عن ابن عبّاس قال: قال رسولُ الله :" أيُّما إهاب دُبِغ فقد طَهُر ". رواه أبو داود برقم 4123، والتّرمذيّ برقم 1728، والنّسائيّ برقم 4241، وابن ماجه برقم 3609، وفي رواية لمسلم برقم 366:" إذا دُبغ الإهاب فقد طهُر ". والإهاب: الجلد قبل أن يُدبغ، فدلّ الحديث بمفهومه أنّ جلد المَيْتة قبل الدَّبِغ نجس. ودلّ الحديث بمنطُوقه أنّ جلد المَيتة يطهربعد الدّبغ. وهل يطهر كلُّ جلد؟ المسألة فيها خلاف بين العلماء، وهذه أشهر الأقوال فيها:
الأوّل: أنّه يطهر بالدّبغ جميعُ جُلود المَيتة إلّا الكلب والخنزير، وبه قال الإمام الشّافعيّ. قال النوويّ :"يطهر به كل جلود الميتة، إلاّ الكلب والخنزير والمتولّد من أحدهما، وهو مذهبنا ". (المجموع ج1/270، والنّيل ج1/84).
الثّاني: أنّه يطهر بالدّبغ جميعُ جُلود المَيْتة إلّا الخنزير، وبه قال الإمام أبو حنيفة. قال بُرهان الدّين المرغينانيّ :"وكل إهاب دُبغ فقد طهر وجازت الصّلاة فيه والوضوء منه، إلاّ جلد الخنزير والآدمي ". (الهداية ج1/21)
الثّالث: أنّه يطهر بالدّبغ جلد مَيتة مأكول اللّحم أي الذي تنفع فيه الذّكاة وتُحِلّه، وبه قال الأوزاعيّ، وابن المبارك، وأبو ثور، وإسحاق بن راهويه. ودليله: أنّ النّبيّ مَرّ على شاةٍ مَيتة فقال:" هلّا اخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به ". فقالوا إنّها ميتة. قال:" فإنّما حُرّم أكلُها ". رواه مسلم برقم 363. وحديث ابن عبّاس وفيه أنّ النّبي قال:" ألا دبغتموه فإنّه ذكاتُه ". رواه أحمد 25214، والنّسائيّ برقم4245، وابن حبّان برقم 1290، وصحّحه ابن باز في حاشيته على بلوغ المرام ص 68، وحديث سَلَمَة بن المُحْبِق بلفظ:" دِباغ الأديم -أي الجلد- ذكاتُه ". رواه أبوداود برقم 4125، والنّسائيّ برقم 48،42، واللّفظ له. قال النوويّ :" رواه أبوداود، والنّسائيّ بإسناد صحيح ". (المجموع ج1/271). (وانظر نيل الأوطار ج1/85)
الرّابع: يَطهر بالدّبغ كلّ جُلود المَيْتة، وبه قال اللّيث، وداود، وحكاه الماورديُّ عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، وكذلك بدر الدّين العَيني في البِناية ج1/408، واختاره الشّوكانيّ في النّيل ج1/85. ودليلُه حديث ابن عبّاس المتقدّم.
الخامس: لا يطهر بالدِّباغ شيء من جلود الميتة، وبه قال أحمد في أشهر الرّوايتين عنه، كما في التّسهيل (فقه الدّليل في شرح التّسهيل ج1/77)، ومالك في المشهور، كما مَشى عليه خليل في مختصره، حيث قال :"وجلدٍ ولو دُبغ ". (منح الجليل ج1/43) وقال ابن جُزيّ :" وأمّا جلد الميتة، فإن لم يُدبغ فهو نجسن، وإن دُبغ فالمشهور أنّه نجس، وفاقاً لابن حنبل، لكن يجوز في المذهب استعماله في اليابسات وفي الماء وحده من المائعات ولايجوز بيعه ولا الصّلاة عليه ولا فيه. وقيل: هو طاهر وفاقاً للشّافعيّ. (القوانين الفقهية ص 32). (وانظر الإشراف ص 110، والنّيل ج1/84، وفقه الدّليل ج1/77).
والرّاجح أنّه لا يطهر بالدِّباغ إلاّ جلد ميتة مأكول اللّحم فقط، وبه قال ابن تيمية كما في الفتاوى ج21/95، وعبد الرّحمن السّعديّ كما في المختارات الجلية ص 16، وابن باز كما في توضيح الأحكام ج1/128، والعُثيمين كما في فتح ذي الجلال والإكرام ج1/159-161. وقال في الشّرح المُمتع ج1/75:" فيكون القول الرّاجح، كلُّ حيوان مات وهو يُؤكل فإنّ جلده يطهر بالدِّباغ ".
بسم الله الرّحمٰن الرّحيم