fiqh.ch
Zum Inhaltsverzeichnis
Kitāb aṭ-Ṭahāra — Das Buch der Reinheit · Kapitel 2

الباب الخامس: أحكام الـمسح على الخُفين والعمامة والجَبيرة ونحوه

Das Wischen über Lederschuhe, Turban und Verband

1 – تعريف الخُفّ:

الخُفّ لغة: هو ما يُلبس على الرِّجل من جلد رقيق. قاله في المعجم الوسيط ج1/247

الخُفّ اصطلاحا: والخفّ الشّرعيّ، ما يستر الكعب، ويمكن تتابع المشي فيه فرسخا فأكثر، وثُنِّي لأنّه لا يجوز المسح على أحدهما دون الآخر. (المنهل العذب المورود ج1/101)

2 - حكم المسح على الخفّين: الـمسح على الخفّين جائز باتّفاق العلماء. وهو رُخصة من اللّه تخفيفاً منه على عباده، ودفعاً للحرج عنهم.

دليله: حديث حُذيفة ، قال:" كُنت مع رسول الله فانتهى إلى سُباطة قوْم فبال قائماً، فتوضّأ فمسح على خُفّيه ". رواه البخاريّ برقم 224، و225، و226، ومسلم برقم 273، والسُّبَاطة: هي مُلقى القُمامة والتُّراب ونحوهما، تكون بفِناء الدٌّور مَرفقا لأهلها. قاله النوويّ في شرح مسلم ج3/165. وقال ابن حجر :" هي المزبلة، والكُناسة، تكون بفناء الدّور مَرفقا لأهلها، وتكون في الغالب سهلة، لا يرتدّ فيها البول على البائل ". (الفتح ج1/437) وحديث الـمُغيرة بن شُعبة قال:" كنت مع النّبيّ في سفر فأهويت لأنزِع خُفّيه فقال: دعهما فإنّي أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما ". رواه البخاريّ برقم، 203، و206، ومسلم برقم 274 وحديث جرير بن عبد اللّه البَجَليّ ، " أنّه بال ثمّ توضّأ، ومسح على خُفّيه، فقيل: تفعل هذا؟، فقال: نعم رأيت رسول اللّه بال، ثمّ توضّأ، ومسح على خُفّيه. قال إبراهيم: كان يُعجبهم هذا الحديث، لأنّ إسلام جرير كان بعد نزول المائدة ". رواه البخاريّ برقم 387، ومسلم برقم 272، وفي رواية النّسائيّ برقم 118، و774:" وكان إسلام جرير قبل موت النّبيّ بيسير ". قال الحسن البصريّ:" حدّثني سبعون من أصحاب رسول اللّه أنّه مسح على الخفّين ". (الأوسط ج1/430) وقال أحمد :" ليس في قلبي من المسح شيء، فيه أربعون حديثاً عن أصحاب رسول اللّه ، ما رفعوا إلى النّبيّ ، وما وقفوا ". (المغني ج1/360) وقال ابن المُنذر:" وقد رَوَينا عن ابن المُبارك أنّه قال: ليس في المسح على الخفّين اختلاف أنّه جائز". (الأوسط ج1/434) وقال ابن عبد البرّ :" ولا أعلم في الصّحابة مُخالفاً إلاّ شيء لا يصحّ عن عائشة، وابن عبّاس وأبي هريرة ، وقد رُوي عنهم من وُجوه خلافه في المسح على الخفّين، وكذلك لا أعلم في التّابعين أحدًا ينكرذلك، ولا في فقهاء المسلمين إلاّ رواية جابر عن مالك، والرِّوايات الصّحاح عنه خلافه، وهي منكرة، يدفعها مُوطّؤه، وأصول مذهبه". (التّمهيد ج2/229-232، والاستذكار ج1/217-218) وقال النوويّ :" أجمع من يُعتدّ به في الإجماع على جواز المسح على الخفّين في السّفر والحضر، سواء كان لحاجة أو لغيرها ". (شرح مسلم ج3/164) وقال ابن حجر:" وقد صرّح جمعٌ من الحُفّاظ بأنّ الـمسح على الخفّين مُتواتر، وجمع بعضُهم رُوّاته فجاوزوا الثّمانين، ومنهم العشرة ". (فتح الباري ج1/408) وقال ابن جُزيّ :" أمّا الخُفّان فيجوز المسح عليهما عند الأئمّة الأربعة في السّفر والحضر". (القوانين الفقهية ص 38) وقال الفاكهانيّ :" ولِمالكٍ في ذلك ثلاثة أقوال، ثالثها: يَمسح المسافر دون المُقيم، ومشهورها: جواز المسح مطلقا، وهو مذهب الكلّ «. (رياض الأفهام ج1/284) وقال ابن أبي زيد في الرّسالة:" وله أن يمسح على الخفّين في الحضر والسّفر". (مسالك الدّلالة ص 34) وقال ابن قُدامة :" المسح على الخفّين جائز عند عامّة أهل العلم «. (المُغني ج1/359) وقال برهان الدّين المَرغينانيّ :" والمسح على الخفّين جائز بالسُّنّة، والأخبار فيه مُستفيضة، حتّى قيل: إنّ من لم يره كان مُبتدعاً ". (الهداية ج1/29)

3 - وهل الـمسح على الخفّين أفضل من غَسل الرّجلين؟: اختلف العلماء في هذه المسألة على أربعة أقوال:

الأوّل: غَسل القدمين أفضل، وإليه ذهب جمهور العلماء، منهم أبو حنيفة، ومالك، والشّافعيّ، لأنّه هو الأصل، المفروض في كتاب اللّه، والمسح رُخصة، واختاره محمّد عليّ الإتيوبيّ، بشرط ألاّ يترك المسح رغبةً عن السُّنّة.

قال الفاكهانيّ :" ومذهب الجمهور أنّ غسل الرّجلين أفضل لأنّه الأصل ". (التّسهيل لمعاني خليل ج2/96، والبناية ج1/575)

الثّاني: المسح أفضل، وإليه ذهب الشّعبيّ، والحكم، وحمّاد، وأحمد في أصحّ الرّوايتين عنه، وإسحاق. قال المَرداويّ :" والمسح أفضل من الغَسل على الصّحيح من المذهب، نصّ عليه، وهو من المُفردات ". (الإنصاف ج1/128)

الثّالث: هما سواء، وبه قال أحمد في رواية أخرى، واختاره ابن المُنذر.

قال ابن المُنذر :" اختلف أهل العلم في الغسل والمسح، أيّ ذلك أفضل؟:

فقالت طائفة: الغسل أفضل، لأنّه المُفتَرَض في كتاب اللّه، والمسح رُخصة، فالغاسل لرجليه مؤدٍّ لما افترض اللّه عليه، والماسح على خفّيه فاعل لما أبيح له.

وقالت طائفة: المسح على الخُفّين أفضل من غسل الرِّجلين، وذلك لأنّها من السُّنن الثّابتة عن رسول اللّه ، وقد طعن فيها طوائف من أهل البدع، فكان إحياء ما طَعن فيه المُخالفون من السُّنن أفضل من إماتته.

وممّن رأى أنّ المسح على الخفّين أفضل من غسل الرّجلين: الشّعبيّ، والحكم، وأحمد، وإسحاق ". (الأوسط ج1/439-441 بتصرّف)

وقال النوويّ :" واختلف العلماء في أنّ المسح على الخفّين أفضل أم غسل الرّجلين:

فذهب أصحابنا إلى أنّ الغسل أفضل لكونه الأصل. وذهب إليه جماعات من الصّحابة منهم: عمر بن الخطّاب، وابنه عبد اللّه، وأبو أيوب الأنصاريّ .

وذهب جماعات من التّابعين إلى أنّ المسح أفضل. وذهب إليه الشّعبيّ، والحكم، وحمّاد، وعن أحمد روايتان أصحّهما المسح أفضل، والثّانية: هما سواء، واختاره ابن المنذر ". (شرح مسلم ج3/164)

الرّابع: الأفضل في حقّ كلّ واحد ما كان مُوافقاً للحال التي عليها قدمه، فإن كان لابساً للخُفّ فالـمسح أفضل، وإن كانت قدماه مكشوفتين، فالأفضل الغسل، لقول النّبيّ للمُغيرة:" دَعهما فإنّي أدخلتهما طاهرتين ". وإليه ذهب ابن تيمية، وتلميذه ابن القيّم. قال ابن القيّم :" ولم يكن يتكلّف ضِدّ حاله التي عليها قدماه، بل إن كانتا في الخُفّ مسح عليهما، ولم ينزعهما، وإن كانتا مكشوفتين غسل قدميه، ولم يلبس الخُفّ ليمسح عليه، وهذا أعدل الأقوال في مسألة الأفضل من المسح والغسل. قاله شيخنا ". (زاد المعاد ج1/192) وقال المرداويّ :" قال الشّيخ تقيّ الدّين: وفَصل الخطاب: أنّ الأفضل في حقّ كلّ واحد ما هو المُوافق لحال قدمه. فالأفضل لمن قدماه مكشوفتان غسلهما، ولا يتحرّى لبس الخفّ ليمسح عليه، كما كان عليه أفضل الصّلاة والسّلام يغسل قدميه إذا كانتا مكشوفتين، ويمسح قدميه إذا كان لابساً للخُفّ ". (الإنصاف ج1/128)

4 - الـمسح على الجوْربيْن:

تعريف الجَورب:

قال ابن منظور :" والجَورب: لِفافة الرّجل، مُعرّب، وهو بالفارسية كورب ". (لسان العرب ج1/263).

وقال الشّوكانيّ :" الجورب: وهو لفافة الرّجل، قاله في الضّياء، والقاموس ". (نيل الأوطار ج1/228)

وقال حطّاب :" قال في التّوضيح: الجورب: ما كان على شكل الخُفّ من كتّان، أو قُطن، أو غير ذلك ". (مواهب الجليل ج1/466)

وقال بدر الدّين العَينيّ :" هو الذي يلبسه أهل البلاد الشّامية الشّديدة البرد، وهو يُتّخذ من غزل الصُّوف المفتول، يلبس في القدم إلى ما فوق الكعب ". (المنهل العذب المورود ج2/133)

وقال القاسميّ :" وفي القاموس وشرحه: والجورب لفافة الرّجل. وفي لسان العرب: مثله. وقال أبوبكر بن العربي: الجورب غِشاآن للقدم من صُوف يتّخذ للدِّفاء. قال حطّاب: وفي التّوضيح: الجورب: ما كان على شكل الخُفّ من كَتّان، أو قُطن، أو غير ذلك، وفي الرّوض المُربع للبُهوتي الحنبليّ: الجورب ما يلبس في الرّجل على هيئة الخفّ من غير الجلد ". وقال بدر الدّين العيني: الجورب: هو الذي يلبسه أهل البلاد الشّامية الشّديدة البرد، وهو يتّخذ من غزل الصّوف المفتول، يلبس في القدم إلى ما فوق الكعب. وقال الحلبيّ في شرح المُنية: الجورب: ما يلبس في الرِّجل لدفع البرد ونحوه ممّا لا يسمّى خُفّاً ولا جُرموقاً ". (المسح على الجوربين للقاسميّ ص 50) والجُرموق: خُفّ غليظ يلبس فوق الخُفّ.

وقال محمود محمّد خطّاب :" الجوربين تثنية جَورب بفتح الجيم ما يُصنع من قُطن، أو كتّان، أو صوف، على هيئة الخفّ ". (المنهل العذب ج2/133)

وجاء في الموسوعة الفقهية ج37/271:" هو ما يلبسه الإنسان في قدميه، سواء كان مصنوعاً من الصّوف، أو القطن، أو الكتّان، ونحو ذلك ".

وقال عبد اللّه الفوزان:" الجوارب: وهي ما تكون من غير جلد كالخرق وشبهها، وهي الشرَّاب «. (منحة العلاّم ج1/245)

حكم المسح عليهما: يجوز المسح عليهما، لحديث الـمُغيرة بن شُعبة قال: " توضّأ النّبيّ ومسح على الجوْربيْن والنّعليْن ". رواه أبو داود برقم 159، والتّرمذيّ برقم 99، وابن ماجه برقم 559، وصحّحه التّرمذيّ، وابن حِبّان، وأحمد شاكر، والألبانيّ، ومحمّد عليّ الإتيوبيّ، ومال إلى تصحيحه ابنُ دقيق العيد، وضعّفه أحمد، والثّوريّ، وابنُ الـمَدِيني، وأبو داود، وعبد الرّحمن بن مهدي، ويحي بن معين، ومسلم، والبيهقيّ، والنوويّ، وغيرُهم. (ذخيرة العقبى ج3/117-118). قالوا في الموسوعة الفقهية ج37/271:" وهذا يدلّ على أنّ النّعلين لم يكونا عليهما، لأنّهما لو كانا كذلك، لم يذكر النّعلين، فإنّه لا يقال مسحت على الخفّ ونعله ".

ولحديث ثوبان :" أنّ النّبيّ بعث سرِيّة، فأصابهم البرد، فلمّا قدموا على رسول اللّه ، أمرهم أن يمسحوا على العصائب، والتّساخين ". رواه أحمد ج5/277، وأبو داود برقم 146، وصحّحه الحاكم ج1/169 والذّهبيّ، والنوويّ، والألبانيّ في أبي داود برقم 133. والعصائب: جمع عصابة، وهي العمامة، كما قال أبو عُبيد، وابن حجر، والتّساخين واحدها تِسخان، أو تِسخين، ويُقال أصل ذلك كلّ ما يُسّخن القدم من خُفّ، وجَورب، ونحوهما، كما قال المُبرّد وغيرُه. قال ابنُ رسلان:" ويُقال أصل ذلك كلّ ما يُسّخن به القدم من خُفّ وجَورب ونحوهما....». (نيل الأوطار ج1/210)

ولأنّه قد ثبت المسح على الجوربين عن جمع من الصّحابة، والتّابعين. قال ابن المنذر :" رُوي إباحة المسح عن تسعة من أصحاب رسول اللّه ، عليّ بن أبي طالب، وعمّار بن ياسر، وأبي مسعود، وأنس بن مالك، وابن عمر، والبراء بن عازب، وبلال، وأبي أُمامة، وسهل بن سعد ".(الأوسط ج1/462) زاد عليه ابن القيّم أربعة، ثمّ قال : " فهؤلاء ثلاثة عشر صحابيًّا، والعُمدة في الجواز على هؤلاء ".(تهذيب السُّنن ج1/122) وقال ابنُ حزم :" فهم: عُمر، وعليّ، وعبد اللّه، وابن عمر، وأنس بن مالك، وأبو أُمامة، وأبي مسعود، وسعد، وسهل بن سعد، وعمرو بن حُريث، ولا يعرف لهم ممّن يُجيز المسح على الخفّين من الصّحابة مُخالف، ومن التّابعين، سعيد بن المُسيّب، وعطاء، وإبراهيم النّخعيّ، والأعمش، وخلّاس بن عمرو، وسعيد بن جُبير، ونافع مولى ابن عمر، وهو قول سُفيان الثّوريّ، وأبي يوسف، ومحمّد بن الحسن، وأبي ثور، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وداود بن عليّ، وغيرهم ".(المُحلّى ج1/324) وقال النوويّ :" قد ذكرنا أنّ الصّحيح من مذهبنا أنّ الجورب إن كان صفِيقاً يمكن مُتابعة المشي عليه جاز المسح، وإلاّ فلا. وحكى ابنُ المنذر إباحة المسح على الجورب عن تسعة من الصّحابة عليّ، وأبي مسعود، وابن عمر، وأنس، وعمّار بن ياسر، وبلال، والبراء بن عازب، وأبي أُمامة، وسهل بن سعد ، وعن سعيد بن المسيِّب، وعطاء، والحسن، وسعيد بن جُبير، والنّخعيّ، والأعمش، والثّوريّ، والحسن بن صالح، وابن المبارك، وزُفر، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي يوسف، ومحمّد ". (المجموع ج1/527)

وقال إسحاق :" مضت السُّنّة من أصحاب النّبيّ ، ومن بعدهم من التّابعين في المسح على الجوربين، لا اختلاف بينهم في ذلك ". (الأوسط ج1/464)

ولأنّهما كالخُفّ في الحاجة إليهما، وقد انتشر لُبسهما أكثر من الخُفّ. قال يحي البَكّاء: سمعت ابن عمر يقول:" المسح على الجوربين كالمسح على الخفّين ". وعن قتادة، عن سعيد بن المُسيِّب:" الجوربان بمنزلة الخفّين في المسح ". وعن عبد الرّزّاق، عن ابن جُريج، قلت لعطاء:" تمسح على الجوربين؟ قال: نعم، وامسحوا عليهما مثل الخفّين ".... (المحلّى ج1/324) وقال ابن القيّم :" لا يظهر بين الجَوربين والخفّين فَرق مُؤثِّر يصحّ أن يُحال الحكم عليه «. (تهذيب السُّنن ج1/118)

وقال أبو حنيفة: لا يمسح على الجوربين، وقال مالك: لا يمسح عليهما إلّا أن يكون أسفلهما قد خُرِز عليه جلد ثمّ رجع، فقال: لا يمسح عليهما، وقال الشّافعيّ: لا يمسح عليهما، إلاّ أن يكونا مجلّدين ". (المُحلّى ج1/324) وصحّح النوويّ عن الشّافعية، جواز المسح إن كانا صَفِيقين، يُمكن مُتابعة المشي عليهما.

قال النوويّ :" وكرِه ذلك مجاهد، وعمرو بن دينار، والحسن بن مسلم، ومالك، والأوزاعيّ، وحكى أصحابنا عن عمر، وعليّ جواز المسح على الجورب وإن كان رقيقاً، وحكوه عن أبي يوسف، ومحمّد، وإسحاق، وداود.

وعن أبي حنيفة المنع مُطلقاً، وعنه أنّه رجع إلى الإباحة «. (المجموع ج1/527). وقال برهان الدّين المَرغينانيّ :" ولا يجوز المسح على الجوربين عند أبي حنيفة إلاّ أن يكونا مجلّدين أو مُنعّلين. وقالا: يجوز إذا كانا ثَخِينين لا يشِفّان، لما رُوي أنّ النّبيّ مسح على جَوربيه، ولأنّه يمكنه المشي فيه إذا كان ثخيناً، وهو أن يستمسك على السّاق من غير أن يُربط بشيء فأشبه الخفّ...وعنه أنّه رجع إلى قولهما، وعليه الفتوى «. (الهداية ج1/31-32)

قال محمود محمّد خطّاب :" وقد اختلف العلماء في المسح على الجوربين، فذهب الحنفية، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، والثّوريّ، وابن المبارك إلى جواز المسح عليهما سواء أكانا مجلّدين، أم مُنعّلين، أم ثخِينين.

وذهبت المالكية إلى جواز المسح عليهما بشرط أن يكونا مجلّدين من أعلاهما وأسفلهما. والمُنعّل ما وُضع الجلد على أسفله فقط، والثّخين ما يثبت على السّاق من غير ربط ولا يُرى ما تحته. قالوا: لأنّه يمكن متابعة المشي فيه، والرُّخصة لأجله فصار كالخُفّ.

وكان أبوحنيفة لا يُجوّز المسح على الثّخين، ثمّ رجع إلى الجواز قبل موته بثلاثة أيّام، وقيل سبعة، ومسح على جَوربيه الثّخينين في مرضه، وقال لِعُوّاده فعلت ما كنت أنهى النّاس عنه.

واضطربت أقوالُ الشّافعية، فمنهم من اشترط كونه مجلّداً، أو مُنعّلاً، ومنهم من اشترط كونه صفِيقاً يمكن مُتابعة المشي فيه. قال النوويّ:" والصّحيح بل الصّواب ما ذكره أبو الطّيّب، والقَفّال، وجماعات من المُحقّقين أنّه إن أمكن مُتابعة المشي فيه جاز كيف كان وإلاّ فلا. وقوله كيف كان: أي سواء أكان مجلّدا، أم مُنعّلا، أم لم يكن كذلك ". (المنهل العذب ج2/134)

قال الكاسانيّ :" ورُوِي عن أبي حنيفة أنّه رجع إلى قولهما في آخر عمره، وذلك أنّه مسح على جَوربيه في مرضه، ثمّ قال لعُوّاده: فعلت ما كنت أمنع النّاس عنه، فاستدلّوا به على رُجوعه ". (بدائع الصنائع ج1/141)

قال ابن حزم :" اشتراطُ التّجليد خطأ لا معنى له، لأنّه لم يأت به قرآن ولا سُنّة ولا قياس ولا صاحب، والمنع من المسح على الجوربين خطأ، لأنّه خِلاف السُّنّة الثّابتة عن رسول اللّه ، وخلاف الآثار، ولم يخصّ في الأخبار التي ذكرنا خُفّين من غيرهما ". (المحلّى ج1/324)

وقال أحمد أحمد الشّنقيطيّ:" أمّا اشتراط تجليد ظاهره وباطنه، فإنّما هو بمحض الاجتهاد ". (مواهب الجليل من أدلّة خليل ج1/89)

والقول بجواز المسح أرجح لقوّة دليله، وسلامته من المُعارضة.

5 - شروط الـمسح على الخُفّين:

لبسهما على طهارة: لحديث الـمُغيرة الـمُتقدّم، وفيه:"... دعهما فإنّي أدخلتهما طاهرتين ". رواه البخاريّ برقم 206، ومسلم برقم 274. وهذا بإجماع العلماء. قال ابن المُنذر :" وأجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم على أنّ الرّجل إذا تطهّر فأكمل طُهوره، ثمّ لبس الخُفّين، ثمّ أحدث فتوضّأ، أنّ له أن يمسح على خُفّيه ". (الأوسط ج1/441) وقال بدر الدّين العَينيّ :" وفي الحديث دليل على أنّ المسح على الخفّين لا يجوز إلاّ أن يُلبسا على كمال الطّهارة، وهذا بالإجماع ". (المنهل العذب المورود ج2/112)

ولكن العلماء اختلفوا في كمال الطّهارة هل هي شرط وقت اللُّبس أو وقت الحدث؟ على قولين:

الأوّل: اشتراط الطّهارة الكاملة عند اللُّبس، وبه قال مالك، والشّافعيّ، وأحمد، وإسحاق. فلو غسل إحدى رجليه ثمّ أدخلها الخُفّ، ثمّ غسل الأخرى وأدخلها لم يجزىء المسح على الخفّين بهذه الطّهارة. قال النوويّ :" فيه دليل على أنّ المسح لا يجوز إلاّ إذا لبسهما على طهارة كاملة بأن يفرغ من الوضوء بكماله، ثمّ يلبسهما، لأنّ حقيقة إدخالهما طاهرتين أن تكون كلّ واحدة منهما أُدخلت وهي طاهرة. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة. فمذهبنا أنّه يشترط لبسهما على طهارة كاملة حتّى لو غسل رجله اليُمنى، ثمّ لبس خُفّها قبل غسل اليُسرى، ثمّ غسل اليُسرى، ثمّ لبس خُفّها لم يصحّ لبس اليُمنى، فلا بدّ من نزعها وإعادة لبسها، ولا يحتاج إلى نزع اليُسرى لكونها أُلبست بعد كمال الطّهارة، وشذّ بعض أصحابنا فأوجب نزع اليُسرى أيضا، وهذا الذي ذكرناه من اشتراط الطّهارة في اللُّبس هو مذهب مالك، وأحمد، وإسحاق ". (شرح مسلم ج3/170)

الثّاني: اشتراط الطّهارة الكاملة وقت الحدث، فإذا غسل إحدى رجليه، ثمّ لبسها وغسل الأخرى، ثمّ لبسها صحّ له أن يمسح عليهما بهذه الطّهارة، لصدقه بأنّه أدخل كُلاً من رجليه وهي طاهرة، وبه قال أبو حنيفة، وسُفيان الثّوريّ، ويحي بن آدم، والمُزنيّ، وأبو ثور، وابن المُنذر، ومُطرّف صاحب مالك. قال النوويّ :" وقال أبوحنيفة، وسفيان الثّوريّ، ويحي بن آدم، وأبو ثور، وداود، يجوز اللّبس على حدث، ثمّ يكمل طَهارته ". (شرح مسلم ج3/171) واختاره ابن تيمية، حيث قال : " إنّ هذا الصّواب بلا شكّ ". (مجموع الفتاوى ج21/209-210) كما اختاره ابن القيّم، حيث قال :" إنّه أصحّ القولين ". (إعلام الموقِّعين ج4/350)

ويؤيّد الأوّل حديث أبي بكرة عن النّبيّ :" أنّه رخّص للمُسافر ثلاثة أيّام ولياليَهنّ، وللمُقيم يومًا وليلة، إذا تطهّر فلبس خفّيه أن يمسح عليهما ". رواه الدارقطنيّ برقم 51، وابن خزيمة برقم 192، وابن ماجه برقم 556، وقال ابن حجر:" وصحّحه الخطّابيّ أيضاً، ونقل البيهقيّ أنّ الشّافعيّ صحّحه في سُنن حرملة ".(تلخيص الحبير ج1/413) والحديث يُفيد أنّه لا يلبس قبل غسل الرّجل اليُسرى، لأنّ من فعل ذلك لم يصدق عليه أنّه تطهّر. قال محمّد عليّ الإتيوبيّ:" الذي يترجّح عندي هو القول الأوّل، لأنّ ظاهر قوله أدخلتهما، وهما طاهرتان، يدلّ على الطّهارة الكاملة، لأنّ طهارة الوضوء لا تُسمّى طهارة إلاّ بكمالها، ولذا لو غسل وجهه، ويديه، وأراد مسّ مُصحف بيده لا يجوز له ذلك، لكون هذه الطّهارة غير مُعتبرة، إذ لم تُكمل ".(البحر المحيط ج7/54)

وذهب داود الظّاهريّ إلى أنّ المراد بالطّهارة في الحديث، طهارة القدمين من النّجاسة، فلو لبسهما على حدث وكانتا طاهرتين من النّجاسة جاز المسح عليهما. (الفتح ج1/413)

وظاهر الحديث أنّ المُراد الطّهارة المائية لا التُّرابية، لأنّها هي المُراد عند الإطلاق، وبهذا قال الجمهور، لأنّ التيمُّم عندهم مُبيح لارافع، ولأنّ التيمّم يختصّ بالوجه والكفّين، ولا تعلُّق لطهارة الرِّجل به، فلا يتحقّق قوله : وهما طاهرتان. قال مُحمّد الأمين الشّنقيطيّ :" أجمع العُلماء على اشتراط الطّهارة المائية للمسح على الخُفّ، وأنّ من لبسهما مُحدِثاً، أو بعد تيمّم، لا يجوز له المسح عليهما ". (أضواء البيان ج2/42) وخالف أصبغ بن الفَرج من المالكية، وابن حزم، والشّافعية في حال إذا تيمّم لا لفقد الماء، ولكن لعدم القُدرة على استعماله. (الفتح ج1/413، والمحلّى ج1/332، والموسوعة الفقهية ج37/264). وصحّحه عبد اللّه البَسّام في توضيح الأحكام ج1/208. وقال محمّد الأمين الشّنقيطيّ :" ومن المسائل التي تَنبني على الاختلاف في التّيمّم، هل يرفع الحدث أو لا؟...وكذلك إذا تيمّم ولبس الخفّين، فعلى أنّ التيمّم يرفع الحدث يجوز المسح عليهما في الوُضوء بعد ذلك، والعكس بالعكس ". (أضواء البيان ج2/66)

سترهما لـمحلّ الفرض: أي: الـمفروض غسله من الرّجل، فلو ظهر من محلّ الفرض شيء لم يصحّ الـمسح. قال ابن جُزيّ :" وأن يكون ساتراً إلى الكعبين ". (القوانين الفقهية ص 38)

وهل يمسح على الخفّ الـمُخرّق؟ اختلف العلماء في حكم الـمسح على الخُفّ الـمُخرّق:

فذهب الشّافعيّ إلى أنّه لا يجوز الـمسح على الخُفّ الـمُخرّق في محلّ الفرض، وبه قال أحمد، ومَعمر بن راشد.

وعن مالك: إن كان الخَرق يسيراً مسح، وإن كان كثيراً لم يمسح.

وعن أبي حنيفة: إن كان الخرق قدر ثلاث أصابع لم يجز الـمسح، وإن كان دونه جاز.

وعن الأوزاعيّ: إن كان الخرق قد بدت إصبعه أو كلّها أو طائفة من رِجله توضّأ، ومسح على خُفّيه، وغسل ما بدا من رجله.

وعن الحسن: إذا خرج الأكثر من أصابعه لم يَجُز المسح.

وذهب سُفيان الثّوريّ، وابن المبارك، وإسحاق، وأبو ثور، ويزيد بن هارون، إلى جواز الـمسح على جميع الخفاف. (الأوسط ج1/448-450، والمجموع ج1/523-524) قال سفيان الثّوريّ :" امسح عليها ما تعلّقت به رجلك، هل كانت خِفاف الـمُهاجرين والأنصار إلاّ مُخرّقة مُشقَّقة مُرقّعة ". رواه عبد الرّزّاق برقم 753. (المجموع ج1/524) وقال أبو ثور :" لو كان الخرق يمنع عن المسح لبيّنه النّبيّ ".

ورجّح هذا القول ابن المُنذر، فقال:" لأنّ النّبيّ لمّا مسح على الخفّين، وأذِن بالمسح عليهما إذناً عامّاً مُطلقاً، دخل فيه جميع الخِفاف، فكلّ ما وقع عليه اسم الخُفّ فالمسح عليه جائز، على ظاهر الأخبار، ولا يجوز أن يُستثنى من السُّنن إلاّ بسُنّة مثلها، أو إجماع، وهذا يلزم أصحابنا القائلين بعُموم الأخبار، والمُنكرين على من عدل عنها إلاّ بحُجّة ".(الأوسط ج1/450) وابن حزم في المحلّى ج1/334، واختاره ابن تيمية في فتاويه ج21/172، واختياراته ص 13، والألبانيّ في إتمام النُّصح ص 84، وابنُ عُثيمين في الشّرح المُمتع ج1/191. واحتجّ له الرّافعيُّ في شرح الوَجيز بأنّ القول بامتناع المسح يُضيِّق باب الرُّخصة، فوجب أن يمسح. قال الألبانيّ :" ولقد أصاب ". (إتمام النُّصح ص 86)

وقال محمّد الأمين الشّنقيطيّ :" وأقربُ الأقوال عندي، المسح على الخفّ المُخرّق ما لم يتفاحش خرقه حتّى يمنع تتابع المشي فيه، لإطلاق النّصوص، مع أنّ الغالب على خِفاف المسلمين والغُزاة عدم السّلامة من التّخريق ". (أضواء البيان ج2/27).

إباحتهما: فلا يجوز الـمسح على الـمغصوب، أو الـمسروق، أو المُتّخذ من حرير، أو ذهب، أوفضّة لرَجُل، لأنّ لبسه معصية فلا تُستباح به الرُّخصة، ولأنّ القول بجواز المسح على ما كان مُحرّماً، مُقتضاه إقرار هذا الإنسان على لُبس المُحرّم، والمُحرّم يجب إنكاره. وبهذا قال المالكية، والحنابلة، وهو وجه عند الشّافعية. قال ابن جُزيّ :" أن يكون لبسه مُباحاً تحرُّزاً من المُحرّم، وغاصب الخُفّ ". (القوانين الفقهية ص 38) وقال البُهوتيّ :" فلا يجوز المسح على مغصوب، ولا على حرير لرجُل، لأنّ لبسه معصية فلا تُستباح له الرُّخصة ". (الرَّوض المُربع ج1/59)

وقيل: يجوز، وبه قال الحنفية، ونسبه النوويُّ في المجموع إلى جماهير الشّافعية، وعلّلوا ذلك بأنّ المعصية لا تختصّ باللّبس فلم تمنع صِحّة العبادة كالصّلاة في الدّار المغصوبة. (المجموع ج1/538، والموسوعة الفقهية ج37/267) وقال النوويّ :" فالخُفّ المغصوب، والمسروق، وخُفّ الذّهب أو الفضّة يَصحّ المسح عليه على الأصحّ ". (روضة الطّالبين ص 58) واختار القَرافيّ من المالكية جواز المسح على الخُفّ المغصوب، فقال :" صحّت صلاتُه عندنا، لأنّه أتى بالطّهارة على الوجه المطلوب شرعاً، وجِنايتُه على صاحب الخُفّ، كالصّلاة في الدّار المغصوبة ". (مختصر الفُروق ص 180) وقال الصّاويّ :" الأظهر إجزاء مسح المغصوب، وذلك لأنّ التّحريم في الغصب لم يَرد على خُصوص لُبسه، بل من أصل مُطلق الاستيلاء عليه ". (حاشية الصّاويّ مع الشّرح الصّغير ج1/234) ولهم- أي المالكية- في ذلك تردُّد، فقد منعه عطاءُ اللّه واعتبره كالمُحرِم في عَدم جواز لبس الخُفّ والمسح عليه، فهو إذن عاص بلبسه. (التّسهيل لمعاني مختصر خليل ج2/118) وقال ابنُ عُثيمين :" ولا نعلم دليلاً بيّناً على ذلك -أي على المنع- (الشّرح الممتع ج1/189) وصحّح القول بجواز المسح أصحابُ الفقه المُيسّر، مع ثُبوت الإثم على الغاصب، والسّارق، وغيرهم ممّن يلبس خُفّاً غير مباح. (الفقه الميسّر ج1/90)

والقول الثّاني أظهر.

طهارتهما: فلا يجوز المسح على نجس العين، كأن يكون الخُفّ من جِلد حِمار مثلاً، أو من جِلد مَيّتة.

لكن إذا كان الخُفّ من جِلد ميّتة مأكولة اللّحم مدبوغ فهل يجوز المسح عليه؟

هذا محلّ خلاف بين العلماء: فمن قال بأنّ الدّبغ لا يُطهِّر لم يُجِز المسح عليه، كما عند المالكية في المشهور، والحنابلة، ومن قال بأنّ الدّبغ يُطهِّر، أجاز المسح عليه، كما عند الحنفية، والشّافعية، ورواية عن مالك. (بداية المجتهد ج1/151-152، والموسوعة الفقهية ج37/264) والرّاجح جواز المسح عليه، لأنّ الدّبغ مُطهِّر في أصحّ قولي العلماء. (الفقه الميسّر ج1/88)

إمكانية مُتابعة المشي فيهما عادة: فإذا كان الخُفّ لا يستمسك على القَدم، فلا يجوز المسح عليه عند الحنفية، والمالكية، والشّافعية في الأصحّ عندهم، والحنابلة.

وقيل: يجوز، وبه قال بعض الشّافعية، واختاره ابن تيمية، وابن عُثيمين.

قال النوويّ :" لو اتّخذ واسعاً لا يثبت في الرِّجل إذا مشى فيه، أو ضَيّقاً جدّاً، بحيث لا يُمكن المشي فيه، فوجهان حكاهما جماعات، منهم القاضي حُسين، أصحّهما: لا يجوز المسح عليهما، وبه قطع البَغويّ، وصحّحه الرّافعيّ، وغيره، ونقله في الضَيِّق الشّاشي عن جمهور الأصحاب، لأنّه لا حاجة إليه.

والثّاني: يجوز، لأنّه صالح في نفسه بدليل أنّه يصلح لغيره. فأمّا الضيِّق الذي اتّسع بالمشي، فيجوز المسح عليه، صرّح به البغويّ وغيره ". (المجموع ج1/528-529)

وقال ابن تيمية :" النّبيّ قد أمر أمّته بالمسح على الخفّين ولم يُقيّد ذلك بكون الخُفّ يثبت بنفسه أو لا يثبت بنفسه، وسليماً من الخَرق والفتق، أو غير سليم، فما كان يُسمّى خُفّاً ولبِسه النّاسُ ومَشوا فيه، مَسحوا عليه، المسح الذي أذن اللّه فيه ورسوله، وكلّ ما كان بمعناه مُسِح عليه، فليس لكونه يُسمّى خُفّاً معنىً مُؤثِّر، بل الحكمُ يتعلّق بما يُلبس ويُمشى فيه ". (مجموع الفتاوى ج19/242) وقال ابن عُثيمين :" والصّحيح: أنّه يصحّ، والدّليل على ذلك أنّ النُّصوص الواردة في المسح على الخفّين مُطلقة. فما دام أنّه ينتفع ويمشي به فما المانع؟ ولا دليل على المنع ". (الشّرح المُمتع ج1/192)

وهذا القول هو الرّاجح، والدّليل عدم الدّليل على المنع.

6 - أن يكون الـمسح في الـمُدّة الـمُحدّدة شرعاً: وهي للمُقيم يوم وليلة، وللمُسافر ثلاثة أيّام بلياليّهن.

مدّة الـمسح: فالـمسح مؤقّت بيوم وليلة للمُقيم، وثلاثة أيّام بلياليّهن للمُسافر. دليله: حديث خُزيمة بن ثابت ، عن النّبيّ ، قال:" الـمسح على الخفّين للمُسافر ثلاثة أيّام وللمُقيم يوم وليلة ". رواه أبو داود برقم 157، و158، والتّرمذيّ برقم 95، وابن ماجه برقم 553، وقال التّرمذيّ: حسن صحيح، وصحّحه الألبانيّ في أبي داود برقم 142، وحديث صفوان بن عسّال قال:" كان رسول اللّه يأمرنا إذا كُنّا سَفْراً - أي مُسافرين- ألّا ننزع خِفافنا ثلاثة أيّام ولياليهنّ إلاّ من جَنابة، ولكن من غائط وبول ونوم ". رواه التّرمذيّ برقم 96، وقال حسن صحيح، والنَّسائيّ برقم 126، وصحّحه ابنُ خُزيمة برقم 195، وابن حِبّان برقم 1322، و1331، والخطّابيّ في معالم السّنن ج1/111، والنوويّ في المجموع ج1/509، وابنُ حَجر في الفتح ج1/413، وحسّنه الألبانيّ في الإرواء برقم 104. ونحوه في حديث عليّ الذي رواه مسلم برقم 276، وحديث أبي بكرة ، الذي رواه الدّارقطنيّ برقم 51، وابن ماجه برقم 556، وابن خُزيمة برقم 192، وصحّحه الشّافعيّ، والخطّابيّ، وحديث عوف بن مالك ، الذي رواه أحمد برقم 23995، وقال البيهقيّ : قال التّرمذيّ: قال البخاريّ: هذا الحديث حسن ". (المجموع ج1/509)، وصحّحه الألبانيّ في الإرواء برقم 102. قال الإمام النوويّ :" قد ذكرنا أنّ الصّحيح من مذهبنا، والذي عليه العمل والتّفريع، أنّه مُؤقّت للمُسافر ثلاثة أيّام بلياليها وللمُقيم يوم وليلة، وبهذا قال أبو حنيفة، وأحمد، وأصحابهما، وجُمهور العُلماء من الصّحابة والتّابعين فمن بعدهم ". (الـمجموع ج1/508)

وذهب مالك، واللّيث بن سعد، والشّعبيّ، وربيعة، إلى أنّه لا وقت للمسح على الخُفّين، ومن لبس خُفّيه وهو طاهر يمسح ما بدا له في الحضر والسّفر، الـمُقيم والـمُسافر في ذلك سواء. وفي رواية عن مالك أنّه مُؤقت، وفي رواية مؤقّت للحاضر دون المسافر. (المجموع ج1/508) قال ابن رُشد :" فرأ ى مالك أنّ ذلك غير مؤقّت، وأنّ لابِس الخفّين يمسح عليهما ما لم ينزعهما، أو تُصيبه جنابة ". (بداية المجتهد ج1/44)

واحتجُّوا بحديث أُبيّ بن عِمار أنّه قال:" يا رسول اللّه، أأمسح على الخُفّ؟ قال: نعم. قال: يوماً؟ قال: نعم. قال: يومين؟ قال: نعم. قال: وثلاثة؟ قال: نعم. حتّى بلغ سبعاً ثمّ قال: امسح ما بدا لك ". رواه أبو داود برقم 158، وابن ماجه برقم 557. قال ابن عبد البرّ :" إنّه حديث لا يثبت، وليس له إسناد قائم ". (الاستذكار ج1/221) وقال النوويّ :" فهو أنّه ضعيف بالاتّفاق كما سبق بيانه ". (المجموع ج1/509)

وحديث خُزيمة بن ثابت ، عن النّبيّ أنّه سُئِل عن المسح على الخفّين. فقال:" للمسافر ثلاثة أيّام، وللمقيم يومٌ وليلةٌ". وقال في رواية:" لو استزدناه لزادنا ". رواه أحمد ج5/213، وأبو داود برقم 157، وصحّحه الألبانيّ في صحيح أبي داود برقم 142، وقال النوويّ :" إنّه ضعيف بالاتّفاق ". (المجموع ج1/509) وقال التّرمذيّ :" سألت البخاريّ عن هذا الحديث، فقال: لا يصحّ ". (المجموع ج1/509) ومع التّسليم بثُبوته، قال ابنُ سيّد النّاس :" لوثبتت هذه الزّيادة لم تقُم بها حُجّة، لأنّ الزّيادة على ذلك التّوقيت مظنونة أنّهم لو سألوا زادهم ولا زِيدوا، فكيف إذا ثبتت زيادةٌ بخبر دلّ على عدم وقوعها ". (نيل الأوطار ج1/233) وقال ابن حزم :" وهذا ظنٌّ وغَيبٌ لا يحلّ القطع به في أخبار النّاس، فكيف في الدّين، إلاّ أنّه صحّ من هذا اللّفظ أنّ السّائل لم يتماد فلم يزدهم شيئاً، فصار هذا الخبر لو صحّ حُجّةً لنا عليهم ومُبطِلاً لقولهم ومُبيِّنا لتوقيت الثّلاثة في السّفر، واليوم واللّيلة في الحضر ". (المحلّى ج1/326) وقال الشّوكانيّ:" وغايتها بعد تّسليم صحّتها أنّ الصّحابيّ ظنّ ذلك، وأنّه ليس بحُجّة، وقد ورد توقيت المسح بالثّلاث، واليوم واللّيلة من طريق جماعة من الصّحابة، ولم يظنّوا ما ظنّه خُزيمة ". (النّيل ج1/233)

وحديث عُقبة بن عامر الجُهنيّ ، أنّه قدم على عمر بن الخطّاب من مِصر، فقال:" منذ كم لم تنزع خُفّيك؟ قال: من الجُمعة إلى الجُمعة، قال: أصبت السُّنّة ". رواه الدّارقطنيّ ج1/199، والحاكم ج1/180 وصحّحه، ورواه ابن ماجه برقم 564، وصحّحه الألبانيّ في صحيح ابن ماجه برقم 458، وصحّحه ابن تيمية في مجموع الفتاوى ج21/178.

وأُجيب عنه: كما ورد عن عمر عدمُ التّوقيت، فقد ورد عنه التّوقيت، كما في حديث أبي عُثمان قال: حضرت سعداً وابن عمر يختصمان إلى عُمر في المسح على الخفّين، فقال عُمر: يمسح عليها إلى مثل ساعته من يومه وليلته. رواه عبد الرّزّاق في مُصنّفه ج1/209، وصحّحه الألبانيّ في إتمام النُّصح في أحكام المسح ص 91. قال البيهقيّ :" وقد رَوَينا عن عمر بن الخطّاب التّوقيت، فإمّا أن يكون رجع إليه حين جاءه الثّبت عن النّبيّ في التّوقيت، وإمّا أن يكون قوله الذي يُوافق السُّنّة المشهورة أولى ". (السُّنن الكبرى ج1/280) قال النوويّ :" المَرويّ عن عُمر يُجاب عنه بهذين الجوابين ". (المجموع ج1/510)

وحمله ابنُ تيمية على الضّرورة، وتعذُّر خَلع الخُفّين بسبب فوات الرُّفقة أو غيره. وقد عمل به في بعض أسفاره كما ذكر. (مجموع الفتاوى ج21/177)

والصّواب ماذهب إليه الجمهور. قال اابن عبد البرّ :" وأكثر التّابعين والفقهاء على ذلك، وهو الاحتياط عندي، لأنّ المسح ثبت بالتواتر، واتّفق عليه أهل السّنّة والجماعة، واطمأنّت النّفسُ إلى اتّفاقهم، فلمّا قال أكثرهم: إنّه لا يجوز المسح للمُقيم أكثر من خمس صلوات، يوم وليلة، ولا يجوز للمُسافر أكثر من خمس عشرة صلاة، ثلاثة أيّام ولياليها، فالواجب على العالم أن يؤدّي صلاته بيقين، واليقينُ الغَسل، حتّى يُجمعوا على المسح، ولم يُجمعوا فوق الثّلاث للمُسافر، ولا فوق اليوم للمُقيم...". (التّمهيد ج2/242) واستظهره ابن رُشد في بداية المجتهد ج1/46

وقد استحبّ المالكية نزعَه في كلّ أُسبوع. قال مُحنض الدِّيمانيّ :" ونُدِب لماسح الخُفّ نزعه كلّ يوم جمعة، وظاهره ولو لمن لا يغتسل لها، وقيّده بعضُهم بالمُقيم، لأجل غُسل الجمعة ". (مُيسّر الجليل ج1/108)

وقال محمّد الأمين زيدان :" وكذا يُندب نزعه كلّ أسبوع، وإن لم يكن يوم جمعة، أي: إن لم ينزعه يوم الجمعة نُدب له أن ينزعه في مثل اليوم الذي لبسه فيه ". (النّصيحة ج1/109)

7 - متى تبتدئ مُدّة الـمسح: اختلف العلماء في ابتداء مدّة الـمسح على أقوال:

الأوّل: تبتدئ مُدّة الـمسح من أوّل حدث بعد لُبس الخفّ. وهو مذهب أبي حنيفة، والشّافعيّ، وأصحّ الرّوايتين عن أحمد، ومذهب داود، ونسبه النوويّ إلى الجمهور. (المجموع ج1/512)

الثّاني: تبتدئ الـمُدّة من حين يمسح بعد الحدث. وبه قال الأوزاعيّ، وأبو ثوْر، ورواية عن أحمد، واختاره ابن الـمُنذِر، والنوويّ، وهو مَرويّ عن عمر ﵁. (المجموع ج1/512) ودليله: الأحاديث الصّحيحة كلّها فيها أنّ النّبيّ :" أمر بالمسح"، وفي بعضها:" رخّص في المسح "، وفي أخرى:" جعل الـمسح للمُقيم يوم وليلة...". قال الألبانيّ:" ومن الواضح جدّاً أنّ الحديث كالنّصّ على ابتداء مُدّة الـمسح من مُباشرة الـمسح، وهو كالنّصّ أيضاً على ردّ القول الأوّل... ". (إتمام النُّصح ص89) ولا يُمكن أن يصدق على الـمُقيم أو الـمسافر أنّه ماسح إلاّ بفعل الـمَسح. ويُقوّي هذا القول، ويزيده بياناً قول عمر ﵁، الذي رواه عبد الرّزّاق، عن أبي عُثمان النَّهديّ، قال:" حضرت سعداً وابن عمر يختصمان إلى عُمر في الـمسح على الخفّين. فقال عمر:" يمسح عليهما إلى مثل ساعته من يومه وليلته ". (المُصنّف ج1/209)، وهو صريح في أن الـمسح يبتدئ من ساعة إجرائه إلى مثلها من اليوم واللّيلة، ولا يجوز العُدول عن ظاهر قول رسول اللّه إلى غير قوله إلاّ بخبر عنه، أو إجماع يدلّ على خصوص.

الثّالث: تبتدئ مُدّة الـمسح من حين لُبس الخفّين، وهو مَرويّ عن الحسن البصريّ، نسبه إليه الماوَرديّ، والشّاشي، كما في المجموع ج1/512.

والصّواب أنّ المدّة تبتدئ من حين مسحه على خُفّيه تمام يوم وليلة للمُقيم، وإلى تمام ثلاثة أيّام ولياليهنّ للمُسافر.

8 - كيفية الـمسح: الـمحلّ الـمشروع مسحه هو ظاهر الخُفّ فقط، والواجب في ذلك ما يُطلق عليه اسم الـمسح، وكيفية الـمسح أن يمسح أكثر أعلى الخُفّ، لحديث الـمُغيرة بن شُعبة : أنّ رسول الله كان يمسح على الخفّين وقال:" مسح على ظهر الخفّين ". رواه أبو داود برقم 161، والتّرمذيّ برقم 97، وصحّحه الألبانيّ في صحيح أبي داود برقم 146.

ولا يُجزئ مَسحُ أسفله ولا يُسنّ، لقول عليّ ﵁:" لو كان الدّين بالرّأي لكان أسفل الخُفّ أولى بالـمسح من أعلاه، وقد رأيت النّبيّ يمسح على ظاهر خُفيه ". رواه أبو داود برقم 162 والبيهقيّ، وصحّحه ابن حجر في التّلخيص ج1/169، وصحّحه أحمد شاكر في المسند برقم 917، والألبانيّ في صحيح أبي داود برقم 147.

وممّن قال يكفي مسحُ ظاهره أبوحنيفة، وأحمد، والثّوريّ، والأوزاعيّ، وحكاه ابن المُنذر عن الحسن، وعُروة بن الزُّبير، والشّعبيّ، والنّخعيّ، وغيرهم. (التّمهيد ج2/235-239) واختاره ابن المنذر، حيث قال:" وبهذا نقول، ولا أعلم أحداً يرى أنّ مسح أسفل الخُفّ وحده يجزي من المسح، وكذلك لا أعلم أحداً، أوجب الإعادة على من اقتصر على مسح أعلى الخُفّ ". (الأوسط ج1/455) وهذا القول هو الرّاجح.

وأصحّ الرِّوايات عن أحمد أنّ الواجب مسح أكثر أعلى الخُفّ، وعند أبي حنيفة يكفي مسح ثلاثة أصابع من أعلى الخُفّ.

وذهب الشّافعيّ إلى أنّ الواجب مسح أقلّ جُزء من أعلاه وأنّ مسح أسفله مُستحبّ.

وذهب مالك إلى أنّه يلزم مسح أعلاه وأسفله معاً فإن اقتصر على أعلاه أعاد في الوقت لا مُطلقاً، وإن اقتصر على أسفله أعاد أبداً. وعنه رواية أخرى وهي المشهورة، وقد مشى عليها خليل في المختصر، أنّ مسح أعلاه واجب، ومسح أسفله مندوب. وأنّ الصّلاة تبطل بترك مسح الأعلى، وتُعاد في الوقت لترك مسح الأسفل. (أضواء البيان ج2/40-41، والمنهل العذب ج2/113، ومواهب الجليل ج1/94).

9 - وهل يبدأ في الـمسح عليه باليُمنى قبل اليُسرى؟: قولان للعلماء:

الأوّل: يُمسحان جميعاً باليدين، لأنّ هذا هو ظاهر لفظ حديث عليّ وفيه:" يمسح على ظاهر خُفّيه ". وحديث الـمُغيرة :" فمسح عليهما. ولم يذكر أنّه بدأ باليمين. وبه قال الحنفية. قال محمود خطّاب :" وكيفية المسح المُستحبّة عندهم، أن يضع أصابع يمينه على مُقدّم خُفّه الأيمن، وأصابع يساره على مُقدّم خُفّه الأيسر، ويمرّهما إلى أصل السّاق فوق الكعبين، وإن وضع الكفّ مع الأصابع كان أحسن، وأن يكون المسح خُطوطاً ". (المنهل العذب ج2/144)

الثّاني: يبدأ باليُمنى فيمسحها بيده الشّمال، ثمّ يمسح اليُسرى باليُسرى كذلك. وقالوا: لأنّ مسح الخُفّين فرع عن غَسل الرّجلين، والغَسل فيه استحباب التّيامن، ولأنّه كان يُحبّ التّيامن في كلّ شأنه. وبه قال الحنابلة. قال محمود خطّاب:" ويُسنّ أن يكون المسح باليد اليُسرى مُفرجة الأصابع مُبتدِئاً من رؤوس أصابع الرّجل مُنتهياً إلى السّاق ". (المنهل العذب ج2/144) وهذا أقرب لعُموم الحديث. قيل لأحمد:" كيف المسح؟ فقال: هكذا وخطّ بأصابعه على ظهر رجليه". (الأوسط ج1/456) وقال عبد الرّزّاق :" أرانا الثّوريُّ كيف المسح؟ فوضع أصابعه على مُقدّم خُفّه، وفرّج بينهما، ثمّ مسح حتّى أتى على أصل السّاق ". (الأوسط ج1/455) واختاره ابنُ باز، حيث قال:" السُّنّة أن يبدأ بالرِّجل اليُمنى قبل اليُسرى، لقوله :" إذا توضّأتم فابدؤوا بميانمكم "، وقول عائشة:" كان النّبيّ يُعجبه التّيمُّن في تنعُّله، وفي وترجُّله، وفي طُهوره، وفي شأنه كلّه ". مُتّفقٌ على صحّته. فإذا مسح الرِّجل اليُمنى باليد اليُمنى، والرِّجل اليُسرى باليد اليُسرى، فلا بأس إذا بدأ باليُمنى، وإن مسحهما جميعاً باليد اليُمنى، أو اليُسرى، فلا حرج. (مجموع فتاوى ومقالات ج10/105) لكن كيف مسح أجزأه.

والـمسح يكون مرّةً واحدة، ولا يتكرّر، كما قال ابن عبّاس . وقيل: ثلاثاً، وبه قال عطاء. (الأوسط ج1/455-456)

10 - خَلع الخُفّ - أي نزعه - هل ينقض الوضوء أو لا؟: اختلف العلماء في هذه الـمسألة على أقوال:

الأوّل: من نزع خُفّيه أو أحدهما كفاه غسل قدميه فقط، أو غسل القدم الذي نزع عنه الخُفّ، ويمسح على الأخرى، ثمّ يلبس الخُفّ الـمنزوع بعد ذلك ما لم ينتقض وضوؤه قبل لبسهما. وبه قال الحنفية، والشّافعية، والثّوريّ، وغيرُهم.

الثّاني: يجب على من نزع أحد خفّيه أن يستأنف الوضوء، ولا يصحّ لبس الخُفّين إلاّعلى طهارة كاملة. وبه قال الحنابلة، والأوزاعيّ، وإسحاق، وغيرُهم.

الثّالث: من نزع خُفّيه كفاه غسل رجليه إذا كان عقِب نزع الخُفّين، وأمّا إذا طالت مُدّة الفصل بينهما وجب عليه استئناف الوضوء، وبه قال مالك، واللّيث بن سعد.

الرّابع: من نزع خُفّيه أو أحدهما فلا يضرّه شيء، وطهارته صحيحة باقية ما لم يُحدث. وبه قال أهل الظّاهر، والحسن، ورُوي عن النّخعيّ، وعطاء، وقَتادة، واختاره ابن الـمُنذر، والنوويّ، وابن تَيمية. (الأوسط ج1/459-460، والمجموع ج1/557، والمنهل العذب ج2/128، والاختيارات ص 15)

وهذا القول الرّابع هو الرّاجح، لأنّه مُوافق لعمل الخليفة الرّاشد عليّ ﵁، فقد ثبت عنه أنّه:" أحدث ثمّ توضّأ ومسح على نعليه، ثمّ خلعهما، ثمّ صلّى". رواه الطّحاويُّ في شرح المعاني ج1/58، والبيهقيُّ ج1/288، وصحّحه الألبانيُّ في تمام المنّة ص115، ولأنّه مُوافِقٌ للنّظر الصّحيح، فإنّه لو مسح على رأسه، ثمّ حَلّق لم يجب عليه أن يُعيد الـمسح بله الوضوء. (المنهل العذب ج2/128، وإتمام النُّصح ص 87)

11 - انتهاء مدّة الـمسح هل تنقض الوضوء؟: اختلف العلماء في هذه الـمسألة على أربعة أقوال، ذكرها النوويّ.

أحدها: يكفيه غسل قدميه فقط، وهو أصحّ القولين عند الشّافعية، وهو مذهب أبي حنيفة، وأصحابه، والثّوريّ، وأبي ثور، والمُزنيّ، وهو رِواية عن أحمد.

وثانيها: يلزمه استئناف الوضوء، وبه قال مكحول، والنّخعيّ، والزُّهريّ، وابن أبي ليلى، والأوزاعيّ، والحسن بن صالح، وإسحاق، وهو أصحّ الرّوايتين عن أحمد.

وثالثها: إن غسل رجليه عقب النَّزع كفاه، وإن أخّر حتّى طال الفصل استأنف الوضوء، وبه قال مالك، واللّيث.

ورابعها: أنّه لا شيء عليه -لا غسل القدمين ولا غيره- بل طهارته صحيحة يُصلِّي بها ما لم يُحدث. وبه قال الحسن البصريّ، وقتادة، وسُليمان بن حَرب، وابن المُنذر. قال النوويّ:" وهو الـمختار الأقوى ". (المجموع ج1/557) وهو قول داود، وابن حزم، واختاره ابنُ عُثيمين، والألبانيّ، وهو القول الرّاجح، لأنّ النّبيّ إنّما وقّت مُدّة الـمسح ليُعرف بذلك انتهاء مُدّة الـمسح لا انتهاء الطّهارة، فالصّحيح أنّه إذا تمّت الـمُدّة والإنسان على طهارة، فلا تبطل لأنّها ثبتت بمقتضى دليل شرعيّ وما ثبت بمقتضى دليل شرعيّ فلا ينتقض إلاّ بدليل شرعيّ آخر، ولا دليل على ذلك في هذه الـمسألة، والأصل بقاء الطّهارة. (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين ج11/179، وإتمام النّصح ص 93)

قال الحسن البصريّ :" لا يبطل الوضوء بانقضاء الوقت، ويُصلّي حتّى يُحدِث، ثمّ لا يمسح بعد حتّى ينزعهما ". (المغني ج1/367)

12 - الـمسح على النّعلين:

تعريف النّعلين: والنّعلان تثنيّة النّعل، قال الجَزريّ :" النّعل مُؤنّثة وهي التي تلبس في الـمشي، تُسمّى الآن تاسومة ". (النِّهاية ج5/83) وقال الفيُّوميّ :" النّعل الحِذاء وهي مؤنّثة، وتُطلق على التّاسومة، والجمع أنعل ونِعال ". (المصباح المُنير ص 322) وقال محمود خطّاب :" والنّعلان تثنيّة نعل، وهو الحِذاء، وجمعها نِعال بالكسر وأنعل، والنّعل خلاف الخُفّ لغةً وعُرفًا. وقال ابن العربي : النّعل لباس الأنبياء، وإنّما اتّخذ النّاسُ غيره لما في أرضهم من الطّين، وكانت نعله ليس فيها شعر ولها قِبالان...". (المنهل العذب ج2/134) والقِبال: الزِّمام الذي يكون بين الإصبع الوسطى، والتي تليها.

حكم الـمسح على النّعلين:

ذهب جمهور العلماء، الحنفية، والـمالكية، والشّافعية، والحنابلة إلى أنّه لا يجوز الـمسح على النّعل.

قال ابن بطّال :" وبِترك الـمسح على النّعلين قال أئمّةُ الفتوى بالأمصار ". (شرح البخاريّ لابن بطّال ج1/260)

وقال ابن قُدامة :" الظّاهر أنّ النّبيّ إنّما مسح على سُيور النّعل التي على ظاهر القدم، فعلى هذا يكون المُراد مسح على سُيور نعليه وظاهر الجَوربين اللّتين فيهما قدماه ". (المُغني ج1/375)

وقال بدر الدِّين العَينيّ :" قوله ومسح على نعليه وقدميه ظاهره يقتضي جواز المسح على النّعلين والقدمين، لكن المراد منه أنّه كان في وضوء تطوّع لا في الوضوء من حَدث، يؤيّده ما أخرجه ابن خُزيمة في صحيحه وترجم عليه:" باب ذكر الدّليل على أنّ مسح النّبيّ على النّعلين كان في وضوء تطوّع"، لا من حَدث، عن سُفيان السدّي، عن عبد خير، عن عليّ ﵁ أنّه دعا بكوز من ماء، ثمّ توضّأ وُضوءًا خفيفاً، ومسح على نعليه، ثمّ قال: هكذا وضوء رسول اللّه للطّاهر ما لم يحدث. وقال ابن حِبّان في صحيحه: هذا إنّما كان في الوضوء النّفل، ثمّ استدلّ عليه بحديث أخرجه عن النزّال بن سبرة، عن عليّ أنّه توضّأ ومسح برجليه، وقال رأيت رسول اللّه فعل كما فعلت، وهذا وضوء من لم يحدث. وقال البيهقيّ: معنى مسح على نعليه، أي غسلهما في النّعل، وهذا أيضاً جواب حسن، لأنّا قد ذكرنا أنّ المسح قد يجيء بمعنى الغَسل، وجواب آخر أنّ الذي نَقل عن النّبيّ أنّه غسل رجليه جمٌّ غفير، والذي نَقل عنه أنّه مسح على نعليه عددٌ قليل، والقضية واحدة، والعددُ الكثير أولى بالحفظ من العدد اليسير، مع فضل من حفظ على من لم يحفظ ". (المنهل العذب ج2/140-141)

وقا الطِّيبيّ :" معنى قوله: والنّعلين: هو أن يكون قد لبس النّعلين فوق الجَوربين، وكذا قال الخَطّابيّ في المعالم. وقال محمّد المُبارَكفوريّ :" قُلت هذا المعنى هو الظّاهر ". (تحفة الأحوذيّ ج1/290) وقال محمّد عليّ الإتيوبيّ :"هذا الذي قاله الطِّيبيّ، والخطّابيّ، والمُباركفوريّ هو الذي يترجّح عندي ". (ذخيرة العقبى ج3/80)

وقالوا: لأنّ النّعلين لا يستُران محلّ الفرض.

وقالوا: ولأنّه لو مسح عليهما، فإنّه لم يصدق عليه أنّه غسل رجليه ولم يمسح على ساتر لهما، وقالوا: أحاديث جواز الـمسح على النّعلين ضعيفة. قال البيهقيّ:" والأصل وجوب غسل الرّجلين إلاّ ما خصّته سنّة ثابتة، أو إجماع لا يُختلف فيه، وليس على المسح على النّعلين ولا على الجَوربين واحد منهما ". (أضواء البيان ج2/33)

وذهب بعضُ العلماء إلى جواز المسح على النّعلين، واختاره الألبانيّ في إتمام النُّصح ص 83.

والرّاجح عدم جواز المسح على النّعلين بانفرادهما، لما ذُكر. وأمّا إن كان ساترين لمحلّ الفرض فهما في معنى الخُفّ.

قال محمّد الأمين الشّنقيطيّ :" إن كان المراد بالمسح على النّعلين، والجَوربين مُلصقان بالنّعلين، بحيث يكون المجموع ساترا لمحلّ الفرض مع إمكان تتابع المشي فيه، والجوربان صفيقان فلا إشكال، وإن كان المراد المسح على النّعلين بانفرادهما، ففي النّفس منه شيء، لأنّه حينئذ لم يغسل رجله، ولم يمسح على ساتر لها، فلم يأت بالأصل، ولا بالبَدل. والمسح على نفس الرّجل تردّه الأحاديث الصّحيحة المصرّحة بمنع ذلك بكثرة، كقوله :" ويل للأعقاب من النّار ". (أضواء البيان ج2/33-34)

وجاء في مسائل ابن باز ج1/64:" هل يجوز المسح على الأحذية التي لا تستر الكعبين -الكنادر-؟ الجواب:"لا".

وقال ابنُ عُثيمين :" وعلى كل حال فالاحتياطُ للمرْءِ ألّا يقدم على شيء إلّا وهو يعلم أنّ السُّنّة جاءت به، أو يغلب على ظنّه أنّ السُّنّة جاءت به، وأمّا ما ورد عن الصّحابة ممّا يُخالف ظاهر السُّنّة، فإنّه لا يُؤخذ به، بل يُعتذر عنهم ولا يُحتجّ بفعلهم ". (لقاء الباب المفتوح ج6/26) وقال:" المسح على النّعل لا يجوز". (مجموع الفتاوى والرّسائل ج11/168)

13- الـمسح على العِمامة:

تعريف العمامة: قال ابن منظور :" والعِمامة: من لِباس الرّأس معروفة. والجمع عمائم، وعمام ". (تهذيب اللّسان ج2/226) فهي من لباس الرّأس تُلفّ عليه، وتُدار.

حكم المسح على العمامة:

يجوز الـمسح على العمامة، لحديث بلال أنّ النّبيّ :" مسح على الخُفّين والخِمار ". رواه مسلم برقم 275. قال القُرطبيّ:" الخمار هنا: هي العِمامة سُمّيت بذلك لتخميرها الرّأس شبّهها بخمار الـمرأة ". (الـمُفهم ج1 / 534-535)

ولحديث الـمُغيرة بن شُعبة أنّ النّبيّ :" توضّأ فمسح بناصيته -أي مُقدّم الرأس- وعلى العِمامة والخُفّين ". رواه مسلم برقم 81، وفي رواية للتّرمذيّ برقم 100:" توضّأ النّبيّ ومسح على الخُفّين والعِمامة ". وصححّها الألبانيّ فيه برقم 87.

ولحديث عَمرو بن أُميّة الضَّمري قال:" رأيت النّبي يمسح على عِمامته وخُفّيه ". رواه البخاريّ برقم 205

وقد ذهب إلى جواز الـمسح على العِمامة الأوزاعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وبه قال: أبو بكر الصدّيق، وعُمر بن الخطّاب، وأنس، وأبو أُمامة، وسعد بن مالك، وأبو الدّرداء من الصّحابة، ومن التّابعين: عُمر بن عبد العزيز، والحسن، وقتادة، ومكحول. (الأوسط ج1/468) واختاره الطّبريّ، وابن خُزيمة، وابن المُنذر، وقال:" ثبت ذلك عن أبي بكر، وعُمر، وقد صحّ أنّ النّبيّ قال إن يُطع النّاسُ أبابكر، وعُمر، يرشُدوا ". (الفتح ج1/412)

واختلفوا هل يحتاج المسح على العمامة إلى لُبسها على طهارة؟ قال أبو ثور لا يمسح على العِمامة والخمار إلاّ من لبسهما على طهارة قياساً على الخُفّين، ولم يشترط ذلك أكثر أهل العلم، واختاره ابن تيمية كما في الإنصاف للمرداويّ ج1/130.

وكذلك اختلفوا في التّوقيت، فقال أبو ثور إنّ وقته كوقت المسح على الخُفّين، ورُوِي مثل ذلك عن عُمر، وبه قالت الحنابلة، والجُمهور لم يوقِّتوا. قال ابن حَزم :" إنّ النّبيّ مسح على العِمامة والخِمار ولم يوقّت ذلك بوقت ". (نيل الأوطار ج1/209، والمنهل العذب ج2/97) واختاره الشّوكانيّ في نيل الأوطار ج1/209.

وذهب جماعة إلى أنّ المسح على العِمامة لا يكفي عن مسح الرّأس. قال التّرمذيّ :" وقال غير واحد من أهل العلم من أصحاب النّبيّ ، والتّابعين: لا يمسح على العمامة، إلاّ أن يمسح برأسه مع العِمامة. وهو قول سفيان الثّوريّ، ومالك بن أنس، وابن المبارك، والشّافعيّ ". (صحيح سنن الترمذيّ ص 32)

وقال الخطّابيّ :" وأبى المسح على العِمامة أكثر الفقهاء ". (المجموع ج1/438، والمنهل العذب ج2/97)

وأجابوا عن الأحاديث التي استدلّ بها من قال بالجَواز بأنّه مسح الرّأس وكمّل على العِمامة. (المنهل العَذب ج2/97)

قال ابن القيّم في تهذيب السُّنن:" قال عُمر بن الخطّاب من لم يطهّره المسح على العِمامة، فلا طهّره اللّه. والمسح على العمامة سُنّة من سُنن رسول اللّه ماضية مشهورة عند ذوي القناعة من أهل العلم في الأمصار ". (المنهل العذب ج2/96)

وقال عُبيد اللّه بن محمّد المُبارَكفوريّ :" وبهذا علمت أنّ الحقَّ ما ذهب إليه أحمد وغيره، فقد ثبت المسح على الرّأس فقط، وعلى الرّأس والعِمامة فقط، وعلى الرّأس والعِمامة، والكلّ صحيح ثابت عن رسول اللّه ، موجود في كُتب الأئمّة الصِّحاح، والنّبيّ مُبيِّن لأمر اللّه، فقَصرِ الإجزاء على بعض ما ورد لغير مُوجب ليس من دَأب المُنصِفين ". (مِرعاة المفاتيح ج2/292)

وقال الشّوكانيّ :" والحاصل أنه قد ثبت الـمسح على الرّأس فقط، وعلى العِمامة فقط، وعلى الرّأس والعِمامة، والكُلّ صحيح ثابت... «. (نيل الأوطار ج1/209)

14- الـمسح على خِمار الـمرأة: اختلف العلماء في حُكم مسح الـمرأة على خِمارها على ثلاثة أقوال:

الأول: لا يجوز الـمسح على الخمار، وبه قال جمهور العلماء، الحنفية، والمالكية، والشّافعية، والأوزاعيّ، وأحمد في رواية، ونافع، والنّخعيّ. (الأوسط ج1/471، والمغني ج1/38/4)

الثّاني: يجوز الـمسح عليه، وبه قال أحمد في رواية ثانية، وابن حزم، وهو مَرويّ عن أمّ سلمة، والحسن. قال ابن المُنذر :"وفيه قول ثان: في المرأة تمسح على الخمار، ورُوي ذلك عن الحسن ". (الأوسط ج1/471، والمغني ج1 /384) وقال ابن قُدامة :" وفي المسح على القلانس، وخُمُر النِّساء المُدارات تحت حُلوقهنّ روايتان ". (الإنصاف ج1/129) وقال ابن عُثيمين:" المشهور من مذهب الإمام أحمد أنّها تمسح على الخمار إذا كان مُداراً تحت حَلقها....". (مجموع فتاوى ورسائل ج11/171)

ولأنّه ملبوس مُعتاد يشقّ نزعه، فأشبه العِمامة. (المغني ج1/384)

الثّالث: جواز المسح عليه للحاجة. واختاره ابن تيمية حيث قال:" إن خافت المرأةُ من البَرد، ونحوه، مَسحت على خمارها، فإنّ أُمّ سلمة كانت تمسح على خمارها، وينبغي أن تمسح مع هذا بعض شعرها، وأمّا إذا لم يكن بها حاجة إلى ذلك ففيه نزاع بين العلماء ". (مجموع الفتاوى ج21/218)

والـمُختار أنّها تمسح عليه للحاجة، كخشية رؤية شعرها، أو وجود الـمشقّة في نزعه، أو خوف البَرد، ونحو ذلك، وقد كانت أمّ الـمؤمنين أمّ سلمة تمسح على الخِمار. رواه ابن حزم عنها، في المُحلّى ج1/306، وابن المُنذر في الأوسط ج1/471، قال ابن عُثيمين :" وعلى كلّ حال فإذا كانت مشقّة، إمّا لبُرودة الجوّ، أو لمشقّة النّزع واللّف مرّةً أُخرى، في مثل هذا لا بأس به، وإلّا فالأَولى ألّاتمسح". (مجموع فتاوى ورسائل ج11/171، والشّرح المُمتع ج1/196)

وإذا كان الرّأس مُلبّدًا بالحنّاء، أو صَمغ، أو عسل، فهل يجوز المسح عليه؟ الصّحيح أنّه يجوز المسح عليه، لحديث ابن عُمر قال:" سمعت رسول اللّه يُهلّ مُلبِّداً ". رواه البخاريّ برقم 1540، ومسلم برقم 1184. والتّلبيد: أن يجعل المُحرِم في رأسه شيئاً من الصَّمغ، ليجمع شعره لئلّا يتشعّث في الإحرام. واختاره ابن عُثيمين، وقال:" وهذا يدلّ على أنّ طهارة الرّأس فيها شيء من التّسهيل ". (الشّرح المُمتع ج1/196) وصحّحه أصحابُ الفقه المُيسّر ج1/103. وقال محمّد الحطّاب :" تقدّم في كلام صاحب الطِّراز، والقَرافيّ، وابن عرفة، وابن ناجي أنّ المُلبِّد يجوز له المسح على الشّعر المُلبّد ولا يكون حائلاً. وقال الجُزوليّ بعد أن ذكر الخلاف في المسح على العِمامة والخمار: وانظر المُحرِم إذا لبّد رأسه قالوا: يجوز له المسح ولا راعوا الحائل، وإنّما ذلك للضّرورة. قاله شيخنا الشّارَمساحيّ. وقاله الشّيخ يوسف بن عمر أيضاً.

وقال الجزوليّ في باب الحجّ: ويجوز له أن يمسح على التّلبيد في الوضوء لأجل الضّرورة، وإن كان فيه الإضافة، أو لأنّه لا يُضيف الماء إضافة تؤثّر، وأمّا لغير ضرورة فلا يجوز المسح على الحائل ". (مواهب الجليل ج1/302)

15- الـمسح على الجَبيرة:

تعريف الجَبيرة: قال ابن قُدامة :" الجبائر: ما يُعدّ لوضعه على الكسر، لينجبر ". (المُغني ج1/355) وقال بدر الدِّين العَينيّ :" وهي العيدان التي تُجبر بها العِظام، ويُقال الجبيرة والجبائر بكسر الجيم، أعواد ونحوها تُربط على الكسر ونحوه لتضمّ بعض العضو إلى بعضه ليلتحم ". (البِناية ج1/612-613) فهي إذن ما يُجبر به العظم الـمكسور من أعواد تشدُّ عليه أو خِرقة تُلفّ عليه، ويدخل في ذلك الوسائل الطبيّة الحديثة، كالجبس على الكُسور، واللّصوق على أجزاء من البدن، أو على الجُروح ونحو ذلك. (الفقه المُيسّر ج1/95، ومنحة العلاّم ج2/105)

حكم المسح عليها: وقد اختلف العلماء في حكم الـمسح على الجبائر على أقوال:

الأوّل: يجوز الـمسح على الجبائر مع الوضوء: وبه قال الجمهور، من الصّحابة ابن عمر، وابن عبّاس ، ومن التّابعين الحسن البصريّ، والنّخعيّ، وعطاء، وهو مذهب الحنفية، والـمالكية، والشّافعية، والحنابلة، والأوزاعيّ، وأبي ثور، والمُزنيّ، وغيرهم. (الأوسط ج2/23-24، والمغني ج1/355)

واستدلّوا بأحاديث فيها ضعف، وقد قوّاها بعضُ العلماء، كالصّنعانيّ في سُبل السّلام ج1/180، والشّوكانيّ في نيل الأوطار ج 2/481، وبما ثبت عن الصّحابة فقد رَوى البيهقيّ في السُّنن الكبرى ج1/ 228، وصحّحه، وابن الـمنذرفي الأوسط ج2/24، والأثرم: " أنّ ابن عمر أصاب إبهام رِجله جرح فألقمه مرارة فكان يمسح عليها ". (المغني ج1/357). والمرارة العضو الذي في جوف الشّاة. وروى ابن المُنذر عن ابن عبّاس قوله:" امسح على الجرح إذا خشيت على نفسك في الوضوء ". (الأوسط ج2/24)

وقال العلماء: ولم يعرف لهؤلاء الصّحابة مخالف، كما قال ابن قدامة في المُغني ج1/355، وابنُ تيمية في شرح العُمدة ج1/285، فكان كالإجماع من الصّحابة على جواز الـمسح على الجبيرة. قال ابن المُنذر :" وأكثر أهل العلم يُجيزون المسح على الجبائر، إلّا ما ذكرت من أحد قوليّ الشّافعيّ، وشيء رُوي عن ابن سِيرين أنّه سُئل عن دواء وُضع على جُرح، فكأنّه لم يعرف إلّا الوضوء، وقال: ما نرى إلّا الوضوء ". (الأوسط ج2/25) وقال البيهقيّ :" لا يثبت عن النّبيّ في هذا الباب شيء، وأصحّ ما فيه حديث عطاء بن أبي رباح الذي تقدّم -أي عن جابر في الرّجُل الذي شُجّ رأسه-، وليس بالقويّ، وإنّما فيه قول الفقهاء من التّابعين فمن بعدهم، مع ما رُوِّينا عن ابن عمر في المسح على العصابة ". (السّنن الكبرى ج1/228)

واحتجّوا كذلك بالقياس على الـمسح على الخُفّين.

الثّاني: يمسح على الجبيرة ويتيمّم، وهو رواية عن الإمام أحمد، وقول بعض الشّافعية. وهذا القول لا دليل عليه. قال ابن عُثيمين :" لا يجب الجمع بين المسح والتيمّم، لأنّ إيجاب طهارتين لعُضوٍ واحد مُخالف لقواعد الشّريعة، لأنّنا نقول: يجب تطهير هذا العضو إمّا بكذا وإمّا بكذا، أمّا أن نُوجب تطهيره بطهارتين، فهذا لا نظير له في الشّريعة، ولا يكلِّف اللّهُ عبداً بعبادتين سببهما واحد ". (مجموع الفتاوى والرّسائل ج11/173).

الثّالث: يسقط تطهير محلّ الجَبيرة، فلا يمسح عليه ولا يتيمّم. وقد رُوِي عن الشّعبيّ، وهو قول أهل الظّاهر، واختاره الألبانيّ. وقالوا: لم يأتي قرآنٌ ولا سُنّةٌ بتعويض الـمسح على الجبائر والدّواء، من غَسل ما لا يقدر على غَسله فسقط القول بذلك.

قال ابن حزم :" ومن كان على ذراعيه، أو أصابعه، أو رِجليه جبائر، أو دواء مُلصق لضرورة، فليس عليه أن يمسح على شيء من ذلك، وقد سقط حُكم ذلك المكان..." (المُحلّى ج1/316)

والذي يُقوّي القول بجواز الـمسح على الجَبيرة كون ذلك ثابت عن الصّحابة، ولم يُعرف لهم مُخالف، وكونه من باب الضّرورة، فإذا جاز الـمسح على الخُفّين من غير ضرورة، جاز الـمسحُ على الجَبيرة من باب أَولى.

بسم الله الرحمن الرحيم