوت أو ريح " وهو حديث صحيح، سبق بيانه أوّل الباب.
والجواب عن الآية الكريمة، أنّ المُراد بالإحباط من مات على الرِّدّة كما قال : ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم﴾ البقرة:217 ". (المجموع ج5/71-72)
وقالوا:" إنّ الآية تدلّ على أنّ الرِّدّة لا تُحبِط العمل، إلّا إن اتّصلّت بالموت ". (نهاية المُحتاج ج1/109 للرَّمليّ)
واحتجّ من قال إنّها تنقض أيضاً بقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطنّ عملك ولا تكوننّ من الخاسرين﴾ الزُّمر: 65
قال أحمد الصّاويّ :" ووجهه: بأنّ الرّدّة تُبطِل نفس الأعمال، فإذا ارتدّ وبطل عَملُه رجع الأمرُ لكونه مُتَلبِّساً بالحدث الذي كان عليه قبل ذلك العمل، سواء كان ذلك الحدث أصغر أو أكبر ". (حاشية الصّاويّ مع الشّرح الصّغير ج1/224)
وأُجيب بما قاله ابن عُثيمين :" الصّحيح أنّ الرِّدّة لا تنقض الوضوء، والآية ﴿لئن أشركت ليحبطنّ عَملك﴾ هذا حُبوط الثّواب ". (تعليقات ابن عُثيمين على كتاب الكافي لابن قدامة، الموقع الرّسميّ لابن عُثيمين)
وقالوا: لا يلزم من بُطلان ثوابه إعادته، فلذا لا يُطالب بعدها بقضاء ما قدّمه من صلاة وصيام. (حاشية الصّاويّ مع الشّرح الصّغير ج1/223)
واحتجّوا بحديث ابن عبّاس:" الحَدثُ حدثان، حدثُ اللّسان، وحدثُ الفرج، وأشدُّهما حَدثُ اللّسان ". قالوا: وإذا أحدث لم تُقبل صلاتُه بغير وضوء.
قال ابن عُثيمين :" وحديث ابن عبّاس لا يدلّ على هذا، أنّ الحدث حدثان، ولو أخذنا بهذا لقُلنا: كلُّ إنسان يعصي الله، فهو مُحدِث يجب عليه الوضوء ". (تعليقات ابن عُثيمين على كتاب الكافي لابن قُدامة، الموقع الرّسميّ لابن عُثيمين)
وقال ابنُ حزم في إسقاط الوضوء من الرّدّة وغيرها:" بُرهانُ إسقاطنا الوضوء من كُلّ ما ذكرنا، هو أنّه لم يأت قرآنٌ ولا سُنّةٌ ولا إجماعٌ بإيجاب وضوء في شيءٍ من ذلك ". (المُحلّى ج1/169)
12: ما يجب له الوضوء: يجب على الـمكلّف الوضوء في الأُمور الآتية:
1- الصّلاة: لحديث ابن عمر مرفوعاً:" لا يقبل اللهُ صلاةً بغير طُهور ولا صدقةً من غُلول ". رواه مسلم برقم 224. والغُلول: الأخذ من الأموال سرّاً وخياتة. قال النوويّ:" أجمع المسلِمون على تحريم الصّلاة على المُحدِث، وأجمعوا على أنّها لا تصحُّ منه، سواءٌ أن كان عالماً بحدثه أو جاهلاً أو ناسياً، لكنّه إن صلّى جاهلاً أو ناسياً فلا إثم عليه، وإن كان عالماً بالحدث وتحريم الصّلاة مع الحدث فقد ارتكب معصية عظيمة، ولا يكفر عندنا بذلك إلّا أن يستحلَّه، وقال أبو حنيفة: يكفر لاستهزائه،
ودليلُنا أنّه معصية فأشبهت الزِّنا وأشباهه، هذا كلُّه إذا لم يأت بِبَدَل إلى الصّلاة مُحدِثاً ". (المجموع ج2/78)
قال ابنُ رُشد:" فاتّفق المسلمون على أنّ الطّهارة شَرطٌ من شُروط الصّلاة، لمكان هذا، وإن كانوا اختلفوا هل هي شرطٌ من شُروط الصحّة أو من شُروط الوُجوب ". (بداية المجتهد ج1/83)
2- الطّواف بالبيت فرضاً كان أو نفلاً: لفعله :" فإنّه توضّأ ثمّ طاف بالبيت ". رواه البخاريّ برقم 1516، ومسلم برقم 1235، ولقوله :" الطّوافُ بالبيت صلاةٌ إلا أنّ اللّه أباح فيه الكلام ". رواه التّرمذيّ برقم 967، وابن خُزيمة برقم 2739، وابن حِبّان برقم 998، والحاكم ج1/459، وصحّحه، وقال ابن حجر في تلخيص الحبير ج1/358:" وصحّحه ابن السَّكن، وابن خُزيمة، وابنُ حِبّان "، وصحّحه الألبانيّ في الإرواء برقم 121، ولـمنعه الحائض من الطّواف حتّى تطهر. رواه البخاريّ برقم 305، ومسلم برقم 120
قال النوويّ :" هذا مذهبنا، وبه قال مالك، وأحمد في إحدى الرّوايتين عنه، وقال أبو حنيفة يصحُّ بلا طهارة، وفي تحريمه عنه روايتان.
دليلُنا الحديث المذكور، وهو صحيح، عن ابن عبّاس كما ذكرنا، وثبت في الصّحيح، أنّ النّبيّ توضّأ للطّواف، وقال:" لتأخذوا عنّي مناسككم ". وسواء الطّواف في حجّ وعُمرة وغيره ". (المجموع ج2/79)
وقال ابن رُشد :" ذهب مالك، والشّافعيّ إلى اشتراط الوضوء في الطّواف، وذهب أبو حنيفة إلى إسقاطه ". (بداية المجتهد ج1/86)
3- مسّ الـمُصحف بلا حائل: لقوله :" ألّا يَمسَّ الـقرآنَ إلا طاهرٌ ". رواه مالك برقم 489 مُرسلاً، وعبد الرّزّاق برقم 1328، وابن حبّان برقم 6559، والبيهقيّ ج4/89، والحاكم برقم 1447 وصحّحه، وصحّحه الشّافعيّ، وأحمد، وابن حجر، وأحمد شاكر، والألبانيّ في الإرواء برقم 122، وابن باز كما في الفتاوى ج10/149. وضعّفه ابنُ حزم، والنوويّ، وابنُ كثير، وغيرُهم. (تعليقات عبد الله الزاحم على بداية المجتهد ج1/263)
وقال ابنُ عبد البرّ :" كتاب عمرو بن حزم هذا تلقّاه العُلماء بالقبول والعمل، وهو عندهم أشهرُ وأظهرُ من الإسناد الواحد المُتّصل". (الاستذكار ج2/471)
وقال:" وأجمع فقهاءُ الأمصار الذين تَدور عليهم الفتوى وعلى أصحابهم بأنّ المُصحفَ لا يَمَسُّه إلّا الطّاهِر ". (الاستذكار ج2/472)
وقال ابنُ قُدامة :" رُوي هذا عن ابن عمر، والحسن، وعطاء، وطاوس، والشّعبيّ، والقاسم بن محمّد، وهو قول مالك، والشّافعيّ، وأصحاب الرّأي، ولا نعلم مُخالِفاً لهم إلّا داود، فإنّه أباح مَسَّه، واحتجّ بأنّ النّبيّ كتب في كتابه آيةً إلى قيصرَ. وأباح الحَكَمُ، وحمّادٌ مسّه بظاهر الكفّ، لأنّ آلة المسّ باطنُ اليد، فينصرف النّهيُ إليه دون غيره ". (المغني ج1/202)
والصّحيح من قولي أهل العلم أنّه يحرُم مسُّ المُصحف، سواء مسّ نفس الكتابة، أم الجوانب، أم الجلد، قال النوويّ:" والصّحيح الذي قطع به الجمهور تحريم الجميع ". (المجموع ج2/80)
قال موسى الحَجّاوي :" ويحرم على المُحدِثِ مَسُّ المُصحفِ، والصّلاة، والطّواف ". (الرّوض المُربع ج1/119-120)
13: ما يُستحبّ له الوضوء:
1- عند ذكر اللّه --: لحديث عائشة :" كان رسول الله يذكُرُ اللهَ على كلّ أحيانه "، رواه مسلم برقم 373، والمُراد" على كلُ أحيانه ": مُعظمُها، لأنّه يكره ذكرُ الله في حال البَّول، والغائط، ونحوهما، ولحديث المُهاجر بن قُنفذ :" إنّي كرِهت أن أذكر اللّه على غير طهارة ". رواه أبو داود برقم 17، والنّسائيّ برقم 38، والحاكم برقم 592، وقال الحافظ : حسن صحيح، وصحّحه الألبانيّ في صحيح أبي داود برقم 23.
قال ابنُ رجب ، على حديث عائشة :" فيه دليلٌ على أنّ الذِّكر لا يمنع منه حَدث ولا جنابة، وليس فيه دليل على جواز قراءة القرآن للجُنُب، لأنّ ذكر الله تعالى إذا أُطلق لا يُرادُ به القرآن ". (فتح الباري لابن رجب ج1/286)
2- عند كل صلاة: لـمُواظبة النّبيّ على ذلك، كما جاء في حديث أنس ، قال:" كان النّبيُّ يتوضّأ عند كلّ صلاة ". رواه البخاريّ برقم 214.
3- يستحبّ للجُنُب إذا أراد أن يعود للجِماع، أو أراد النّوم، أو أراد الأكل أو الشّرب أن يتوضّأ: لحديث أبي سعيد الخُدريّ أنّ رسول الله قال:" إذا أتى أحدُكُم أهله، ثُمّ أراد أن يعود فليتوضّأ ". رواه مسلم برقم 308، ولحديث عائشة ، أنّ رسول الله :" كان إذا أراد أن ينام وهو جُنُب توضّأ وضوءه للصّلاة قبل أن ينام ". رواه مسلم برقم 305 وفي رواية لها:" أراد أن يأكل أو ينام ". رواه البخاريُّ برقم 288، ومسلم برقم 305.
4- الوضوء عند الغُسل: لحديث عائشة قالت:" كان رسول الله إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ثُمّ يُفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضّأ وضوءه للصّلاة...". رواه مسلم برقم 316.
5- عند النّوم: لحديث البَراء بن عازب قال: قال النّبيُّ :" إذا أتيت مَضجعك فتوضّأ وضوءك للصّلاة، ثمّ اضطجع على شقّك الأيمن...". رواه البخاريّ برقم 247.
14- فوائد يحتاج الـمُتوضِّئ إليها:
1- الكلام الـمُباح أثناء الوضوء مُباحٌ، ولم يرد في السُّنّة ما يدلُّ على مَنعه.
2- وجود الحائل مثل الشّمع أو ما يُعرف بالمناكير على أي عُضو من أعضاء الوضوء يُبطله، أمّا اللّون وحده كالخِضاب بالحنّاء مثلاً، فإنّه لا يؤثّر في صحّة الوضوء، لأنّه لا يحول بين البَشرة وبين وُصول الـماء إليها.
3- الـمُستحاضة ومن به سَلَسُ بَول أو انفلات ريح أو غير ذلك من الأعذار، يتوضّؤون لكُلّ صلاة إذا كان العُذر يستغرق جميع الوقت، أو كان لا يُمكن ضَبطه، وتُعدّ صلاتُهم صحيحةً مع قيام العُذر.
4- يجوز الاستعانة بالغير في الوضوء كصبّ الـماء، لحديث المُغيرة بن شُعبة :" أنّه كان مع رسول الله في سَفر، وأنّه ذهب لحاجةٍ له، وأنّ مُغيرة جَعل يصُبُّ الماء عليه وهو يتوضّأ، فغسل وجهه ويديه ومسح على الخُفَّين ". رواه البخاريّ برقم 182، ومسلم برقم 274.
5- يُباحُ للمتوضّئ أن ينشِّف أعضاءه بمنديل أو نحوه.