fiqh.ch
Zum Inhaltsverzeichnis
Kitāb aṭ-Ṭahāra — Das Buch der Reinheit · Kapitel 1

الباب السّادس: الغُسل

Die Ganzkörperwaschung (Ghusl)

1- تعريف الغُسل:

لغة: قال ابن منظور :" والغُسل: تمام غَسل الجسد كلّه ". (تهذيب اللّسان ج2/267) وقال الفيُّوميّ :" قال ابن القُوطيَة: الغُسل: تمام الطّهارة، وهو اسم من الاغتسال ". (المصباح المُنير ص237) وقال ابن حجر :" وحقيقة الغُسل جريان الماء على الأعضاء ". (الفتح ج1/479) وقال محمود محمّد خطّاب :" والغُسل بضمّ الغين اسم مصدر من اغتسل، وبالفتح مصدر غسل، ويجوز فيه الضمّ حكاه ابن سِيده وغيرُه، وبالكسر الشّيء الذي يغسل به مع الماء كالصّابون والأشنان. والمشهور في استعماله عند الفقهاء الفتح إذا أضيف إلى المغسول كغَسل الثّوب، والضمّ إذا أضيف إلى غيره، كغُسل الجنابة. وهو لغة الإسالة ". (المنهل العذب ج2/2) وقال صدّيق خان :" الغَسل: بفتح الغين، أفصح وأشهر من ضمّها: مصدر، وبمعنى الاغتسال، وبكسرها: اسم لما يُغتسل به من سِدر وخَطميّ ونحوهما، وبالضمّ: اسم للماء الذي يُغتسل به، وهو بالمعنيين الأولين لغةً: سيلان الماء على الشّيء ". (عون الباري ج2/ 7)

والخطميّ: ضرب من النّبات يُغسل به.

وشرعاً: إيصال الماء إلى جميع ظاهر الجسد، ومنه داخل الفمّ والأنف، بنيّة التّعبُّد. وقيل استعمال الماء في جميع بدنه على وجه مخصوص. (الرّوض المُربِع ج1/74، وعون الباري ج2/ 7، والمنهل العذب ج2/2)

2- حكمه: الغُسل: واجب إذا وجد سبب لوُجوبه، لقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ المائدة: 6

3- مُوجبات الغسل: ويجب الغُسل للأسباب الآتية:

أوّلاً: خروج المَنيّ دفْقًا بِلذَّة، سواء كان في النَّوم أو اليقظة من ذكر أو أُنْثى: لقوله لعليّ ﵁:" إذا فَضَخْتَ الماء - أي دفَقْت المَنيّ- فاغتسل". رواه أبو داود برقم 206. ولقول النّبيّ لأمِّ سُلَيْم امرأة أبي طَلْحَة حين قالت:" يا رسول الله، إنّ اللهَ لا يستحي من الحقّ، هل على المرأة من غُسل إذا هي احتلمت؟". فقال:" نَعم إذا رأت الماء ". رواه البخاريّ برقم282، ومسلم برقم 313.

قال ابنُ قُدامة :" فخروج المَنيّ الدّافق بشهوة يُوجِب الغُسل من الرجل والمرأة في يقظة أو في نَوْم، وهو قَول عامّة الفقهاء، قال التّرمذيّ:" ولا نعلم فيه خلافًا ". (المُغني ج1/266)

ثانيًا: تَغْيِيب -أي: إدخال- حَشَفَة الذَّكَر في الفَرْج ولو لم يُنْزِل ومعنى الحَشفة: رأس عُضو الرّجُل، لقوله :" إذا جلس بين شُعَبِها الأربع -أي: يداها ورجلاها- ثُمَّ جهدها -أي: جامعها- فقد وجَبَ الغُسل". رواه البخاريّ برقم 291، ومسلم برقم 348. وزاد مسلم:" وإن لم يُنْزِل ".

قال الإمامُ النَّوَوِيّ :" وجوب الغُسل وجميع الأحكام المتعلّقة بالجِماع يُشترط فيها تغييب الحشفة بكمالها في الفَرْج ولا يُشترط زيادة على الحشفة، ولا يَتعلق ببعض الحشفة وحده شيء من الأحكام ". (المجموع ج2/123)

ثالثًا: المَوْت: لحديث ابن عبّاس قال:" بينما رجل واقِف بعَرَفة إذْ وقَع عن راحلته، فَوَقَصَتْهُ - الوَقْص: كسر العُنُق- أو قال: فَأَقْعَصَتْهُ - القَعْص: أن يُضرب الإنسان فيُقتل قتلًا سَريعًا مَكانَه-، فقال النّبيّ :" اغْسِلُوه بماءٍ وسِدْرٍ...". رواه البخاريّ برقم 1266، ومسلم برقم 1206، ولحديث أُمِّ عَطِيَّة قالت:" دخَل علينا رسول الله حين تُوُفِّيَت ابنَتُه فقال:" اغْسِلْنَها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأَيْتُنَّ بماءٍ وسِدْرٍ...". رواه البخاريّ برقم 1253، ومسلم برقم 939.

قال ابنُ المُنْذِر :" وأجْمعوا أنّ الميِّتَ يُغسَّل غُسل الجَنابة «. (الإجماع ص 42)

رابعًا: انقطاع دم الحَيض والنِّفاس: لحديث عائشة أن النّبيّ قال لِفاطِمَة بنْت أَبِي حُبَيْش:" إذا أقْبَلَتْ الحَيْضة دَعِي الصّلاة وإذا أَدْبَرت فاغتَسِلِي وصَلِّي". رواه البخاريّ برقم 320، ومسلم برقم 333.

والنِفاس كَالحيض بالإجماع، وقد سَمّى رسول الله الحَيْض نِفاسًا، كما في حديث عائشة، فقال:"... مَا لَكِ لعَلّكِ نَفِسْتِ؟ ". قلتُ:"نعم...»، وهي قد حاضت. رواه مسلم برقم 1211.

2 - كيفية الغُسل: للغُسل كيفيتان، كيفية إجزاء، وكيفية استحباب وكمال. والضّابط: أنّ ما اشتمل على ما يجب فقط، فهو صفة إجزاء، وما اشتمل على الواجب والمسنون، فهو صفة كمال. قال ابن قدامة :" ولِغُسل الجنابة صفتان: صفة إجزاء، وصفة كمال ". (المغني ج1/287)

أمّا كيفية الإجزاء: فأن يَعُمَّ بدنه بالغَسل مرةً واحدة، ومنه داخل الفمّ والأنف مع النّية. وقد اختلف العلماء في فرائض الغُسل على التّفصيل الآتي:

فعند الحنفية: غسل فمه، وأنفه، وتعميم جسده بالماء. قال المَرغينانيّ :" وفرض الغُسل: المضمضة، والاستنشاق، وغسل سائر البدن ". (الهداية ج1/16)

وعند المالكية: النيّة، وتعميم الجسد بالماء، والدّلك، وتخليل الشّعر، والمُوالاة. قال ابن جُزيّ :" وهي خمسة: النيّة، خلافاً لأبي حنيفة، وتعميم البدن بالماء اجماعاً، والتدلّك في المذهب خلافاً لهم، والفور مع الذّكر والقُدرة خلافاً لهم، وتخليل اللّحية وفاقاً للشّافعيّ، وقيل سنّة ". (القوانين الفقهية ص 27)

وعند الشّافعية: النيّة، وتعميم الشّعر والبشرة بالماء، وإزالة النّجاسة إن كانت على بدنه. قال الشِّيرازيّ :" والواجب من ذلك ثلاثة أشياء: النيّة، وإزالة النّجاسة إن كانت، وإفاضة الماء على البشرة الظّاهرة، وما عليها من الشّعر حتّى يصل الماء إلى ما تحته، وما زاد على ذلك سنّة ". (المجموع ج2/209) قال النوويّ :" ولم يعد الأكثرون إزالة النّجاسة من واجبات الغُسل، وأنكر الرّافعيُّ وغيرُه جَعلها من واجب الغُسل. قالوا: لأنّ الوضوء والغُسل سواء، ولم يعد أحد إزالة النّجاسة من أركان الوضوء، لكن يُقال إزالة النّجاسة شرط لصحّة الوضوء والغُسل، وشرط الشّيء لا يُعدّ منه، كالطّهارة، وستر العورة لا يعدّان من أركان الصّلاة «. (المجموع ج2/212)

وعند الحنابلة: النيّة، والتّسمية، وغسل كلّ بشرته، وباطن فمه وأنفه. قال الخِرَقيّ :" وإن غسل مرّة، وعمّ بالماء رأسه وجسده، ولم يتوضّأ، أجزأه، بعد أن يتمضمض ويستنشق، وينوي به الغُسل والوضوء، وكان تاركاً للاختيار ". (المغني ج1/289) وقال ابن قدامة :" يعني إذا اقتصر على هذا أجزأه مع تركه للأفضل والأولى ". (المغني ج1/289) قال البَعليّ :" وفرضه: النّية، وغسل كلّ بشرته، وباطن فمه وأنفه ". (فقه الدّليل في شرح التّسهيل ج1/197-198) وقال الحجّاويّ :" والمُجزئ: أن ينوي، ويُسمِّي، ويعمّ بدنه بالغسل مرّة ". (الشّرح المُمتع ج1/304) واستبعد ابنُ قدامة كون التّسمية واجباً، فقال:" فأمّا التّسمية فحكمها حكم التّسمية في الوضوء على ما مضى، بل حكمها في الجنابة أخفّ، لأنّ حديث التّسمية إنّما تناول بصريحه الوضوء لا غير ". (المغني ج1/292) واختاره ابنُ عُثيمين فقال :" والصّحيح كما سبق أنّها ليست بواجبة لا في الوضوء، ولا في الغُسل ". (الشّرح المُمتع ج1/300)

دليل كيفية الإجزاء: حديث أُمّ سلمة ، قالت: قلت يارسول الله، إنّي امرأة أشُدّ ضَفر رأسي، فأنقُضُه لغُسل الجنابة؟ قال:" لا، إنّما يكفيك أن تَحثي على رأسك ثلاث حَثيات، ثم تُفيضين عليك الماء، فتطهُرين". رواه مسلم برقم 330، وأبو داود برقم 251، و252، والتّرمذيّ برقم 105، والنّسائيّ برقم241، وابن ماجه برقم 603 ومعنى " حَثيات ": حَفَنات.

وحديث جابر ، وقد سئل: كيف غسل الجنابة؟ قال:" كان النّبيّ يأخذ ثلاثة أكُفّ ويُفيضها على رأسه، ويُفيض على سائر جسده ". رواه البخاريّ برقم 256

وحديث جُبير بن مُطعِم قال": تذاكرنا الغُسل عند رسول الله فقال: " أمّا أنا فيكفيني أن أصبّ على رأسي ثلاثاً، ثمّ أفيض بعد ذلك على سائر جسدي ". رواه أحمد ج2/132- 133، وصحّحه النوويّ في المجموع ج2/209

وحديث أبي ذرّ ، أنّ النّبيّ قال:" الصّعيد وُضوء المسلم ولو على عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمِسّه جلدك، فإن ذلك خير ". رواه أبو داود برقم 332، والتّرمذيّ برقم 124 وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصحّحه ابن حِبّان، والحاكم، والألبانيّ في صحيح الجامع برقم 1666

أمّا كيفية الاستحباب والكمال، فهي كالآتي:

1- أن ينوي الغُسل، لحديث عمر :" إنّما الأعمال بالنّيات...". رواه البخاريّ برقم1، ومسلم برقم1907

والنّية فرض في الغُسل عند المالكية، والشّافعية، والحنابلة، وذهب الحنفية إلى أنّ النّية سُنّة، وليست بفرض. قال ابن رُشد :" اختلفوا هل من شروط هذه الطّهارة النّية أم لا؟ كاختلافهم في الوضوء. فذهب مالك، والشّافعيّ، وأحمد، وأبوثور، وأبو داود وأصحابه، إلى أنّ النّية من شروطها، وذهب أبوحنيفة وأصحابه، والثّوريّ إلى أنّها تجزئ بغير نية، كالحال في الوضوء عندهم. وسبب اختلافهم في الطُّهر هو بعينه سبب اختلافهم في الوضوء، وقد تقدّم ". (بداية المجتهد ج1/ 92 - 93)

2- ثمّ يُسمِّي، استحباباً عند جمهور العلماء، الحنفية، والمالكية، والشّافعية، والحنابلة في رواية، اختارها ابن قُدامة. واحتجّوا بالقياس على الوضوء.

وذهب الحنابلة في المشهور إلى وُجوب التّسمية. والصّحيح أنّها سُنّة كما مرّ في الوضوء.

3- ثمّ يغسل يَديه ثلاثاً، لحديث عائشة :" كان رسول الله إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يَدَيْه...". رواه البخاريّ برقم 248، ومسلم برقم 316 قال محمود محمّد خطّاب :" وغَسلُ اليدين يحتمل أن يكون للتّنظيف، ويحتمل أن يكون هو الغَسل المشروع عند القِيام من النّوم ". (المنهل العذب ج2/ 8) وقال البخاريّ:" باب هل يدخل الجُنُب يده في الإناء قبل أن يغسلها إذا لم يكن على يده قذَر غير الجنابة؟ وأدخل ابنُ عمر، والبراء بن عازب يده في الطَّهور ولم يغسلها، ثمّ توضّأ. ولم ير ابنُ عمر، وابنُ عبّاس بأساً بما ينتضح من غُسل الجنابة ". (الفتح ج1 496) قال المُهلّب:" أشار البخاريّ إلى أنّ يد الجُنُب إذا كانت نظيفة، جاز له إدخالها الإناء قبل أن يغسلها، لأنّه ليس شيء من أعضائه نجساً بسبب كونه جُنباً ". (الفتح ج1/497) وقال ابن حجر :" وأخرج أيضاً -أي ابن أبي شيبة-، عن الشّعبيّ، قال: كان أصحاب رسول الله يُدخلون أيديهم الماء قبل أن يغسلوها، وهم جنُب ". (الفتح ج1/ 496) ويحتمل أن يكون الغَسل للنّدب، والتّرك للجواز. (الفتح ج1/ 496)

4- ثمّ يغسل فَرْجه بشِماله، لقول عائشة :" ثمّ يُفْرغ بيمينه على شِمالِه فيغسل فَرْجه ". رواه البخاريّ برقم 248، ومسلم برقم 316، وفي روايةٍ للنّسائيّ برقم 245:"... فيغسِل ما على فَخِذَيْه ". وفي أُخرى برقم 246:" فيغسل فَرْجه وما أصابه ". أي من أَثَر المَنيّ. قال ابنُ دقيق العيد :" وينبغي أن يُغسَل في الابتداء عن الجنابة، لئلا يحتاج إلى غَسله مرّةً أُخرى ". (الإحكام مع العُدّة ج1/304)

5- ثمّ يُعيد غَسل يَدَيْه ثلاثاً، لقولها :" ثمّ يَصُبّ بيمينه على شمالِه فيغسل ما على فخذيه ثمّ يغسل يَديْه...". رواه النّسائيّ برقم 245، وصحّحه الألبانيّ برقم 239

6- ثمّ يتوضّأ كما يتوضّأ للصّلاة، لحديث عائشة :" كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثمّ يتوضّأ كما يتوضّأ للصّلاة...". رواه البخاريّ برقم 248، والنّسائيّ برقم 247، قال ابنُ حجر :" وإنّما قدّم غسل أعضاء الوضوء تشريفاً لها، ولتحصل لها صورة الطّهارتين الصُّغرى والكُبرى ". (الفتح ج1/480)

حكم الوضوء قبل الغُسل: ذهب جمهور العلماء إلى سُنّيته، وذهب أبو ثور، وداود، وغيرُهما إلى أنّ الغُسل لا ينوب عن الوُضوء للحديث المُتقدّم. وقد نقل ابنُ جرير الإجماع على عدم وجوب الوضوء. (المجموع ج2/215) ونقله أيضاً ابنُ بطّال. (الفتح ج1/481) وقول الجمهور أرجح، لأنّ القول بالوُجوب لم يدلّ عليه دليل، ومُجرّد الفعل لا ينتهض للوُجوب.

قال النوويّ :" ودليله أنّ اللّه تعالى أمر بالغُسل، ولم يذكر وُضوءاً. وقوله لأمّ سلمة :" يكفيك أن تُفيضي عليك الماء ". وحديث جُبير بن مُطعِم السّابق في الكتاب. وقوله للذي تأخّر عن الصّلاة معه في السّفر في قضية المَزَادتين، واعتذر بأنّه جُنُب، فأعطاه إناء، وقال :" اذهب فأفرغه عليك ". وحديث أبي ذرّ :" فإذا وجدت الماء فأمسّه جلدك ". وكلّ هذه الأحاديث صحيحة معروفة، وغير ذلك من الأحاديث. وأمّا وُضوء النّبيّ في غُسله، فمحمول على الاستحباب جمععاً بين الأدلّة ". (المجموع ج2/215)

فيتمضمض ثلاثاً، ويستنشِقُ ثلاثاً، ويغسل وجْهَهُ ويَدَيْه ثلاثاً، كما في حديث عائشة :"... ثمّ يتمضمض ثلاث مرّات، ويستنشق ثلاثاً، ويغسل وجهه ثلاثاً، ثمّ يُفيض على رأسه ثلاثًاً، ثمّ يصبّ عليه الماء ". رواه النّسائيّ برقم 246، وصحّحه ابن حجر في الفتح ج1/481، والألبانيّ في النّسائيّ برقم 240، وكما في حديث عائشة، وابن عمر أنّ عمر، سأل رسول اللّه عن الغُسل من الجنابة، وفيه:"...ويستنشق، ويُمضمض، ويغسل وجهه وذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، حتّى إذا بلغ رأسه لم يمسح، وأفرغ عليه الماء ". رواه النّسائيّ برقم 420، وصحّحه ابن حجر في الفتح ج1/481، والألبانيّ في صحيح النّسائيّ برقم 409. وفي الحديث استحباب تكرار غَسل أعضاء الوضوء، وللرّوايات الصّحيحة التي مرّت. وقال عياض :" صِفة الغُسل معلومة، لم يأت في شيء من وضوء الجُنب التّكرار. وقد قال بعض شيوخنا: إنّ التّكرار في الغُسل لا فضيلة فيه ". (شرح مسلم للأُبّي ج2/159) قال ابن حجر :" بل ورد ذلك من طريق صحيحة، أخرجها النّسائيّ، والبيهقيّ من رِواية أبي سلمة، عن عائشة أنّها وصفت غُسل رسول اللّه من الجنابة... الحديث وفيه:" ثمّ يتمضمض ثلاثاً، ويستنشق ثلاثاً، ويغسل وجهه ثلاثاً، ويديه ثلاثاً، ثمّ يُفيض على رأسه ثلاثاً ". (الفتح ج1/481) ولتشبيه وضوء الغُسل بوضوء الصّلاة، والتّشبيه يقضي بالتّكرار. (المنهل العذب ج3/6) قال الأُبّي:" وإحالتها على وُضوء الصّلاة يقتضي التّكرار. ولا يلزم من أنّه لا فضيلة في عمل الغُسل، ألّايكون في وضوئه، ومن شيوخنا من كان يُفتي سائله بالتّكرار، وكان غيره يُفتي بتركه ". (شرح مسلم للأُبّي ج2/159) واختاره محمّد الأمين زيدان، حيث قال :" ويُثلّث ما يُطلب فيه التّثليث في الوضوء ". (النّصيحة ج1/100)

وفيه مشروعية المضمضة، والاستنشاق، وقد اختلف العلماء فيهما في الغُسل والوضوء. فقال ابن المُبارك، والحنابلة، وإسحاق، وابن أبي ليلى، بوجوبهما في الغُسل والوضوء.

وقال سفيان الثّوريّ، والحنفية، بوجوبهما في الغُّسل دون الوضوء. واحتجّوا: بأنّهما من تمام غَسل الوجه، والوجه من الجسد المأمور بغسله، والأمر بغَسله، أمر بغَسلهما. قال العُثيمين:" وأمر النّبيّ بهما لدخولهما تحت قوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ المائدة: 6. فإذا كانا داخلين في غَسل الوجه، وهو ممّا يجب تطهيره، وغَسله في الطّهارة الكُبرى، كان واجباً على من اغتسل من الجنابة أن يتمضمض، ويستنشق ". (الشّرح المُمتع ج1/304)

وقال أبو ثور، وداود، وأبو بكر بن المُنذر، ورواية عن أحمد: إنّ الاستنشاق واجب في الوضوء، والغُسل دون المضمضة فيهما، فإنّها سُنّة.

وقالت المالكية، والشّافعية، والحسن البصريّ، والزّهريّ، والحَكم بن عُتيبة، وقَتادة، وربيعة، ويحي بن سعيد الأنصاريّ، والأوزاعيّ، واللّيث بن سعد، ومحمّد بن جرير الطّبريّ: إنّهما سُنّتان في الوضوء، والغُسل. (المجموع ج1/400، ونيل الأوطار ج1/177-178) واحتجّوا بقوله : ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ المائدة: 6، وبحديث:" توضّأ كما أمرك اللّه". قال النوويّ :" فحديث صحيح، رواه أبو داود برقم 856، والتّرمذيّ برقم 302، وغيرهما. قال التّرمذيّ: حديث حسن ". (المجموع ج1/393) وقال:" هذا الحديث من أحسن الأدلّة، ولهذا اقتصر المُصنِّف عليه...". (المجموع ج1/402) وبحديث ميمونة وفيه:"... ثمّ توضّأ وضوءه للصّلاة...". رواه البخاريّ برقم 260. قال ابنُ بَطّال، وغيرُه:" فدلّ على أنّهما للوضوء، وقام الإجماع على أنّ الوضوء في غُسل الجنابة غير واجب، والمضمضة، والاستنشاق من توابع الوضوء، فإذا سَقط الوضوء، سقطت توابعه، ويُحمل ما رُوي من صفة غُسله على الكمال، والفضل ". (الفتح ج1/495) وقد تقدّم الكلام فيهما في الوضوء. والرّاجح وجوب غسلهما، واختاره الشّوكانيّ في النّيل ج1/180، وصدّيق خان في الرّوضة النّدِيّة. (التّعليقات الرّضيّة ج1/189)

وهل يمسح شَعره عند الوضوء؟ اختلف العُلماء في ذلك. فقال المالكية: لا يُمسحُ الرأسُ في الغُسل، بل يُكتفى عنه بغَسله، كما في حديث عائشة :" ثُمّ يأخذ الماء فيُدخل أصابعه في أُصول الشّعر ". رواه البخاريّ برقم 248، ومسلم برقم 316، وكما في حديث ابن عمر أنّ عُمَر سَأل رسول اللّه عن الغُسل من الجنابة، فذكر له صفة الغُسل وفيه:"... حتىّ إذا بلغ رأسه لم يَمسح وأفرغ عليه الماء ". رواه النَّسائيّ برقم 420، وصحّحه الألبانيّ برقم 409. قال محمّد أحمد السّملاليّ :" وعليه ففي المسح روايتان، ذكره ابنُ الحاجب ". (عُمدة الطّالبين لفهم ألفاظ المُرشد المُعين ص 150)

ومن العُلماء من قال يمسح رأسه مع الوضوء، لحديث عائشة :" ثمّ يتوضّأ كما يتوضّأ للصّلاة ". رواه البخاريّ برقم 248، ولحديث ميمونة :"... يتوضّأ وُضوءه للصّلاة غير رِجْلَيْه...". رواه البخاريّ برقم 249.

ومن العُلماء من قال رُبّما نوّع، فمسح مرّة، وترك مرّةً أُخرى، فيُحمل على اختلاف الأوقات.

قال ابن حجر :" ولم يقع في شيء من طُرق هذا الحديث التّنصيص على مسح الرّأس في هذا الوضوء، وتمسّك به المالكية لقولهم: إنّ وضوء الغُسل لا يمسح فيه الرّأس، بل يكتفى عنه بغَسله ". (الفتح ج1/484)

قال محمّد عليّ الإتيوبيّ :" عدم مشروعية مسح الرّأس في وضوء الغُسل هو الرّاجح، وهو مذهب النّسائيّ ، فقد ترجم له في باب 422، "باب ترك مسح الرّأس في الوُضوء من الجنابة"، ثمّ أخرج بسند صحيح حديث عائشة، وابن عمر ، أنّ عمر ﵁ سأل رسول اللّه وسلّم عن الغُسل من الجنابة؟ فذكر له صفة الغُسل، وفيه:" حتّى إذا بلغ رأسه لم يمسح، وأفرغ عليه الماء ". (ذخيرة العقبى ج4/343)

وهل يغسل رجليه مع هذا الوضوء؟ قال ابن حجر :" فذهب الجمهور إلى استحباب تأخير غَسل الرّجلين في الغُسل. (الفتح ج1/482) وقال صدّيق خان:" وهو مستحبّ عند الجمهور ". (عون الباري ج2/11) لحديث ميمونة :" توضّأ رسول اللّه وضوءه للصّلاة غير رجليه، وغسل فرجه وما أصابه من الأذى، ثمّ أفاض عليه الماء، ثمّ نحّى رجليه، فغسلهما ". رواه البخاريّ برقم 249، ولحديث عائشة :" ثمّ أفاض على سائر جسده، ثمّ غسل رجليه ". رواه مسلم برقم 316، ولحديث ميمونة:"... ثمّ أفاض على جسده، ثمّ تحوّل من مكانه فغسل قدميه ". رواه البخاريّ برقم 257، ولحديثها:" فلمّا فرغ من غُسله غسل رجليه ". رواه البخاريّ برقم 259، ولحديثها:"... وأفاض على رأسه، ثمّ تنحّى فغسل قدميه، ثمّ أُتي بمنديل فلم ينفُض بها ". رواه البخاريّ برقم 259، ومسلم برقم 317

وذهب الحنفية إلى أن الأفضل إكمال الوضوء أولاً، إن كان يغتسل في مَحَلّ لا يجتمع فيه الماء، وتأخيرغَسل القدمين، إن كان يغتسل في نحو طست. وهو ظاهر ما أخرجه البخاريُّ برقم 248، من حديث عائشة :" ثمّ توضّأ كما يتوضّأ للصّلاة ". قال حسن الشُّرُنبُلاليّ :" ثمّ يتوضّأ كوضوئه للصّلاة، فيُثلّث الغَسل، ويمسح الرّأس، ولكنّه يؤخّر غَسل الرّجلين إن كان يقف في محلّ يجتمع فيه الماء، ثمّ يُفيض الماء على بدنه ثلاثاً...". (مراقي الفلاح ص 65)

وعن مالك: ثلاثة أقوال، أحدها: يُقدّم غَسل رجليه، ولا يُؤخّرهما، وإليه نحا ابنُ حَبيب، وابن المَوّاز، وهي رواية عليّ بن زياد عن مالك، وفيها:" يُتمّ وضوءه في أوّل غُسله، وليس العمل على تأخير غسل الرّجلين ". (المُنتقى ج1/215) وهو القول المشهور الذي مشى عليه عليه خليل في مختصره، حيث قال:" ونُدِب بدءٌ بإزالة الأذى، ثمّ أعضاء وضوئه كاملة مرّة ". (مواهب الجليل ج1/460) قال حطّاب :" يعني: فيُقدّم غَسل رجليه، ولا يؤخّره. وهذا هو المشهور ". (مواهب الجليل ج1/460)

الثّاني: يُؤخّر غسل الرّجلين إلى آخر الغُسل: قال الباجيّ :" وقد اختلف أصحابُنا في تأخير غسل الرّجلين إلى آخر الغُسل، أو تقديم ذلك في جملة الوضوء في ابتداء الغُسل: فروى عليُّ بن زياد عن مالك: يُتمّ وضوءه في أوّل غُسله، وليس العمل على تأخير غَسل الرّجلين. وروى ابن وهب عن مالك في "المبسوط": ومن أحبّ أن يؤخّر غَسل رجليه حتّى يفرغ من غُسله فيغسلها، فذلك واسع. وجه الأوّل: حديث عائشة هذا أنّه توضّأ كما يتوضّأ للصّلاة، وذلك يقتضي غَسل رجليه، كما يقتضي غَسل وجهه ويديه. ووجه الثّاني: حديث ميمونة في وصف غُسل النّبيّ ...". (المنتقى ج1/215) قال ابن أبي زيد في الرِّسالة:" ثمّ يتوضّأ وضوء الصّلاة، فإن شاء غسل رجليه، وإن شاء أخّرهما إلى آخر غُسله ". (مسالك الدِّلالة ص28) وقال ابن جُزيّ:" ويجوز أن يؤخّر رجليه إلى آخر غُسله «. (القوانين الفقهية ص 27) واختار التّأخير الباجيّ كما في مواهب الجليل ج1/ 460، والقُرطبيّ كما في المُفهم ج1/578، والبُنانيّ، حيث قال:" والرّاجح نَدبُ تأخير غَسلهما، لمجيء التّصريح به في حديث ميمونة، وإن وقع في بعض الرّوايات الإطلاق يُحمل على المُقيّد ". (التّسهيل لمعاني مختصر خليل ج2/80) ومحمّد زيدان الشّنقيطيّ كما في النّصيحة ج1/100

الثّالث: إن كان المكان غير نظيف فالمُستحبّ تأخير غسلهما، وإلّا فالتّقديم. قال ميّارة:" قال ابن الحاجب: ثالثاً يؤخِّره إذا كان مَوضعه وسخًا، وهو القول الثّالث، ومنهم من عدّه ثالثاً كما فعل ابنُ الحاجب، ومنهم من جعله جمعاً بين القولين ". (الدُّرّ الثّمين ص140) وقال الأُبّي :" قال ابن بَشير: إن كان المَوضع وسخًا أخّر ". (شرح مسلم للأُبّي ج2/160) وقال حَطّاب :" وقيل إن اغتسل في موضع طِين فتأخيرهما أولى، وإن اغتسل في موضع نَقيّ فتقديمهما أولى ". (مواهب الجليل ج1/460)

وعن الشّافعيّ: الأصحّ أنه يُكَمِّل وُضوءَه. قال النوويّ:" أحدهما أنّه يكمله كلّه بغسل الرّجلين، وهذا هو الأصحّ، وبه قطع العراقيون ". (المجموع ج2/211)

وعن أحمد: الأصحّ أنّه يكمّل وُضوءه، ولا يؤخّر غَسل الرّجلين. قال المرداويّ:" الصّحيح من المذهب: أنّه يتوضّأ وضوءاً كاملا قبل الغُسل، وعليه الأصحاب. وهو ظاهر كلام المُصنِّف هُنا. وعنه الأفضل: أن يؤخّر غَسل الرّجلين حتّى يغتسل. وعنه غسل رجليه مع الوضوء، وتأخير غسلهما حتّى يغتسل سواء في الأفضلية...». (الإنصاف ج1/184)

وقال بعض العلماء: يفعل المُغتسِل ما يُناسِب حَالَه، وقَيّد بعضُهم التّأخير بما إذا دعت إليه الحاجة.

والأفضل تأخير غَسل الرِّجلين مُطلقاً لوُضوح أدلّته وكثرتها، وما ورد مُطلقاً يُحمل على المُقيّد، واختاره الشّوكانيّ في الدّراري المُضيّة ص56، ومحمّد عليّ الإتيوبيّ في ذخيرة العقبى ج4/345، والباجيّ، والقُرطبيّ، والبُنانيّ، ومحمّد الأمين زيدان الشّنقيطيّ من المالكية.

قال القرطبيّ في الحكمة في تأخير غَسل الرّجلين:" وذلك ليكون الافتتاح، والاختتام بأعضاء الوضوء ". (المفهم ج1/577)

7- ثمّ يُدخل أصابعه في الماء فيُخلِّل بها أصول شعره -أي شعر الرّأس- ثمّ يَصُبّ على رأسه ثلاث حَفنات بيَدَيه، لحديث عائشة قالت:"... ثمّ يُدخِل أصابعه في الماء فيخلِّل بها أصول شعره، ثمّ يصُبّ على رأسه ثلاث غُرَف بيديه، ثمّ يُفيض على جِلده كلِّه ". رواه البخاريّ برقم 248، ومسلم برقم 316 وهذا التّخليل يكون بأصابع اليدين العشر، لظاهر قولها:" أصابعه ".

قال ابن حجر :" وفائدة التّخليل إيصال الماء إلى الشّعر، والبَشرة، ومُباشرة الشّعر باليد ليحصل تعميمه بالماء، وتأنيس البشرة لئلا يُصيبها بالصّبّ ما تتأذّى به. ثُمّ هذا التّخليل غير واجب اتّفاقاً، إلّا إذا كان الشّعر مُلبّداً بشيء يحول بين الماء وبين الوصول إلى أصوله ". (الفتح ج1/481) قال محمّد عليّ الإتيوبيّ :" دعوى الاتّفاق في عدم الوجوب غير صحيح، فقد قال بدر الدّين العَينيّ: إنّه مذهب الحنفية في غُسل الجنابة ". (ذخيرة العقبى ج4/309) قال بدر الدّين العَينيّ : " وهو واجب عند أصحابنا هُنا، وسُنّة في الوضوء، وعند الشّافعية واجب في قول، وسُنّة في قول، وقيل واجب في الرّأس، وفي اللّحية قولان للمالكية، فروى ابنُ القاسم عدم الوجوب، وروى أَشهبُ الوجوب، ونقل ابن بَطّال في باب تخليل الشّعر الإجماع على تخليل شعر الرّأس، وقاسوا اللّحية عليها ". (ذخيرة العقبى ج4/314-315)

فمذهب الحنفية: استحباب تخليل شعر اللّحية، والرّأس إن وصل الماء إلى أصول الشّعر بدون تخليل، وإلّا فلا بُدّ من التّخليل.

ومذهب المالكية: وجوب تخليل الشّعر مُطلقاً، لا فرق بين لحية، وغيرها، خفيفاً كان الشّعر أو كثيفاً، واحتجّوا بحديث أبي هريرة :"خلِّلوا الشّعر، وأنقوا البَشرة، فإنّ تحت كلّ شعرة جنابة ". رواه أبوداود برقم 248، والتّرمذيّ برقم 106. قال النوويّ :" ولكنّه ضعيف، ضعّفه الشّافعيّ، ويحي بن مَعين، والبخاريّ، وأبو داود، وغيرُهم ". (المجموع ج2/213) وقال ابن حجر :" رواه أبو داود، والتّرمذيّ وضعّفاه ". (بلوغ المرام حديث رقم 108) وبحديث عائشة "...ثمّ يُخلّل بيده شعره، حتّى إذا ظنّ أنّه أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرّات، ثمّ غسل سائر جسده ". رواه البخاريّ برقم 272 وهو مُعتمد المذهب، وقيل يُفرّق في اللّحية بين الخفيفة والكثيفة، فيجب إذا كانت خفيفة، ويُندب إذا كانت كثيفة. قال أحمد الدّردير :" الفريضة الخامسة: تخليل شعره ولو كثيفاً سواء كان شعر رأس، أو غيره. ومعنى تخليله: أن يضمَّه ويَعرُكَه -أي يدلكه، ويحرّكه- عند صبّ الماء حتّى يصل إلى البَشرة، فلا يجب إدخال أصابعه تحته ويَعرُك به البَشَرة ". (الشّرح الصّغير ج1/ 250) وقال مَيّارة:" وظاهره سواء أكان كثيفاً أو خفيفاً، كان شعر لحية أو رأس أو غيرهما، كان مَضفورا أم لا، وهو كذلك ما لم يكن ضفره مشدوداً بحيث لا يدخله الماء، فلا بدّ من حَلّه أو إرخائه ". (عُمدة الطّالبين ص 144)

مذهب الشّافعية، والحنابلة: يندب تخليل الشّعر، إذا أمكن وصول الماء للبشرة بدونه، وإلّا وجب. قال المرداويّ:" واستحبّ المُصنّف، وغيرُه، تخليل أُصول شعر رأسه ولحيته، قبل إفاضة الماء ". (الإنصاف ج1/185، والمنهل العذب ج3/9)

ويبدأ بشِقّ أَيْمن الرّأس، ثُم أَيْسره، لحديث عائشة عنها قالت:"... فأخذ بكَفِّه فبدأ بشِقّ رأْسه الأيمن، ثمّ الأَيسر، فقال بهما - بيديه- على رأْسه ". رواه البخاريّ برقم 258، وفي لفظ مسلم برقم 316:"... ثمّ يأخذ الماء فيُدخل أصابعه في أصول الشّعر ". قال الشّوكانيّ :" والحديث يدلّ على استحباب البداءة بالميامن، ولا خلاف فيه ". (نيل الأوطار ج1/307)

ولِفعل عائشة ، حيث قالت:" كُنّا إذا أصابت إحدانا جنابة أخذت بيَديْها ثلاثاً فوق رأسها ثمّ تأخذ بيدها على شقّها الأَيْمن وبيدها الأخرى على شقّها الأيسر ". رواه البخاريّ برقم 277.

8- وهل تَنقُض المرأة شَعرها للغُسل من الجَنابة والحَيْض؟

ذهب جُمهور العُلماء إلى أن المرأة لا يجبُ عليها نَقضُ شَعرها للغُسل من الجنابة والحيض، وبه قالت الحَنَفية، والمالكية، والشّافعية، والحَنابلة في قولٍ، اختاره منهم ابنُ عَقيل، وابنُ عَبدوس، والمُوفَّق بن قُدامة، والمَجد، وعبد الرّحمٰن بن قُدامة، وغيرهم، وبه قالت عائشة، وأمّ سلمة ، وعطاء، والزُّهريّ، لحديث أُمّ سَلَمَة قالت:" قلت: يا رسول اللّه، إنّي امرأةٌ أَشُدُّ ضَفر رَأْسي فأَنْقُضُه لغُسْل الجنابة؟ "، وفي رواية:" والحَيضة؟ ". فقال:" إنّما يكفيك أن تَحْثِي على رأسك ثلاث حَثيات ". رواه مسلم برقم 330 ومعنى:" ضَفر رأسي ": أي: نَسج شعر رأسي، وإدخال بعضه في بعض. ومعنى:" أن تَحْثِي ثلاث حَثيات ": أي: صُبِّي على رأسك ثلاث حَفنات أو غَرَفات. والحفنة: مِلْءُ الكفين من أيّ شيء. قال محمّد عليّ الإتيوبيّ عن رواية "الحيضة":" وهي زيادة ثقة غير مُنافية لِرواية غيره فتُقبل، وأمّا دعوى ابن القيّم شُذوذها فغير مقبول ". (البحر المحيط ج8/85، وذخيرة العقبى ج4/285). قال القُرطبيّ :" يدلّ-أي الحديث- على صحّة ما ذهب إليه مالك، وغيرُه، من الرُّخصة في نقض الضُّفُر مُطلقاً للرّجال والنّساء ". (المُفهم ج1/586)

وذهب الحسن البصْريّ، وطاوُس إلى وُجوب نقض الشّعر في الحَيض دون الجنابة، وبه قالت الحَنابلة في المشهور. واحتجّوا بحديث أمّ سلمة ، وحكموا على زيادة لفظ "الحيضة" بالشُّذوذ، كما فعل ابنُ القيّم، والألبابيّ في الإرواء ج1/168. وبحديث عائشة وقد سألت النّبيّ ، وكانت حائضاً فقال لها:" انقُضي رأسك، وامتشطي، وأمسكي عن العُمرة، وأَهلّي بالحجّ ". رواه البخاريّ برقم 1556، ومسلم برقم 1211، قالوا: الامتشاط لا يكون إلّا في شعر غير مضفور. ورُدّ بأنّ حديث عائشة هو في غُسل النّظافة للإحرام بالحجّ، لا لغُسل الطّهارة من الحيض، لأنّها لم تزل في ذلك الوقت في حيضها. قال الصّنعانيّ :" لا يخفى أنّ حديث عائشة كان في الحجّ، فإنّها أحرمت بعُمرة، ثمّ حاضت قبل دُخول مكّة، فأمرها أن تنقُض رأسها وتمتشط وتغتسل بالحجّ، وهي حينئذ لم تطهر من حيضها، فليس إلّا غُسل تنظيف لا حيض، فلا يُعارض حديث أمّ سلمة أصلاً، فلا حاجة إلى هذه التّأويلات التي في غاية الرّكاكة، فإنّ خِفّة شعر هذه دون هذه يفتقر إلى دليل، والقولُ بأنّ هذا مشدود وهذا خلافه، والعبارة عنهما من الرّاوي بلفظ النَّقض، دعوى بغير دليل ". (سُبل السّلام ج1/ 200) وقال محمّد عليّ الإتيوبيّ :" وعلى تقدير أنّه يشمل الطّهارة من الحيض، فيُحمَل على الاستحباب، جمعاً بينه وبين هذين الحديثين ". (البحر المحيط ج8/85) وكذلك يُحمل حديثها: أنّ أسماء بنت شَكَل سألت النّبيّ عن غُسل المحيض؟ فقال:" تأخذ إحداكنّ ماءها وسِدرتها، فتَطهّرُ، فتُحسِن الطُّهور، ثمّ تَصُبُّ على رأسها، فتَدلُكُه دلكاً شديداً، حتّى تبلُغ شؤون رأسها، ثمّ تَصُبّ عليها الماء،..." رواه مسلم برقم 332 معنى:" سِدرتها ": من السِّدر: وهو شجر النَّبِق. ومعنى:" شؤون رأسها ": أي: أصول رأس شعرها.

وأمّا حديث أنس مرفوعاً:" إذا اغتسلت المرأة من حيضها نقضت شعرها نقضاً، وغسلته بخِطميّ وأُشنان، وإن اغتسلت من جنابة صبّت الماء على رأسها صبّاً وعصرته ". رواه الطّبرانيّ في الكبير ج1/233، وغيره. قال محمّد عليّ الإتيوبيّ :" فحديث ضعيف، ولا تغترّ بإخراج الضِّياء له، فإنّ له في " المُختارة " أحاديث ضعيفة، كما لا يخفى على من له إلمام بهذا الشّأن، وقد بيّن الشّيخ الألبانيّ ضعف هذا الحديث في " السِّلسلة الضّعيفة " ج2/342 رقم 937 ". (البحر المحيط ج8/85)

وذهب إبراهيم النّخعيّ إلى وُجوب نَقْضِه للجنابة والحيض.

والصّحيح أنّه لا بجب نقضه في الجنابة، ولا في الحيض. قال ابن المُنذر :" وبالقول الأوّل أقول للحديث الثّابت عنه ، وهو قول عائشة، وأمّ سلمة، وعليه الأكثر من أهل الفُتيا من عُلماء الأمصار ". (الأوسط ج2/132-134) وإنّما يُستحبّ في الحيض جمعاً بين حديث أمّ سلمة وعائشة . قال الزَّركشيّ :" والأَولى حمل الحديثين على الاستحباب «. (الإنصاف ج1/187) وقال البَسّام :" قال الشّيخ عبد العزيز بن باز: الصّحيح أنه لا يجب عليها نقضه في غُسل الحيض، لما ورد في بعض روايات أمّ سلمة عند مسلم...". (توضيح الأحكام ج1/318). وقال ابنُ عُثيمين :" لا يجب نقض شعر المرأة عند الغُسل من الجنابة والحيض ". (فتح ذي الجلال ج1/613) ويشهد لهذا نصّ حديث أمّ سلمة المتقدّم.

وقالت الحنفية: لا يجب على المرأة نقض ضفيرتها إن بلّ الماء أصلها، ويفترض على الرّجل نقض ضفائره ولو وصل الماء إلى أصول شعره على الصّحيح، وعلّلوا ذلك بأنّ في النّقض على المرأة حرجاً، بخلاف الرّجل فيجب عليه النّقض مُطلقاً لعدم الحرج. قال الشُّرنبُلاليّ: " ويُفترض غسلُ داخل المفروض من شعر الرّجُل، ويلزمه حلّه مُطلقاً على الصّحيح، سواء سرى الماء في أصوله أو لا، لكونه ليس زينة له، فلا حرج فيه، ولا يُفترض نقض المضفور من شعر المرأة إن سرى الماء في أصوله اتّفاقاً، لحديث أمّ سلمة ".(مراقي الفلاح ص 42 -43) ولحديث ثوبان قال:" أنّهم استفتوا النّبيّ عن غُسل الجنابة، فقال:" أمّا الرّجلُ فليَنشُر رأسه فليغسِله، حتّى يَبلُغ أصول الشّعر، وأمّا المرأة فلا عليها أن لا تَنقُضه، لِتغرِف على رأسها ثلاث غَرَفات بكفّيها ". رواه أبو داود برقم 255، وصحّحه الألبانيّ برقم 230. وفي الحديث: أنّ الرّجل يجب عليه نقض ضفيرته وتفريق شعره حتّى يصل الماء إلى أصول شعره. ومعنى" ينشر": أي يفرّق. واختاره محمّد العظيم آبادي في عون المعبود ج1/299، ومحمّد عليّ الإتيوبيّ في البحر المحيط ج8/ 85.

ولم يفرّق غيُرهم بين الرّجُل والمرأة، واحتجّوا بحديث جُبير بن مُطعِم ، وفيه أنّ النّبيّ قال:"... أمّا أنا فإنّي أُفيض الماء على رأسي ثلاث أَكُفٍّ ". رواه مسلم برقم 327، وبحديث جابر بن عبد اللّه :" كان النّبيّ يأخذ ثلاثة أكفّ ويُفيضها على رأسه، ثمّ يُفيض على سائر جسده. فقال لي الحسن -أي ابن محمّد ابن الحنفية- " إنّي رجل كثير الشّعر، فقلت: كان النّبيّ أكثر منك شعراً ". رواه البخاريّ برقم 256، وبحديث عائشة، من أنّه :" كان يدخل أصابعه في الماء فيخلّل بها أُصول شعره، ثمّ يصبّ على رأسه ثلاث غُرف بيديه، ثمّ يُفيض على جسده كلّه " رواه البخاريّ برقم 248، 262، و272، وفي رواية ميمونة:" وأفاض على رأسه ". رواه البخاريّ برقم 259. والأحاديث بنحو هذا كثيرة.

وقالوا: ويؤيّد ذلك أنّ النّبيّ لم يوجب ذلك على النّساء، والنّساء شقائق الرّجال، وهذا التّعليم لأمّ سلمة يدلّ على أنّ حكم الرّجال في ذلك حكم النّساء.

وأمّا حديث ثوبان فقد طعن فيه بعض العلماء، كالقُرطبيّ في المُفهم ج1/586، ومُغلطاي في شرح ابن ماجه ج2/275، والزَيلعيّ في نصب الرّاية ج1/80، وابن القطّان في الوهم والإيهام ج2/538، والشّوكانيّ في السّيل الجرّار ج1/114، والعظيم آبادي في عون المعبود ج1/297، وغيرِهم، ومع التّسليم بثُبوته فلا يدلّ على المُراد. قال الشّوكانيّ :" ومع ذلك فلا يدلّ النّشرُ على النّقض لما كان مضفوراً، بل غايته نشر الضّفائر، أو نشر ما لم يكن مضفوراً، ولا مُلبّداً، وقد كان الضّفر والتّلبيد قليلين في الصّحابة ". (السّيل الجرّار ج1/114) وقال ابن قدامة :" والرّجل والمرأة في هذا سواء، وإنّما اختصّت المرأة بالذّكر لأنّ العادة اختصاصها بكثرة الشّعر، وتوفيره، وتطويله ". (المغني ج1/299)

وأمّا مذهب المالكية: فلا يجب على المُغتسِل نقضُ مضفور شعره ما لم يشتدّ الضّفر حتّى يمنع وصول الماء إلى البَشرة. قال أحمد الدّردير :" لا يجب على المُغتسل نقض شعره ما لم يشتدّ الضّفر حتّى يمنع وصول الماء إلى البَشرة، أو يُضفر بخيوط كثيرة تمنع وصول الماء إلى البَشرة، أو إلى باطن الشّعر ". (الشّرح الصّغير ج1/251) قال الصّاوِي :" هذا التّفصيل الذي قاله الشّارح، هو مشهور المذهب ". (حاشية الصّاوي مع الشّرح الصّغيرج1/251) وقال ابن أبي زيد القَيروانيّ في الرّسالة:" وتضغث شعر رأسها، وليس عليها حلّ عقاصها ". (مسالك الدّلالة ص 28-29)

وأمّا مذهب الشّافعية: فلا يجب النّقض إن وصل الماء إلى باطن الشّعر، ولا فرق بين الرّجل والمرأة. قال الشِّيرازيّ: " فإن كان لها ضفائر، فإن كان يصل الماء إليها من غير نقض لم يلزمها...وإن لم يصل الماء إليها إلاّ بنقضها لزمها نقضها، لأنّ ايصال الماء إلى الشّعر والبشرة واجب ". (المجموع ج2/215-216)

وأمّا مذهب الحنابلة: فتنقُض شعرها من غُسل الحيض دون غُسل الجنابة. قال المَرداويّ :" ويجب نقض شعر رأس المرأة لغُسل الحيض، على الصّحيح من المذهب، وعليه جمهور الأصحاب، وهو من مُفردات المذهب ". (الإنصاف ج1/187)

ويترجّح ما ذهب إليه الجمهور من كون الرُّخصة في عدم نقض الضّفيرة شاملة للرّجل والمرأة في الغُسل، واختاره الشّوكانيّ في السّيل الجرّار ج1/114.

9- ثمّ يُفيض الماء على سائر جسده -أي المُتبقي الذي لم يصبه الماء، لأنّ سائر الشّيء: باقيه قليلاً كان، أو كثيراً -، لحديث عائشة قالت:"... أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرّات، ثمّ غَسل سائر جسده ". رواه البخاريّ برقم 272، ومسلم برقم 316.

ولحديث ميمونة قالت:"...ثمّ غسل سائر جسده ". رواه مسلم برقم 317 وفي الأحاديث استحباب البدء بغسل الرّأس، وإفراغ ثلاث حَفنات عليه، قبل تعميم الجسد بالغسل، ولعلّ الحكمة فيه كونه أكثر شعثاً من بقيّة البدن.

10- ويفعل ذلك مرةً واحدة بدون تكرار. وقد ترجم البخاريّ على حديث ميمونة :" باب الغُسل مرّة واحدة ". قال ابن بطّال:" يُستفاد ذلك من قوله:" ثمّ أفاض الماء على جسده "، لأنّه لم يُقيّد بعدد، فيُحمل على أقلّ ما يُسمّى، وهو المرّة الواحدة، لأنّ الأصل عدم الزّيادة عليها ". (الفتح ج1/491) وبه قالت المالكية.

وقالت الحنفية، والشّافعية، والحنابلة: يغسل جسده ثلاث مرّات. قال الحصكفيّ الحنفيّ :" ثمّ يُفيض الماء على كلّ بدنه ثلاثاً ". (ردّ المُحتار ج1/294) قال ابن عابدين :" قوله: " ثلاثاً "، الأولى فرض، والثّنتان سُنّتان على الصّحيح ". (ردّ المُحتار ج1/294)

وقال النوويّ على حديث جُبير بن مُطعِم:" أمّا أنا فأُفيض على رأسي ثلاث أكُفّ ". رواه مسلم برقم 327:" في هذا الحديث استحباب إفاضة الماء على الرّأس ثلاثاً، وهو متّفق عليه، وألحق به أصحابُنا سائر البدن قياساً على الرّأس وعلى أعضاء الوُضوء، وهو أَولى بالثّلاث من الوُضوء، فإنّ الوُضوء مبنيٌّ على التّخفيف، ويتكرّر، فإذا استُحبّ فيه الثّلاث، ففي الغُسل أَولى، ولا نعلم في هذا خلافاً إلّا ما انفرد به أبو الحسن المَاورديّ صاحب الحَاوي من أصحابنا، فإنّه لا يَستحبّ التّكرار في الغُسل، وهذا شاذّ متروك ". (شرح مسلم ج4/9) قال محمّد عليّ الإتيوبيّ :" إن أراد الماورديّ بقوله لا يُستحبّ التّكرار في الغُسل غسل الرّأس، فقوله باطل مردودٌ بهذه الأحاديث الصّحيحة، كما أشار النوويّ، وإن أراد بذلك سائر الجسد -ولا أظنّه يريد إلاّ هذا- فالظّاهر أنّ ما قاله هو الصّواب، لأنّه لم يذكر في هذه الأحاديث الصّحيحة التّثليث إلّا في الرّأس، وأمّا سائر الجسد، ففيها الإفاضة فقط، فبأيّ دليل يُقال: إنّ قوله شاذّ متروك؟ ". (البحر المحيط ج8/62-63)

وقال ابن قُدامة في المُقنع:" ويُفيض الماء على سائر جسده ثلاثاً ". قال المَرداويّ :" وهو المذهب، وعليه الجمهور ". (الإنصاف ج1/185)

والرّاجح عدم التّثليث في غَسل الجسد لعدم النّصّ، ودفعاً للمِشقّة، وهو مذهب المالكية. قال محمود محمّد خطّاب :" وما قالوه -أي المالكية- هو الظّاهر، الذي يشهد له ظاهرُ الأحاديث الواردة في غُسله ، فإنّ التّثليث وقع فيها للرّأس دون الجسد: منها: حديث الباب -أي حديث جُبير بن مُطعم-، ومنها: ما أخرجه ابن ماجه، والمصنّف بعد -أي أبو داود -، عن صَدَقة بن سعيد، وفيه: ثمّ يغسل رأسه ثلاث مرّات، ثمّ يُفيض على جسده، ثمّ يقوم إلى الصّلاة. ومنها: ما أخرجه البخاريّ، ومسلم، عن عائشة قالت:" كان رسول اللّه إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثمّ يتوضّأ كما يتوضّأ للصّلاة، ثمّ يدخل أصابعه في الماء فيخلّل بها أصول شعره، ثمّ يصبّ على رأسه ثلاث غَرفات بيديه، ثمّ يُفيض الماء على جلده ". ومنها: ما ترجم عليه البخاريّ بقوله باب الغُسل مرّةً واحدة، وذكر الحديث عن ابن عبّاس، عن ميمونة، وفيه:" ثمّ أفاض على جسده الماء ". قال في الفتح:" قال ابن بطّال: تُستفاد المرّة الواحدة من قوله" ثمّ أفاض على جسده"، لأنّه لم يُقيّده بعدد فيحمل على أقلّ ما يُسمّى وهو المرّة الواحدة، لأنّ الأصل عدم الزّيادة عليها ". ولو ثبت تثليثُ الجسد لنُقل إلينا كغيره. وقولُ من قال: إنّ الغُسل أولى بالتّثليث لا يخلو عن نظر، لأنّه قد غلّظ فيه في حديث إيصال الماء إلى تمام الأعضاء، فلا يغلّظ فيه ثانياً من حيث التّثليث، وأيضاً في تثليثه من الحرج ما ليس في تثليث الوضوء ". (المنهل العذب ج2/4) ورجّحه أيضاً محمّد عليّ الإتيوبيّ في ذخيرة العقبى ج4/300. وقال المَرداويّ :" وهو ظاهر كلام الخِرَقي، والعُمدة، والتّلخيص، والخُلاصة، وجماعة. واختاره الشّيخ تقيّ الدّين. قال الزَّركشىّ: وهو ظاهر الأحاديث. (الإنصاف ج1/185)

ويُستحبُّ أن يَبْدأ في غَسل الجَسد بالشّقّ الأيمن ثم الشّقّ الأيْسر، لحديث عائشة أنّها قالت:" كان رسول الله يُحبّ التيمُّن في شأنِه كُلِّه، في تَنَعُّلِه وتَرَجُّلِه وطُهوره ". رواه البخاريّ برقم 168، ومسلم برقم 268 ولقول النّبيّ لأُمّ عطيّة ، ومن معها ممّن تولّى تغسيل ابنته:"... ابْدَأْن بِمَيَامِنها ومَواضِع الوُضوء مِنها...". رواه البخاريّ برقم 1255، ومسلم برقم 939. قال حسن الشُّرُنبُلاليّ :" ويغسل بعدها -أي الرّأس- منكبه الأيمن، ثمّ الأيسر، لاستحباب التّيامن، وهو قولُ شمس الأئمّة الحُلواني ". (مراقي الفلاح ص44) وقال ابن أبي زيد القيروانيّ في الرِّسالة:" ثمّ يُفيض الماء على شقّه الأيمن، ثمّ على شقّه الأيسر ". (مسالك الدّلالة ص 29) وقال النوويّ عند عدّه سُنن الغُسل:" والابتداء بالأيامن، فيغسل شقّه الأيمن، ثمّ الأيسر. وهذا مُتّفق على استحبابه ". (المجموع ج2/212) وقال ابن حجر:" وفي الحديث: استحباب البداءة بالميامن في التطهّر، وبذلك ترجم عليه ابنُ خُزيمة، والبَيهقيّ". (الفتح ج1/494) وقال المَرداويّ :" ويبدأ بشقّه الأيمن، بلا نزاع ". (الإنصاف ج1/185)

11- ويَدلُك بدنه، وهل الدّلك سُنّة أو واجب؟ خلاف بين العلماء:

مذهب الجمهور: أنّ الدّلك سُنّة، وهو قول الحنفية، والشّافعية، والحنابلة. قال الشُّرُنبُلالي الحنفيّ :" ويُسنّ أن يدلك كلّ أعضاء جسده في المرّة الأولى ليعمّ الماءُ بدنه في المرّتين الأخيرتين، وليس الدّلك بواجب في الغُسل إلّا في رواية أبي يوسف ". (مراقي الفلاح ص 44)

وقال النوويّ :" مذهبنا أنّ دلك الأعضاء في الغُسل وفي الوضوء ليس بواجب، فلو أفاض الماء عليه فوصله ولم يمسّه بيديه، أو انغمس في ماء كثير، أو وقف تحت ميزاب، أو تحت المطر ناوياً فوصل شعره وبشره أجزأه وضوؤه وغُسله، وبه قال العلماء كافّة إلّا مالكاً، والمُزنيّ، فإنّهما شرطاه في صحّة الغُسل والوضوء. واحتجّ لهما بأنّ الغَسل هو إمرار اليد، ولا يُقال لواقف في المطر اغتسل. قال المُزنيّ : ولأنّ التيمّم يُشترط فيه إمرار اليد فهكذا هنا.

واحتجّ أصحابنا بقوله لأبي ذرّ :" فإذا وجدت الماء فأمِسّه جِلدك "، ولم يأمره بزيادة، وهو حديث صحيح سبق ذكره، وسنُوضّحه في موضعه في التيمّم إن شاء اللّه تعالى، وله نظائر كثيرة من الحديث، ولأنّه غَسل فلا يجب إمرار اليد فيه كغَسل الإناء من وُلوغ الكلب.

وقولهم" لا تُسمّى الإفاضة غَسلاً " ممنوع، وقول المُزنيّ ممنوع أيضاً، فإنّ المذهب الصّحيح أنّ إمرار اليد لا يُشترط في التيمّم، كما سنُوضّحه إن شاء اللّه تعالى ". (المجموع ج2/214)

وقال ابن قدامة :" ولا يجب إمرارُ يده على جسده في الغُسل والوضوء، إذا تيقّن أو غلب على ظنّه وُصول الماء إلى جميع جسده. وهذا قولُ الحسن، والنّخعيّ، والشّعبيّ، وحمّاد، والثّوريّ، والأوزاعيّ، والشّافعيّ، وإسحاق، وأصحاب الرّأي ". (المغني ج1/290)

ومذهب مالك: أنّ الدّلك واجب، وهو واجب لنفسه لا لإيصال الماء للبَشرة، ولا يُشترط مُقارنته للماء، بل يُجزىء ولو بعد صبّ الماء وانفصاله ما لم يجِفّ الجسد. وقال زَرُّوق:" وليس من شَرطه إزالة الوسخ إلاّ أن يكون حائلاً دون وصول الماء إلى البَشرة لتكاتفه ". (عُمدة الطّالبين ص 144) واحتجّوا بحديث عائشة ، قالت:" كان رسول اللّه إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، وتوضّأ وضوءه للصّلاة، ثمّ اغتسل، ثمّ يخلّل بيده شعره، حتّى إذا ظنّ أنّه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرّات، ثمّ غسل سائر جسده...". رواه البخاريّ برقم 273 قال ابن المُلقّن :" فرّق في الحديث بين إفاضة الماء وبين الغَسل، فذُكرت إفاضة الماء مجرّدة بعد حُصول التّخليل، ثمّ الغَسل، فاستدلّ به المالكية على أنّ الغَسل لا يكون إلاّ مع الدّلك وإلاّ فلا فائدة للتّفرقة. وأنصف المازَريُّ المالكيّ فقال: الحديث حُجّة للشّافعية على عدم وجوب الدّلك، لأنّ إفاضة الماء تكون مع الدّلك ودونه بخلاف الغَسل، فيُحمل المُطلق على المُقيّد ". (الإعلام بفوائد عمدة الأحكام ج2/29-30) والقول بسُنّية الدّلك أصحّ، لقوله لأمّ سلمة :"...ثمّ تُفيضين عليك الماء فتطهُرين". رواه مسلم برقم 330 ولم يذكر لها الدّلك

12- هل يُنشّف بالمنديل ونحوه بعد الغُسل؟ استحبّ بعض العلماء عدم التّنشيف بالمِنديل بعد الغُسل والوضوء، وهو القول المشهور عند الشّافعية كما ذكر النوويّ في شرح مسلم ج3/231، واحتجّوا بحديث مَيْمُونة ، وفي آخره: "ثمّ تنحّى عن مقامه ذلك فغسل رجليه، ثمّ أتَيتُه بالمنديل فردَّه ". وفيه:" وجعل يقول بالماء هكذا، يعني ينفضه ". رواه البخاريّ برقم 259، و274، و276، ومسلم برقم 317

وأجاز أكثر العلماء استعمال المنديل للتّنشيف بعد الغُسل، وبه قال عُثمان، والحُسين بن عليّ، وأنس بن مالك ، ومالك، وسُفيان الثّوْريّ، وأحمد، وأصحاب الرّأي. (شرح مسلم للنوويّ ج3/231-232) واحتجّوا كذلك بحديث مَيْمونة المُتقدّم. قال ابنُ دَقيق العيد :" نفضه الماء بيده دليل على أنّه لا كراهةَ في التّنشيف، لأنّ كُلّاً منهما إزالة -أي التّنشيف والنَّفض- ". (إحكام الأحكام مع العُدّة ج1/309) وبحديث سلمان الفارسيّ أنّ رسول اللّه :" توضّأ فقَلَّبَ جُبَّةَ صُوف كانت عليه فمسح بها وجهه ". رواه ابن ماجه برقم 468، وحسّنه الألبانيّ في ابن ماجه، والرّوض، ومحمّد عليّ الإتيوبيّ في البحر المحيط ج7/574. وهو من أوضح الأدلّة على الجواز.

قال ابن رَجَب :" استدلّ بعضُهم بردّ النّبيّ الثَّوب على مَيْمُونة على كراهة التّنشيف، ولا دلالة فيه على الكراهة، بل على أنّ التّنشيف ليس مُستحبّاً، ولا أنّ فِعْلَه هو أولى، لا دلالة للحديث على أكثر من ذلك، كذلك قال الإمام أحمد، وغيرُه من العُلماء، وأكثر العلماء على أن التّنشيف من الغُسل والوضوء غير مَكروه، وقد رُوِي فعله عن جماعة من الصّحابة ". (فتح البَاري ج1/324)

والحقُّ أنّ استعمال المنديل مُباح. قال النوويّ :" والثّالث أنّه مُباح يستوي فعله وتركه، وهذا هو الذي نختاره، فإنّ المنع، والاستحباب يحتاج إلى دليل ظاهر ". (شرح مسلم ج3/222) وقال العُثيمين:" تنشيف الأعضاء لا بأس به، لأنّ الأصل عدم المنع...". (مجموع الفتاوى والرّسائل ج11/153).

10- الأغسال المُستحبّة، فهي:

1- الإغتسال ليوم الجمعة

ذهب جمهور العلماء من السّلف والخَلَف إلى أن غُسل الجُمعة سُنّة، واستدلوا بحديث سَمُرَة حيث قال:" قال رسول الله :" من توضّأ يوم الجُمعة فبها ونِعْمَت ومن اغتسل فالغُسلُ أفضل ". رواه أبو داود برقم 354، والتّرمذيّ برقم 497 وغيرهم وحسّنه التّرمذيّ، وصحّحه النَوَوِي، وحسّنه الألبانيّ. ومعنى "فبها ونِعْمَت ": فبالسُّنة أخذ ونعِمَت السُّنة. قال الشّوكانيّ:" فدلّ على اشتراك الغُسل والوضوء في أصل الفضل وعدم تحتُّم الغُسل ". (نيل الأوطار ج1/290)

ولحديث أبي هريرة أنّ النّبيّ قال:" من توضّأ فأحسن الوضوء، ثمّ أتى الجُمعة فاستمع وأنْصَت، غُفِرله ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادَةُ ثلاثة أيّام". رواه مسلم برقم 857. قال الإمام القرطبيّ : "ذكر الوُضوء وما معه مُرَتبًا عليه الثّواب المُقْتضِي للصحّة يدلّ على أن الوُضوء كاف ". (نيل الأوطار ج1/290) قال ابنُ حَجَر في التّلخيص:" إنّه مِن أقْوَى مَا استُدِلَّ به على عَدَم فَرضيَّةِ الغُسل يوم الجمعة ". (نيل الأوطار ج1/290).

وذهب بعضُ العُلماء إلى وُجوب غُسل الجمعة. وبه قال عُمر، وأبو هريرة، وعمّار، والحسن البصريّ، وأهل الظّاهر، وابن خُزَيْمَة، وحكاه ابنُ المنذر عن مالك، وحُكي عن الشّافعيّ، وغيرهم. واستدلّوا بحديث أبي سَعِيد الخُدْريّ أنّ رسولَ الله قال:" غُسل الجُمعة واجبٌ على كُلِّ مُحْتَلِم ". -أي بالِغ-. رواه البخاريّ برقم 879، ومسلم برقم 846.

وأجاب الجُمهور عن هذا الحديث بأنّه مَحمُول على السُّنيّة والقَرِينة الصّارِفة ما ذكرنا من أدلّة.

وذهب بعضُ العُلماء إلى القَوْل بالتّفصيل بين من له رائِحَةٌ كريهة يحتاج إلى إزالتها فيجب عليه، ومن هو مُسْتَغْنٍ عنه فيُستحبّ لَه. وبه قال بعضُ الحنابلة، واختاره ابنُ تيمية. واستدلّوا له بحديث عائشة أنّها قالت:" كان النّاسُ يَنْتَابُون الجُمعة من منازلهم ومن العَوالي-مكان قريب من المدينة- فيأتُون في الَعباء فيُصيبُهم الغُبار والعَرق فتُخرِج منهم الرِّيحُ فأتَى النّبيّ إنسانٌ وهو عندي، فقال النّبيّ :" لو أنّكم تَطهّرتم ليومكم هذا ". رواه البخاريّ برقم 902، ومسلم برقم 847. فإنّهم أُمِروا بالإغتسال لأجل الرّوائح الكَريهة، فإذا زالت زال الوُجوب. قال المرداويّ:" أوجبه الشّيخ تقيّ الدّين من عَرق أو ريح، يتأذّى به النّاس. وهو من مُفردات المذهب أيضاً ". (الإنصاف ج1/181)

قال النوويّ:" فمنها غُسل الجُمعة، وهو سُنّة عندنا وعند الجمهور، وأوجبه بعضُ السّلف ". (المجموع ج2/232) وقال الشّوكانيّ:" قال النوويّ: فحُكي وجوبُه عن طائفة من السّلف، حكوه عن بعض الصّحابة، وبه قال أهلُ الظّاهر. وحكاه ابن المنذر عن مالك، وحكاه الخطّابيّ عن الحسن البصريّ، ومالك، وحكاه ابن المُنذر أيضاً عن أبي هريرة، وعمّار، وغيرهما. وحكاه ابنُ حزم عن عُمر، وجمع من الصّحابة، ومن بعدهم. وحُكي عن ابن خُزيمة، وحكاه شارحُ الغُنية لابن سُريج قولاً للشّافعيّ. وقد حكى الخطّابيُّ، وغيره الإجماع على أنّ الغُسل ليس شرطاً في صحّة الصّلاة، وأنّها تصحّ بدونه.

وذهب جمهور العلماء من السّلف والخلف وفقهاء الأمصار إلى أنّه مُستحبّ. قال القاضي عِياض: وهو المعروف من مذهب مالك وأصحابه ". (النيل ج1/290)

2- الاغتسال للدُّخول في الإسلام

لقصّةً ثُمامَة بن أُثال عندما أسْلم وأمره النّبيّ أن يغتسل، فاغتسل وصلّى ركعتين. فقال النّبيّ : لقد حَسُنَ إسلام أخيكم ". رواه عبد الرزّاق برقم 9834، ومن طريقه ابنُ خُزيمة ج1/125، وابن حبّان ج4/41، وصحّحه الألبانيّ في إرواء الغليل ج1/164، ولحديث قَيس بن عاصِم حيث قال:" أتَيْتُ النّبيّ أُريد الإسلام فأمرَني أن أغتسل بماءٍ وسِدْرٍ ". رواه أبو داود برقم 355، والتّرمذيّ برقم 605، والنّسائيّ برقم 188، وأحمد برقم 20611، وصحّحه ابنُ خُزَيْمة برقم 254، وابنُ حِبَّان برقم 1228، وابن السَّكن، وابنُ المُلَقِّن، والألبانيّ في صحيح أبي داود برقم 342، ومحمّد عليّ الإتيوبيّ في ذخيرة العُقبى ج4/88، وحسّنه النَّوَوِي في المجموع ج2/173.

ولم يُحمل الأمر هنا على الوُجوب لأنّه قد أسلم خَلقٌ كثير ولم يأمُرهم النّبيّ بالإغتسال، ولو أمرهم لنُقل إلينا، ولو كان واجبًا لَما خُصَّ بالأمر به بعضًا دون بعض فيكون ذلك قَرينة تَصرِف الأمر إلى السُّنية، ولأنّه لمّا بعث النّبيّ مُعاذًا إلى اليمن قال له:" ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدًا عبدُه ورسولُه…". ولم يذكر الغُسل، ولو كان هذا واجبًا لأمرهم به لأنّه أوّلُ الواجبات فيسبق الدَّعوة إلى الشّهادة. (المغني ج1/275).

قال الشّوكانيّ :" وقد ذهب إلى الوجوب مُطلقاً أحمد بن حنبل، وذهب الشّافعيّ إلى أنّه يُستحبّ له أن يغتسل فإن لم يكن جُنُباً أجزأه الوضوء، وأوجبه الهادي وغيرُه على من كان قد أجنب حال الكُفر سواء كان قد اغتسل أم لا لعدم صحّة الغُسل، وقال باستحبابه لمن لم يُجنب، وأوجبه أبو حنيفة على من أجنب ولم يغتسل حال كفره، فإن اغتسل لم يجب... ". (نيل الأوطار ج1/281)

فالمسألة اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال:

الأوّل: الوجوب مُطلقاً، وبه قال المالكية في قول، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، واختاره ابن المُنذر، والخطّابيّ، والشّوكانيّ.

الثّاني: أنّه لايجب عليه الغُسل، إلّا أن يكون وُجد منه في حال كُفره ما يوجب الغُسل، فإن لم يوجد ذلك فالمُستحبّ له أن يغتسل، وبه قال الحنفية، والمالكية، والشّافعية.

الثّالث: أنّه لا يجب الغسل بحال، وهو قول في مذهب الحنابلة. (منحة العلّام ج2/25-26)

والرّاجح مذهب من قال بالاستحباب، لأنّه لم يُحفظ عن كلّ من أسلم أنّه أُمِر بالاغتسال لا في عهد النُّبوة، ولا بعده إلّا عن طائفة قليلة، فدلّ على الاستحباب.

3- الإغتسال من غُسل الميّت

لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله :" من غَسّل ميّتًا فليغتسل ومن حَمَله فليتوضّأ ". رواه أبوداود برقم 3161، والتّرمذيّ برقم 993، وحسّنه، وأحمد برقم 7689، وابنُ حِبّان برقم 1161، وصحّحه، وصحّحه الذّهبيّ، وابنُ دقيق العيد، وابنُ القيّم، وحسّنه ابنُ حجر في الفتح ج1/145، وابنُ القطّان، والألبانيّ في الإرواء برقم 144، وقد أعلّه جماعة، كالإمام أحمد، وعليّ بن المَدِينيّ، والذُهليّ، والبُخاريّ، والبيهقيّ، وابن المُنذر، كما في تلخيص الحبير ج1/370، وضعّفه النوويّ في المجموع ج5/144.

ولحديث ابن عبّاس :" ليس عليكم في غُسل ميّتكم غُسل إذا غسّلتموه، إنّ مَيّتَكم يموت طاهرًا وليس بنجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم ". رواه البيهقيّ في السُّنن الكبرى ج3/398، وحسّنه ابنُ حجر في تلخيص الحبير ج1/372.

ولحديث ابن عمر :" كُنّا نغسّل الميّت، فمِنّا من يغتسل ومِنّا من لا يغتسل ". رواه عبد الله بن أحمد، وصحّحه ابن حجر في تلخيص الحبير ج1/372.

وحملوا الأمر في حديث أبي هريرة على الاستحباب لهذه الصّوارف.

وبه قال مالك، والشّافعيّ، ونسبه في الدّراري المُضيئةج1/77 للجمهور.

وقال بالوجوب عليٌّ، وأبي هريرة ، وابن المُسيّب، والحسن البَصْريّ، وابنُ سيرين، والزُّهريّ، وزُفر، وأهل الظّاهر.

وقال أبو حنيفة، واللّيث بن سَعْد: لا يجب ولا يُستحبّ.

وقال الحنابلة: يجب الوضوء من غسل الميّت.

والرّاجح قول من قال بالاستحباب، لأنّه يجمع بين الأدلّة. واختاره الشّوكانيّ في النّيل ج1/299، والألبانيّ في أحكام الجنائز ص53-54، وابن عُثيمين في الشّرح المُمتع ج1/295، وصالح الفوزان في تسهيل الإلمام ج1/197.

4- الاغتسال للعيد

قال ابن ابن عبد البرّ :" وأمّا غُسله للعيدين فمُستحبٌّ عند جماعة علماء المدينة. كان ابنُ عُمر، وسعيد بن المُسيِّب، وسالم بنُ عبد الله، وعُبيد الله بن عبد الله يغتسلون ويأمرون بالغُسل للعيدين.

ورُوي ذلك عن جماعة من علماء أهل الحجاز، والعراق، والشّام، منهم: عليُّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عبّاس، وعلقمة، والحسن، وقتادة، ومحمّد بن سِيرين، ومُجاهد، ومكحول.

واتّفق الفُقهاءُ على أنّه حسنٌ لمن فَعله، والطِّيبُ يُجزئ عندهم منه، ومن جمعهما فهو أفضل". (الاستذكار ج2/377-378)

وقال النوويّ :" ومن الغُسل المسنون غُسل العيدين، وهو سُنّةٌ بالاتّفاق، سواء الرِّجال والنّساء والصِّبيان لأنّه يُراد للزِّينة، وكلُّهم من أهلها، بخلاف الجمعة، فإنّه لقطع الرّائحة، فاختصّ بحاضرها على الصّحيح ". (المجموع ج2/233)

وقال ابن رُشد :" أجمع العلماءُ على استحسان الغُسل لصلاة العيدين ". (بداية المجتهد ج1/394)

قال الألبانيّ :" وأحسن ما يُستدلُّ به على استحباب الاغتسال للعيدين ما رَوى والبيهقيُّ من طريق الشّافعيّ، عن زاذان قال:" سأل رجلٌ عليًّا عن الغُسل؟ فقال:" اغتسل كلّ يوم إن شئت ". فقال:" لا الغُسل الذي هو الغُسل ". قال:" يوم الجُمعة، يوم عَرفة، ويوم النّحر، ويوم الفطر ". وسندُه صحيح ". (الإرواء ج1/176-177).

ورَوى الفَرْيابيّ، عن سعيد بن المسيّب، أنّه قال:" سُنّة الفطر ثلاث: المشيُ إلى المُصلّى، والأكلُ قبل الخروج، والاغتسالُ ". وصحّح إسناده الألبانيّ في الإرواء تحت حديث رقم 636.

وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر:" أنّه كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلّى ". (الموطّأ مع شرح الزّرقاني برقم 428).

قال الزُّرقانيّ :" ومِمّن استحبّه أهلُ المدينة، وجماعة من أهل العراق والشّام. وقال غيرُهم إن فعله فحَسن، والطّيبُ يجزي منه، قاله الباجيّ ". (شرح الموطّأ ج1/532)

وقال ابن قُدامة :" يُستحبُّ أن يتطهّر بالغُسل للعيد، وكان ابن عُمر يغتسل يوم الفطر، وروي ذلك عن عليّ ﵁، وبه قال عَلقمة، وعُروة، وعطاء، والنّخعيّ، والشّعبيّ، وقَتادة، وأبو الزِّناد، ومالك، والشّافعيّ، وابن المُنذر ". (المغني ج2/370)

وقال النّوويّ :" قال الشّافعيّ وأصحابه: يُستحبّ الغُسلُ في العيدين، وهذا لا خلاف فيه، والمُعتمد فيه أثرُ ابن عمر، والقياس على الجمعة ". (المجموع ج5/7)

5- غُسل الإحرام

لحديث زيد بن ثابت أنّه رأى النّبيّ تَجرَّد لإهْلالِه واغتسل ". رواه التّرمذيّ برقم 830، وحسّنه، وكذلك حسّنه الألبانيّ في الإرواء برقم 149. الإهلال: رفع الصّوت بالتّلبية.

ولقول ابن عمر :" إنّ من السُّنّة أن يغتسل إذا أراد أن يُحْرِم وإذا أراد أن يدخُل مَكّة ". رواه الحاكم برقم 1639، والبيهقيّ برقم 9212، وصحّحه ابنُ حجر في الفتوحات الرَّبانية ج4/3500، والألبانيّ في الإرواء ج1/179. وهذا الحديث وإن كان مَوْقُوفًا غير أنّ له حكم الرَّفع، لقوله "من السُّنّة"، كما تقرّر في مُصْطَلح الحديث. (الإرواء ج1/179)

6- الاغتسال عند دخول مَكّة

لحديث نَافع أنّه قال:"كان ابنُ عمر إذا دَخل أدنى الحَرَم أمْسَكَ عن التَّلبِيَة ثم يَبِيتُ بِذِي طُوَى، -واد مَعرُوف بقُرْب مَكّة- ثُمَّ يُصلّي به الصُّبح ويَغتَسِلُ ويُحَدِّثُ أنّ النّبيّ كان يَفعلُ ذلك ". رواه البخاريّ برقم 1573، ومسلم برقم 1259. وهو مُستحبٌّ عند جميع العلماء كما قاله ابن المنذر. (فتح الباري ج3/435)

قال ابنُ عبد البرّ :" وكذلك استحبّ العلماءُ الاغتسال لدُخول مكّة، وللإحرام، والوقوف بعرفة...". (الاستذكار ج2/378)

وقال النوويّ :" ومنه أغسال الحجّ، وهي الغُسل للإحرام، ولدخول مكّة، وللوقوف بعرفة، وللوقوف بالمشعر الحرام، وثلاثة أغسال لرمي الجِمار في أيّام التّشريق الثّلاثة، نصّ الشّافعيُّ على هذه السَّبعة في الأُمّ ". (المجموع ج2/234)

7- الاغتسال عند كل جماع

لحديث أَبِي رَافِع أن النّبيّ طاف ذات يوم على نسائه يَغتسلُ عند هذه وعند هذه، قال:"يا رسول الله، ألا تجعله واحدًا؟ ". قال:" هذا أزكى وأطْيَب وأطْهَر ". رواه أبو داود برقم 219، وابن مَاجَه برقم 590، وصحّحه الألبانيُّ في صحيح أبي داود برقم 203. قال أبو الطيّب العظيم آبادي:" والحديث يدلُّ على استحباب الغُسل قبل المُعاودة، لا خلاف فيه ". (عون المَعبود ج1/254)

8- اغتسال المُستحَاضة لكلّ صلاة

إذا جمعت بين الظُّهر والعصر فتغتسل غُسلًا واحدًا، والمغرب والعشاء غُسلًا، وللفجر غُسلًا، لحديث عائشة قالت:" إنّ أمّ حَبيبة استُحِيضت في عهد رسول الله، فأمرها بالغُسل لكلّ صلاة...". رواه أبو داود برقم 292، وصحّحه الألبانيُّ في صحيح أبي داود برقم275، وفي رواية:" فأُمِرَت أن تُعجِّل العَصر وتؤخّر الظّهر وتغتسل لهما غُسلًا واحدًا، وتؤخّر المغرب وتُعجّل العشاء، وتغتسل لهما غُسلًا، وتغتسل لصلاة الصُّبح غُسلًا ". رواه أبو داود برقم 294، وصحّحه الألبانيُّ في صحيح أبي داود برقم281.

قال محمود خطّاب:" ولا تصلّي بذلك الوضوء أكثر من فريضة واحدة مُؤدّاة أو مَقضية، لظاهر قوله: ثمّ توضّئي لكلّ صلاة. وبهذا قال الجمهور.

وعند المالكية: يُستحبّ لها الوضوء، ولا يجب إلّا بحدث آخر.

وقال أحمد، وإسحاق: إن اغتسلت لكلّ فرض فهو أحوط.

وعند الحنفية: أنّ الوضوء مُتعلّقٌ بوقت الصّلاة، فلها أن تُصلّيَ به الفريضة وما شاءت من الفوائت، ما لم يخرج وقتُ الحاضرة. وقالوا معنى قوله: توضّئي لكلّ صلاة، أي: لوقت كلّ صلاة، ففيه مجاز الحذف، ويحتاج إلى دليل. أه بِتصرّف ". (المنهل العذب المورود ج3/105)

وقال النوويّ:" واعلم: أنّه لا يجب على المُستحاضة الغُسل لشيء من الصّلاة، ولا في وقت من الأوقات غُسلاً مرّةً واحدةً في وقت انقطاع حَيضها، وبهذا قال جُمهور العُلماء من السَّلف والخَلف، وهو مَرويّ عن عليّ، وابن مسعود، وابن عبّاس، وعائشة، وهو قول عُروة بن الزُّبير، وأبي سلمة بن عبد الرّحمن، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد.

ورُوي عن ابن عُمر، وابن الزُّبير، وعطاء بن أبي رَباح أنًهم قالوا: يجب عليها أن تغتسل لكلّ صلاة، ورُوي هذا أيضاً عن عليٍّ، وابن عبّاس، ورُوي عن عائشة أنّها قالت: تغتسل كلّ يوم غُسلاً واحداً، وعن ابن المُسيِّب، والحسن قالا: تغتسل من صلاة الظّهر إلى صلاة الظُّهر دائماً ". (شرح مسلم ج4/19)

فأحاديث أمر النّبيّ للمُستحاضة بالاغتسال لكلّ صلاة صحيحة، ويُحمل الأمرُ فيها على الاستحباب، لا على الوجوب، بدليل أمره لها بالوضوء عند كلّ صلاة، فإنّ هذا يَصرف الأمرَ عن الوجوب إلى الاستحباب. وعليه فالمُستحاضة تغتسل عند كلّ صلاة استحباباً، وإن اقتصرت على الوضوء أجزأها.

9- الاغتسال من الإغماء والجُنون

ودليله حديث عبد الله بن عُتبة قال:"دخلت على عائشة فقلتُ: ألا تُحدِّثيني عن مرض رسول الله ؟ قالت: بلى ثَقُل النّبيُّ فقال: أصلّى النّاس؟ قُلنا: لا، هم ينتظرونك، قال: ضعُوا لي ماء في المِخضَب، قالت: ففعلنا فاغتسل فذهب لِيَنُوءَ فأُغميَ عليه ثمّ أفاق، فقال : أصلّى النّاس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: ضَعوا لي ماء في المِخضب، قالت: فقعد فاغتسل...". رواه البخاريّ برقم 687، ومسلم برقم 418. معنى ينوء: يقوم وينهض بجُهد. ومعنى المِخضَب:" الإناء الذي يغسل فيه الثّياب من أيّ جنس كان، وقد يُطلق على الإناء صغيرا أو كبيرا ". (فتح الباري ج1/401). قال الشّوكاني:" وقد ساقه ها هُنا للاستدلال به على استحباب الاغتسال للمُغمَى عليه، وقد فعله النّبيّ ثلاث مرّات وهو مُثقل بالمرض، فدلّ ذلك على تأكُّد استحبابه ". (نيل الأوطار ج1/306) وقال ابن قُدامة :" قال ابن المُنذر : ثبت أنّ النّبيّ اغتسل من الإغماء، وأجمعوا على أنّه لا يجب ". (المغني ج1/280) وقال منصور البُهوتيّ :" أو أفاق من جُنون، أو إغماء بلا حُلم، أي: إنزال، سُنّ له الغُسلُ، لأنّ النّبيّ اغتسل من الإغماء. مُتّفق عليه، والجُنون في معناه، بل أولى ". (الرّوض المُربع ج1/125)

وحمل عِياض الغُسل هُنا على الوضوء، من حيث إنّ الإغماء ينقض الوضوء، وتعقّبه النوويُّ ، فقال:" ولكن الصّواب أنّ المُراد غسل جميع البدن، فإنّه ظاهر اللَّفظ، ولا مانع يَمنع منه، فإنّ الغُسل مُستحبٌّ من الإغماء، بل قال بعضُ أصحابنا: إنّه واجب، وهذا شاذٌّ ضعيف ". (شرح مسلم للنوويّ ج4/136)

تنبيه: قال النوويّ :" جواز الإغماء على الأنبياء، ولا شكّ في جوازه، فإنّه مَرض، والمرضُ يجوز عليهم، بخلاف الجُنون، فإنّه لا يجوز عليهم، لأنّه نقصٌ، والحكمةُ في جواز المرض عليهم، ومصائبِ الدّنيا تكثيرُ أجرهم، وتَسليةُ النّاس بهم، ولئلا يُفتتن النّاسُ بهم، ويعبدونهم، لما يَظهرُ عليهم من المُعجزات والآيات البيِّنات ". (شرح مسلم ج4/136)

11- الأحكام المُرَتَّبة على الجنابة:

1- لا يجوز للجُنب المُكث في المسجد إلّا عابِر سَبيل لقوله تعالى: ﴿... وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا... ﴾النّساء43. فإذا توضّأ جاز لَه المُكْث في المسجد لثُبُوت ذلك عن جماعة من الصّحابة على عهد النّبيّ ، لأنّ الوضوء يخفِّف الحَدَث. وبه قال الحنابلة، وإسحاق، واحتجّوا بحديث زيد بن أسلم أنّه قال:" كان أصحا بُ رسول الله يتحدّثون في المسجد على غير وضوء، وكان الرّجُل يكون جُنباً فيتوضّأ، ثمّ يدخل، فيتحدّث". رواه ابن أبي شيبة برقم 1567

قال ابن قدامة :" وهذا إشارةٌ إلى جميعهم، فيكون إجماعاً يُخصُّ به العُموم، ولأنّه إذا توضّأ خَفّ حُكمُ الحدث، فأشبه التيمّم عند عدم الماء، ودليلُ خِفّته أمرُ النّبيّ الجُنب به إذا أراد النّوم، واستحبابُه لمن أراد الأكل ومُعاودة الوطء". (المغني ج1/202)

وبما رواه عطاء بن يسار :"رأيت رِجالا من أصحاب النّبيّ يجلسون في المسجد، وهم مُجنبون، إذا توَّضؤوا وضوء الصّلاة ". رواه سعيد في السُّنن ج4/1275، ورواه أبو إسحاق المالكيّ في أحكام القرآن برقم 139، وقال ابن كثير في التّفسير ج2/313:" هذا إسناد صحيح على شرط مسلم ". وقال أكثر أهل العلم لا يجوز. (المغني ج1/202)

2- لا يجوز له مسّ المُصحف، لقوله :" لا يمسّ المُصحف إلّا طاهر". رواه مالك في الموطّأ برقم 469 والنَّسائيّ برقم 4853 وصحّحه الأئمّة، كابن عبد البرّ، حيث قال:"والدليل على صِحّة كتاب عمرو بن حزم تلّقي جمهور العلماء له بالقبول «. (التّمهيد 17/397). وقال :" إنّه أشبه بالمُتواتر، لتلَّقي النّاس له بالقبول. وقال يعقوب بنُ سُفيان : لا أعلم كتاباً أصحّ من هذا الكتاب، فإنّ أصحابَ رسول الله والتّابعين يرجعون إليه، ويدَعون رأيهم ". (إتحاف الطّالب الأحوذيّ ج3/439-440) وقال ابن تيمية :" وهو كتاب مشهور عند أهل العلم ". وقال في موضع آخر:" وهو صحيح بإجماعهم ". (شرح العمدة ج1/417) قال إسحاق بن راهويه :" لا يقرأ أحدٌ المصحف إلّا وهو مُتوضّئ ". (حاشية هدي الأبرار ص52) وقال الشّوكانيّ :"...وقد وقع الإجماع على أنّه لا يجوز للمُحدث حدثاً أكبر أن يمّس المصحف، وخالف في ذلك داود ". (النيل ج1/260) وقال محمّد عليّ الإتيوبيّ:" وممّا صحّ عن الصّحابة ما رواه عبد الرّحمن بن يزيد، عن سلمان: أنّه قضى حاجته، فخرج، ثمّ جاء، فقلتُ: لو توضّأت، لعلّنا نسألك عن ايات؟ قال: إنّي لستُ أمسّه، ولا يمسّه إلّا المُطّهرون، فقرأ علينا ما شئنا. أخرجه الدّارقطنيّ، وصحّحه. قاله في إتمام الدِّراية.

وما رواه مصعب بن سعد بن أبي وقّاص، فاحتَكَكتُ، فقال سعد: لعلّك مسستَ ذكرك؟ قال: فقلت: نعم، فقال: قُم توضّأ، فقمتُ فتوضّأتُ، ثمّ رجعتُ. رواه مالك، وعنه البيهقيّ، وسنده صحيح. قاله في إرواء الغليل ج1/160.

وخلاصة القول: أنّ أرجح المذاهب مذهب من مَنع عن مَسِّ المصحف للمُحدث، لصحّة حديث:" لا يمسّ القرآن إلّا طاهر ". (إتحاف الطّالب الأحوذيّ ج3/440)

3- لا يجوز له قراءة القرآن لحديث عليّ :" كان لا يمنعه من قراءة القرآن شيء إلّا الجنابة ". رواه أحمد برقم 1011، وأبو داود برقم 229، والتّرمذيّ برقم 146، والنّسائيّ برقم 265، وابن ماجه برقم 594، وقال التّرمذيّ: حسن صحيح، وصحّحه الحاكم، وابن خُزيمة، وابنُ حِبّان، وابنُ السَّكَن، وعبد الحقّ، والبَغَوِيّ، وابن عبد البرّ، وصحّحه أحمد شاكر، وحَسَّنه ابن باز، وقال ابنُ حجر:" والحقُّ أنّه من قَبيل الحَسن يصلُح للحُجّة ". (فتح الباري ج1/ 543، وحاشية ابن باز على البلوغ ص 124-125) وضعّفَه غيرُهم.

قال التّرمذيّ:" وبه قال غيرُ واحد من أهل العلم أصحاب النّبيّ ، والتّابعين، ومن بعدهم مثل سُفيان الثّوريّ، وابن المُبارك، والشّافعيّ، وأحمد، وإسحاق ". (جامع التّرمذيّ مع التُّحفة ج1/402)

وقال ابنُ عبد البرّ:" على هذا جمهورُ العُلماء من السَّلَف والخَلَف ". (الاستذكار ج2/104)

وقال ابن تيمية:" فإنّ الأئمّة الأربعة مُتّفِقون على مَنعه من ذلك ". (مجموع الفتاوى ج21/344)

وقال الكاسانيّ:" ولا يُباح للجُنب قراءةُ القرآن عند عامّة العلماء ". (بدائع الصّنائع ج1/37)

وذهب الظّاهرية، والبُخاريّ، والطّبريّ، وابنُ المنذر إلى جواز قراءة القرآن للجُنب. (الاستذكار ج2/104، وذخيرة العُقبى ج4/392).

وقالوا الحديث ضعيف، فلا تقوم به الحُجّة، لكن قال ابنُ رَجب:" والاعتمادُ في المَنع على ما رُوي عن الصّحابة ". (فتح الباري ج2/49)

سم الله الرّحمن الرّحيم